"وحدها اتفاقية الهدنة هي الأساس"... عبارة جنبلاط تستفز جعجع

المدن - سياسةالاثنين 2026/07/06
Image-1783338846.Jpg
تحول إهداءٌ مقتضب إلى مواجهةٍ سياسية تختصر اختلافًا أوسع بين مقاربتين لمستقبل لبنان. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

أشعل إهداءٌ دوّنه النائب السّابق وليد جنبلاط على نسخةٍ من كتابه الجديد، سجالًا سياسيًّا مع رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع، بعدما أكّد فيه أنّ "وحدها اتّفاقيّة الهدنة هي الأساس"، في إشارةٍ إلى الاتّفاق الموقّع بين لبنان وإسرائيل عام 1949.

وسارع جعجع إلى الرّدّ عبر حسابه على منصّة "أكس"، شاكرًا جنبلاط على الكتاب، لكنّه خالفه في إمكان العودة إلى اتّفاقيّة الهدنة بوصفها الإطار الوحيد لمعالجة الواقع الرّاهن.

وكتب جعجع: "وليد بك جنبلاط، أشكرك على كتابك القيّم. أمّا في ما يتعلّق بإهدائك، حيث كتبت أنّ وحدها اتّفاقيّة الهدنة هي الأساس، فلا شكّ في أنّ اتّفاقيّة الهدنة كانت فعلًا الأساس بين دولة لبنان وإسرائيل. لكن، ويا للأسف، تركناها تسقط، ودسناها تحت أقدامنا منذ العام 1964 وحتّى اليوم، ما جعلها وكأنّها لم تعد موجودة".

وأضاف: "وليد بك، إنّ التّاريخ لا يعود إلى الوراء، والأيّام لا تنتظر أحدًا. والمهمّ اليوم هو أن نستدرك ما وصلنا إليه، بدلًا من البكاء على الأطلال".

وبذلك، تحوّل إهداءٌ مقتضب إلى مواجهةٍ سياسيّة تختصر اختلافًا أوسع بين مقاربتين لمستقبل لبنان وعلاقته بالصّراع العربيّ الإسرائيليّ. فجنبلاط يتمسّك باتّفاقيّة الهدنة مرجعيّةً قانونيّة وسياسيّة، ويربط أيّ سلامٍ دائم بالاعتراف بالحقوق الفلسطينيّة، فيما يرى جعجع أنّ التّحوّلات المتراكمة منذ ستّينيّات القرن الماضي أفرغت الاتّفاق من مضمونه، وأنّ المطلوب البحث عن معالجةٍ واقعيّة للحاضر بدل استعادة صيغٍ تجاوزها الزّمن.

 

كتابٌ يتجاوز حدود المذكّرات

جاء السّجال بالتّزامن مع صدور كتاب جنبلاط باللّغة الفرنسيّة عن دار "ستوك" للنّشر، تحت عنوان "قدرٌ في المشرق"، وعنوانٍ فرعيّ هو "من الحرب الأهليّة إلى السّلام غير الأكيد".

ويمتدّ الكتاب على نحو 340 صفحة، ويقدّم فيه جنبلاط مراجعةً لمسيرته السّياسيّة ولتاريخ لبنان الحديث، متوقّفًا عند الحرب الأهليّة، والعلاقة مع النّظام السّوريّ، والاغتيالات السّياسيّة، وصعود "حزب الله"، وتحالفات الدّاخل اللّبنانيّ، وصولًا إلى رؤيته للمرحلة المقبلة.

وعلى الرّغم من احتواء الكتاب على محطّاتٍ شخصيّة وعائليّة، فإنّه لا يندرج في إطار المذكّرات التّقليديّة التي تكتفي بسرد سيرة صاحبها. فالكاتب، الذي أدّى دورًا سياسيًّا محوريًّا على مدى نحو خمسة عقود، يستخدم سيرته مدخلًا لرواية جانبٍ من تاريخ لبنان المعاصر، ولتفسير مواقفه المتبدّلة وخياراته التي طالما برّرها بـ"الواقعيّة السّياسيّة" وضرورات البقاء.

ويستعيد جنبلاط تاريخ عائلته في منطقة الشّوف، وقصر المختارة، وجدّته السّتّ نظيرة، ووالدته مي أرسلان، ووالده كمال جنبلاط، فضلًا عن انتقال الزّعامة السّياسيّة والحزبيّة تدريجيًّا إلى نجله تيمور جنبلاط. لكنّ السّياسة تبقى المحور الأبرز، ولا سيّما العلاقة الشّائكة بين آل جنبلاط وآل الأسد.

 

الهدنة والسّلام غير الأكيد

في ضوء هذه المسيرة المليئة بالتّحوّلات، يكتسب السّجال بين جنبلاط وجعجع حول اتّفاقيّة الهدنة دلالةً تتجاوز الإهداء والمجاملة المتبادلة.

فجنبلاط، الذي يستعرض في كتابه نتائج الحروب الأهليّة والإقليميّة والوصايات الخارجيّة، يبدو متمسّكًا بالعودة إلى مرجعيّة الدّولة والاتّفاقات الرّسميّة، رافضًا حلولًا منفصلة عن القضيّة الفلسطينيّة. ومن هذا المنطلق، يقدّم اتّفاقيّة الهدنة باعتبارها الأساس القانونيّ الذي ينبغي أن يحكم علاقة لبنان بإسرائيل.

أمّا جعجع، فينطلق من قراءةٍ مختلفة، مفادها أنّ لبنان أسقط عمليًّا هذه المرجعيّة منذ عقود، وأنّ الوقائع العسكريّة والسّياسيّة التي تراكمت منذ عام 1964 جعلت العودة إليها وحدها غير كافية. ولذلك يدعو إلى "استدراك" الواقع القائم، بدل التّوقّف عند ما كان ممكنًا في الماضي.

ويكشف هذا التّباين عن خلافٍ أعمق داخل السّاحة اللّبنانيّة بشأن مفهوم السّلام، وحدود التّفاوض، وموقع لبنان من الصّراع الفلسطينيّ، الإسرائيليّ، ودور الدّولة في مواجهة السّلاح والحروب المتكرّرة.

وبين تمسّك جنبلاط باتّفاقيّة الهدنة، وتشديد جعجع على أنّ "التّاريخ لا يعود إلى الوراء"، يبدو السّجال فصلًا جديدًا من نقاشٍ لبنانيّ قديم: هل يكون الخروج من الحروب بالعودة إلى المرجعيّات التي جرى إسقاطها، أم بابتكار صيغةٍ جديدة تعترف بأنّ العقود الماضية غيّرت القواعد والحدود وموازين القوى؟

ذلك هو، في جوهره، "السّلام غير الأكيد" الذي يضعه جنبلاط عنوانًا فرعيًّا لكتابه، ويعيد سجاله مع جعجع طرحه على طاولة السّياسة اللّبنانيّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث