مسارات حتمية... الفرصة التاريخية!

زياد الصائغالاثنين 2026/07/06
الجيش اللبناني في الجنوب (Getty)
حصريَةُ السِلاحِ ليست بندًا سياسيًا قابلًا للتَفاوضِ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليستِ اللَّحظاتُ التَّاريخيَّةُ تلك التي تُعلِنُ عن نفسِها بضجيجٍ سياسيٍّ أو إعلاميٍّ، بل تلك التي تفرضُ على الدُّولِ خيارًا وجوديًّا بين إعادةِ تأسيسِ ذاتِها أو الاستمرارِ في مسارِ التَّفكُّك. لبنانُ يقفُ اليومَ أمامَ واحدةٍ من تلك اللَّحظاتِ النَّادرة. ليستِ الفرصةُ التي يعيشُها نتاجَ ظرفٍ داخليٍّ فقط، ولا نتيجةَ تحوُّلٍ إقليميٍّ-دوليّ فحسب، بل هي حصيلةُ تقاطعِ متغيِّراتٍ محلِّيَّةٍ وإقليميَّةٍ ودوليَّةٍ تجعلُ إعادةَ بناءِ الدَّولةِ اللبنانيَّةِ ممكنةً للمَرَّةِ الأولى منذِ انتهاءِ حروب لبنان.

غيرَ أنَّ التَّاريخَ يُعلِّمُنا أنَّ الفرصَ لا تُنقِذُ الدُّولَ تلقائيًّا، بل إنَّ الدُّولَ هي التي تُحسِنُ استثمارَ الفرصِ أو تُضيِّعُها. من هنا، فإنَّ السُّؤالَ الحقيقيَّ ليسَ ما إذا كانتِ الفرصةُ متوافرةً، بل ما إذا كانتِ الإرادةُ الوطنيَّةُ قادرةً على تحويلِها إلى مشروعِ سلامِ مستدامٍإنَّ هذهِ الفرصةَ لا يمكنُ أن تُترجَمَ إلى واقعٍ إلَّا عبرَ ثلاثةِ مساراتٍ متكاملةٍ، لا يُغني أحدُها عن الآخر، ولا يجوزُ ترتيبُها على قاعدةِ الأولويَّةِ الزَّمنيَّةِ، لأنَّها تُشكِّلُ منظومةً واحدةً لإعادةِ إنتاجِ الشَّرعيَّةِ والدَّولةِ والثِّقة.

 

المسارُ الأوَّلُ هو استكمالُ تطبيقِ اتِّفاقِ الطَّائفِ بكاملِ مندرجاتِه، لا بصورةٍ انتقائيَّةٍ، ولا وفقَ موازينِ القوى، بل باعتبارِهِ العقدَ الدُّستوريَّ النَّاظمَ للجمهوريَّةِ اللبنانيَّةِ. لقد أثبتتِ العقودُ الماضيةُ أنَّ انتقاءَ بعضِ بنودِ الطَّائفِ وإهمالَ البعضِ الآخرِ لم يُنتجِ استقرارًا، بل كرَّسَ اختلالًا بنيويًّا أصابَ المؤسَّساتِ والدَّستورَ والحياةَ الوطنيَّةَ معًا.

في قلبِ هذا المسارِ تبرزُ حتميَّةُ استعادةِ الدَّولةِ احتكارَها الكاملَ للسِّلاحِ والقوَّةِ المشروعة.حصريَّةُ السِّلاحِ ليست بندًا سياسيًّا قابلًا للتَّفاوضِ، ولا مطلبًا لفريقٍ في مواجهةِ فريقٍ آخر، إنَّما هي القاعدةُ الأولى لوجودِ أيِّ دولةٍ حديثةٍ. فلا سيادةَ بلا احتكارٍ شرعيٍّ للقوَّة، ولا ديموقراطيَّةَ في ظلِّ ازدواجيَّةِ القرارِ العسكريِّ، ولا مساواةَ بين المواطنين عندما يصبحُ السِّلاحُ مصدرًا للتَّفوُّقِ السياسيِّ أو الأمنيِّ.لقد أثبتتِ التَّجربةُ اللبنانيَّةُ أنَّ كلَّ سلاحٍ خارجَ المؤسَّساتِ الدُّستوريَّةِ يتحوَّلُ، عاجلًا أم آجلًا، إلى عاملِ تعطيلٍ للدَّولةِ، مهما كانتِ الذَّرائعُ أو الشِّعارات. لذلك، فإنَّ استكمالَ تنفيذِ الطَّائفِ يبدأُ من إعادةِ القرارِ الأمنيِّ والعسكريِّ إلى المؤسَّساتِ الشَّرعيَّةِ، وفي مقدِّمتِها الجيشُ اللُّبنانيُّ والقوى الأمنيَّةُ الشَّرعيَّةُ، باعتبارِهما الضَّامنَ الوحيدَ لأمنِ جميعِ اللبنانيِّين دونَ استثناء. لا يقتصرُ تطبيقُ الطَّائفِ على هذا البُعدِ السِّياديِّ، بل يشملُ أيضًا تنفيذَ الإصلاحاتِ الدُّستوريَّةِ التي طالَ انتظارُها، وفي مقدِّمتِها استكمالُ بناءِ الدَّولةِ المدنيَّةِ، وإنشاءُ مجلسِ الشُّيوخ، وتطويرُ اللَّامركزيَّةِ الإداريَّةِ الموسَّعةِ، وتفعيلُ الهيئةِ الوطنيَّةِ لإلغاءِ الطَّائفيَّةِ السِّياسيَّةِ، وتعزيزُ استقلاليَّةِ القضاءِ، وتحديثُ الحياةِ البرلمانيَّةِ وفقَ روحِ الدُّستورِ لا وفقَ أعرافِ تعطيلِه.

 

أمَّا المسارُ الثَّاني، فيتمثَّلُ في تنفيذِ الإصلاحاتِ البنيويَّةِ والقطاعيَّةِ التي لم تعُد ترفًا سياسيًّا أو استجابةً لمطالبِ المجتمعِ الدَّوليِّ، بل أصبحت شرطًا لبقاءِ الدَّولةِ نفسِها. فالأزمةُ اللبنانيَّةُ لم تكُن ماليَّةً فقط، بل هي أزمةُ حوكمةٍ، وإدارةٍ، وتشريعٍ، واقتصادٍ، وثقافةِ مسؤوليَّةٍ عامَّة.لقد انهارتِ الثِّقةُ بالدَّولةِ لأنَّ المؤسَّساتِ تراجعت، ولأنَّ الإدارةَ العامَّةَ استُنزفت، ولأنَّ الاقتصادَ تحوَّلَ إلى اقتصادِ ريعٍ بدلاً من أن يكونَ اقتصادَ إنتاجٍ، ولأنَّ القوانينَ فقدتْ قدرتَها على حمايةِ العدالةِ والمنافسةِ والشَّفافيَّةِ. لذلك، فإنَّ الإصلاحَ الحقيقيَّ يبدأُ من إعادةِ الاعتبارِ لسيادةِ القانون، واستقلالِ القضاء، وإصلاحِ الإدارةِ العامَّةِ، ورقمنةِ الخدمات، وتحديثِ التَّشريعات، وإعادةِ هيكلةِ الماليَّةِ العامَّةِ، وإصلاحِ القطاعِ المصرفيِّ، وإطلاقِ نموذجٍ اقتصاديٍّ جديدٍ قائمٍ على المعرفةِ والإنتاجِ والابتكارِ والاستثمارِ، لا على المضارباتِ والاحتكاراتِ والزبائنيَّةِ. كما يقتضي الإصلاحُ معالجةَ الاختلالاتِ الاجتماعيَّةِ العميقةِ عبرَ سياساتٍ تُعيدُ بناءَ شبكةِ الأمانِ الاجتماعيِّ، وتحمي الفئاتِ الأكثرَ هشاشةً، وتُعزِّزُ العدالةَ في الوصولِ إلى التَّعليمِ والصِّحَّةِ والعملِ والسَّكنِ الكريم. لا يمكنُ لأيِّ إصلاحٍ أن ينجحَ إذا بقيَ الفسادُ جزءًا من النِّظامِ السِّياسيِّ والإداريِّ. الفسادُ ليس انحرافًا فرديًّا فقط، بل أصبحَ منظومةً تُنتجُ الفشلَ وتُعطِّلُ الاستثمارَ وتُفقدُ المواطنَ ثقتَهُ بالدَّولة.لذلك، فإنَّ مكافحةَ الفسادِ ليست شعارًا أخلاقيًّا، بل سياسةٌ عامَّةٌ تتطلَّبُ مؤسَّساتٍ مستقلَّةً، ومحاسبةً فعليَّةً، وشفافيَّةً كاملةً في إدارةِ المالِ العام.

 

يأتي المسارُ الثَّالثُ ليُكمِلَ ما بدأهُ المسارانِ السَّابقان، وهو نقلُ لبنانَ من دائرةِ الصِّراعِ المفتوحِ والهدنِ المؤقَّتةِ إلى فضاءِ السَّلامِ المستدام والحياد الإيجابي. منذُ عقودٍ، يعيشُ لبنانُ بين حربٍ مؤجَّلةٍ وأخرى محتملةٍ، وبين اتِّفاقِ وقفِ إطلاقِ نارٍ وآخر، فيما تغيبُ رؤيةٌ وطنيَّةٌ تُخرجُهُ نهائيًّا من اقتصادِ الحروبِ وسياساتِ المحاور. لقد أثبتتِ العقودُ الماضيةُ أنَّ الدَّولةَ التي تُدارُ بمنطقِ الجبهاتِ لا تستطيعُ بناءَ اقتصادٍ، ولا تطويرَ تعليمٍ، ولا جذبَ استثمارٍ، ولا حمايةَ مجتمعٍ. الحروبُ لا تُنتجُ إلَّا مزيدًا من الفقرِ والهجرةِ والتَّطرُّفِ، فيما السَّلامُ هو البيئةُ الوحيدةُ التي تسمحُ بازدهارِ الإنسانِ والمؤسَّسات.والسَّلامُ المستدامُ ليس استسلامًا، ولا تنازلًا عن الحقوقِ الوطنيَّةِ، بل هو انتقالٌ من منطقِ إدارةِ النِّزاعاتِ إلى منطقِ بناءِ المصالحِ الوطنيَّةِ العليا. هو يفترضُ تثبيتَ السِّيادةِ الكاملةِ على جميعِ الأراضيِ اللبنانيَّةِ، وإنهاءَ كلِّ أشكالِ الاحتلالِ والوصاياتِ والتَّدخُّلاتِ الخارجيَّةِ، وترسيخَ الدِّبلوماسيَّةِ بوصفِها الأداةَ الأولى لحمايةِ المصالحِ الوطنيَّةِ. كما يفترضُ هذا المسارُ إعادةَ تعريفِ الأمنِ القوميِّ اللُّبنانيِّ انطلاقًا من مفهومِ الأمانِ الإنسانيِّ، بحيثُ تتكاملُ الأبعادُ السِّياسيَّةُ والعسكريَّةُ والاقتصاديَّةُ والاجتماعيَّةُ والثَّقافيَّةُ والبيئيَّةُ ضمنَ رؤيةٍ وطنيَّةٍ واحدة. الدِّفاعُ عن الوطنِ لا يقتصرُ على حمايةِ الحدودِ، بل يشملُ أيضًا حمايةَ الاقتصادِ، والمؤسَّساتِ، والحريَّاتِ، ورأسِ المالِ البشريِّ، والهوِّيَّةِ الوطنيَّةِ الجامعة.

 

في هذا الإطارِ، تكتسبُ الحريَّةُ معناها الحقيقيَّ باعتبارِها شرطًا لتقدُّمِ المجتمعِ، لا امتيازًا تمنحُهُ السُّلطة. فلبنانُ لم يكن يومًا قويًّا بعددِ جيوشِهِ، بل بحريَّةِ جامعاتِهِ، وصحافتِهِ، وفكرِهِ، وإبداعِ أبنائِهِ. لذلك، فإنَّ حمايةَ الحريَّاتِ العامَّةِ والفرديَّةِ ليست بندًا هامشيًّا في مشروعِ بناءِ الدَّولة، بل هي أحدُ أعمدتِها الأساسيَّة. كذلكَ الأمرُ بالنِّسبةِ إلى التَّعدُّديَّةِ، التي تُشكِّلُ جوهرَ الرِّسالةِ اللبنانيَّةِ. التَّعدُّديَّةُ ليست مجرَّدَ تنوُّعٍ ديموغرافيٍّ أو طائفيٍّ، وإنَّما ثقافةُ اعترافٍ متبادلٍ، وشراكةٍ وطنيَّةٍ، واحترامٍ للكرامةِ الإنسانيَّةِ، ومساواةٍ كاملةٍ بين المواطنين تحتَ سقفِ الدُّستور.من هنا، فإنَّ الدِّيموقراطيَّةَ لا يمكنُ اختزالُها بالانتخاباتِ وحدَها، بل هي منظومةُ مؤسَّساتٍ ومحاسبةٍ وتداولِ سُلطةٍ واستقلالِ قضاءٍ وحرِّيَّةِ إعلامٍ ومجتمعٍ مدنيٍّ حيٍّ. كما أنَّ اللِّيبراليَّةَ، في معناها السِّياسيِّ والاقتصاديِّ الحديث، تُعبِّرُ عن احترامِ كرامةِ الإنسانِ، وحريَّةِ المبادرةِ، واقتصادِ السُّوقِ المنظَّمِ بالقانونِ، ودورِ الدَّولةِ في حمايةِ المنافسةِ والعدالةِ الاجتماعيَّةِ، بعيدًا عن الاحتكارِ والزبائنيَّةِ والشَّعبويَّةِ.

 

إنَّ لبنانَ لا يحتاجُ إلى إعادةِ إنتاجِ أزماتِهِ بأسماءٍ جديدة، بل إلى عقدٍ وطنيٍّ يُعيدُ الاعتبارَ للفردِ المواطنِ، ويُحرِّرُ المؤسَّساتِ من هيمنةِ المصالحِ الفئويَّةِ، ويجعلُ الدَّولةَ المرجعيَّةَ الوحيدةَ في إدارةِ الشَّأنِ العام.لقد انتهى زمنُ تأجيلِ القراراتِ المصيريَّةِ. لم يعُد مقبولًا إدارةُ البلادِ بمنطقِ التَّسوياتِ المؤقَّتةِ التي تُرحِّلُ الأزماتِ بدلَ حلِّها. فكلُّ تأخيرٍ إضافيٍّ في استكمالِ هذهِ المساراتِ يُهدِّدُ بإهدارِ فرصةٍ قد لا تتكرَّرُ لعقودٍ. إنَّ لبنانَ يقفُ اليومَ أمامَ معادلةٍ واضحةٍ لا تحتملُ الالتباسَ. إمَّا استكمالُ تنفيذِ اتِّفاقِ الطَّائفِ بكلِّ مندرجاتِهِ، وفي مقدِّمتِها حصريَّةُ السِّلاحِ بيدِ الدَّولة، وإمَّا استمرارُ ازدواجيَّةِ الشَّرعيَّةِ. وإمَّا إصلاحاتٌ بنيويَّةٌ تعيدُ إنتاجَ الثِّقةِ والاقتصادِ والمؤسَّساتِ، وإمَّا مواصلةُ الانهيارِ. وإمَّا انتقالٌ نهائيٌّ إلى السَّلامِ المستدامِ، وإمَّا البقاءُ رهينةَ دوراتِ الحربِ والهدنِ المؤقَّتةِ.

 

إنَّ هذهِ المساراتِ الثَّلاثةَ ليست مشاريعَ منفصلةً، بل أضلاعُ مثلَّثٍ واحدٍ يُعيدُ تأسيسَ الجمهوريَّةِ اللبنانيَّةِ على قواعدِ السِّيادةِ والدُّستورِ والإصلاحِ والسَّلام. السِّيادةُ من دون إصلاحٍ تبقى هشَّةً، والإصلاحُ من دون سلامٍ يبقى ناقصًا، والسَّلامُ مع الحياد الإيجابيّ من دون دولةٍ قويَّةٍ يبقى مؤقَّتًا.وحدَهُ تكاملُ هذهِ المساراتِ قادرٌ على إنقاذِ لبنانَ الفكرةِ، بوصفِهِ نموذجًا للحريَّةِ والتَّعدُّديَّةِ والدِّيموقراطيَّةِ واللِّيبراليَّةِ في الشَّرق، وإنقاذِ لبنانَ الكيانِ بوصفِهِ دولةً سيِّدةً مستقلَّةً عادلةً وقادرةً. عندئذٍ فقط، لا يعودُ المستقبلُ مجرَّدَ أملٍ مؤجَّلٍ، بل يصبحُ مشروعًا وطنيًّا قابلًا للحياة، وتغدو الدَّولةُ المرتجاةُ حقيقةً تُصنعُ بالإرادةِ والسِّياساتِ العامَّةِ، لا بالشِّعاراتِ والانتظار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث