"مختبر" الانسحاب التجريبي: "ميني مفاوضات" عسكرية تحت النار

مانشيت - المدنالاثنين 2026/07/06
النبطية في تموز 2026 (مصطفى جمال الدين)
تمنح الرعاية الأميركية لبنان قدرةً على إلزام إسرائيل بخطوات محددة. (النبطية - مصطفى جمال الديم)
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا صدق ما يتم تسريبه في الإعلام الإسرائيلي، فإن "اتفاق الإطار" سيكون قريبًا أمام المحك التنفيذي الأول، إذ هناك أحاديث لا يعرف مدى صدقيتها حول استعدادات لبدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي التجريبي من منطقتين محددتين. ولكن، في هذه الأثناء، جرى اليوم، وبشكل لافت، رفع منسوب الغارات الجوية الدموية، وعمليات النسف الممنهج للقرى، ما يكشف عن هوة شاسعة بين تفاهمات الغرف المغلقة وواقع الميدان.
وعلمت "المدن" أن قائد قوات مشاة البحرية الأميركية في القيادة المركزية (سنتكوم)، الفريق جوزيف كليرفيلد، سوف يكون مكلفًا بالإشراف على اللجنة الخاصة بترتيبات المناطق التجريبية. وبحسب المعلومات، فإنّ كليرفيلد، سيشرف على ما يشبه غرفة عمليات مشتركة، وهو كان قد نقل إلى إسرائيل مطالب لبنانية تتعلق بآلية تنفيذ المناطق التجريبية وبالخطوات التالية لإسرائيل بعد المناطق التجريبية. ويُنتظر أن يحمل كليرفيلد إلى بيروت التي يصلها في غضون الأيام القليلة المقبلة، إيضاحات حول مفهوم هذه المناطق وحدودها، في ظل التحفظات اللبنانية على بعض المواقع التي تسعى إسرائيل إلى إدراجها ضمن الخطة.
وأما في إسرائيل، فإن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أجرى مشاورة أمنية مع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) لبحث خطة استعداد جيشه لتسليم منطقتين تجريبيتين إلى الجيش اللبناني، وهما منطقة النبطية ومحيط بلدتي فرون وزوطر الشرقية. ووفق الإعلام الإسرائيلي، تُرجمت الخطة في الأيام الأخيرة عبر إنشاء قناة اتصال وتواصل مباشر بين ضباط من الجيشين الإسرائيلي واللبناني بوساطة ورعاية أميركية مكثفة. والهدف هو وضع معايير ومفاهيم واضحة ومحددة لما يُعرف بـ"منطقة خالية من حزب الله" قبل المضي قدمًا في خطوة الانسحاب التجريبي، المفترض خلال أسابيع. لكن إسرائيل تشترط موافقة القيادة المركزية الأميركية وبيانًا رسميًا من الجيش اللبناني يؤكد الاستعداد الكامل لتسلم زمام الأمور. وتجلت خطورة الشروط الإسرائيلية في تسليم قائمة بأسماء ضباط لبنانيين برتب عالية نسبيًا، تقول تل أبيب إنها تشتبه في قيامهم سابقًا بتسريب معلومات استخباراتية لـ"حزب الله"، مع مطلب بعدم إشراكهم في الآلية العسكرية الجديدة.
وبموازاة مسار "المناطق التجريبية"، تواصل إسرائيل استراتيجية الأرض المحروقة لتغيير الجغرافيا الأمنية. وتتمثل هذه الوقائع في القضم الميداني حيث أعلنت فرض سيطرتها العملياتية الكاملة على بلدة حداثا، وتفكيك 90 موقعًا ومصادرة 150 قطعة سلاح للحزب فيها، بالتزامن مع توغل الدبابات والجرافات العسكرية نحو وسط البلدة. وكذلك، تنفيذ عمليات تفجير عنيفة ونسف للمنازل في قرى عيترون، والطيري، وكونين، وحولا، وبنت جبيل، فيما تواصلت الاغتيالات الجوية، وشن الطيران الإسرائيلي غارات مكثفة طاولت مرتفعات علي الطاهر، وكفرتبنيت، وحي البريد في النبطية الفوقا حيث سقط أربعة شهداء بينهم مديرة مدرسة، فيما واصل الطيران المسيّر تحليقه فوق الضاحية الجنوبية لبيروت وصور.
وأمام هذا الجو الميداني المشحون، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري السقف الدبلوماسي، داعيًا الدولة والمجتمعين العربي والدولي إلى تحرك عاجل لوقف نسف القرى، معتبرًا أن عمليات التدمير تكشف النوايا الإسرائيلية لتحويل الجنوب إلى منطقة غير قابلة للحياة، ومثمنًا مواقف وبيانات الفعاليات والبلدات الحدودية (ولا سيما المسيحية منها مثل بلدية رميش) التي دحضت مزاعم نتنياهو وأكدت وحدة الجرح والأمل في تحرير الأرض والعودة.
ويكشف هذا المشهد المتقاطع أن إسرائيل تفاوض من موقع فرض الشروط. وبالتالي، يخشى أن يكون مشروع "المنطقتين التجريبيتين" مجرد مناورة أمنية إسرائيلية للتنصل من الالتزامات.

 

الجيش أمام اختبار السيادة لا اختبار الجهوزيّة

لا تبدو الضغوط المتصاعدة على الجيش اللّبنانيّ مرتبطة بقدرته اللّوجستيّة على الانتشار فحسب، بل تتّصل أساسًا بمحاولة إعادة تعريف دوره وحدود صلاحياته في المرحلة المقبلة. فإسرائيل لا تتعامل مع انتشار الجيش باعتباره استعادةً طبيعيّة لسلطة الدّولة على أرضها، بل تسعى إلى تحويله إلى جزء من منظومة أمنيّة تخضع لمعايير تضعها تل أبيب وتراقبها واشنطن.

من هنا، تكتسب الشروط المتعلّقة بأسماء الضبّاط المشاركين خطورةً تتجاوز بعدها الأمنيّ المباشر. فقبول استبعاد ضبّاط لبنانيّين بناءً على لوائح إسرائيليّة يعني عمليًّا منح إسرائيل حقّ التدخّل في البنية الداخليّة للمؤسّسة العسكريّة، وتكريس سابقة تسمح لها بتحديد من يحقّ له تنفيذ مهمّة سياديّة على الأراضي اللّبنانيّة.

لذلك يتمسّك الجيش بأنّ انتشاره يتمّ وفق قرارات السّلطة اللّبنانيّة وصلاحياته القانونيّة، لا وفق تصنيفات أمنيّة تضعها جهة تحتلّ أراضي لبنانيّة. فالمشكلة ليست في التنسيق التقنيّ الضروريّ لمنع الاحتكاك، بل في تحوّل التنسيق إلى وصاية، وتحويل الجيش من صاحب أرض إلى طرف يخضع لاختبارات حسن سلوك تفرضها إسرائيل.

 

غرفة العمليّات الأميركيّة: ضمانة أم وصاية؟

تكليف الفريق جوزيف كليرفيلد الإشراف على اللجنة الخاصّة بالمناطق التجريبيّة يكشف حجم الدور الأميركيّ في إدارة المرحلة التنفيذيّة. فواشنطن لا تكتفي بدور الوسيط السياسيّ، بل تتّجه إلى الإمساك بالتفاصيل الميدانيّة، من تحديد الخرائط والمعايير إلى اختيار المشاركين وضبط إيقاع الانتشار والانسحاب.

وقد تمنح هذه الرعاية لبنان قدرةً على إلزام إسرائيل بخطوات محدّدة، لكنّها تحمل في المقابل خطر تحويل التنفيذ إلى مسارٍ مفتوح بلا سقف زمنيّ. فكلّ مرحلة قد تصبح مشروطةً بتقارير الجهوزيّة، والتدقيق الأمنيّ، والموافقة الإسرائيليّة، ثمّ المصادقة الأميركيّة. وبذلك يتحوّل الانسحاب، وهو التزام يفترض أن يكون واضحًا، إلى مكافأة تمنحها إسرائيل بالتقسيط.

السؤال الجوهريّ هنا ليس من يدير غرفة العمليّات، بل أيّ مرجعيّة سياسيّة تحكمها. فإذا كانت مهمّتها تسهيل الانسحاب وتثبيت انتشار الجيش، يمكن اعتبارها أداةً تنفيذيّة. أمّا إذا أصبحت منصّةً تسمح لإسرائيل بتعديل الخرائط، وفرض مناطق عازلة، وإعادة تعريف مفهوم السيادة، فإنّها ستتحوّل إلى غرفة لإدارة النفوذ الإسرائيليّ داخل الجنوب.

 

المنطقتان التجريبيّتان وفخّ التنفيذ الانتقائيّ

يفترض اتفاق الإطار بدء التنفيذ في منطقتين يتمّ التوافق عليهما، ثمّ الانتقال إلى مناطق إضافيّة بموافقة متبادلة. غير أنّ هذه الصيغة تحمل في داخلها ثغرةً سياسيّة واضحة، إذ تستطيع إسرائيل تعطيل التوسّع بذريعة غياب التوافق أو عدم اكتمال الشروط الأمنيّة.

وتكمن الخشية اللّبنانيّة في أن يتحوّل النموذج التجريبيّ إلى صيغة دائمة: انسحاب محدود من نقاط منخفضة القيمة العسكريّة، في مقابل الاحتفاظ بالمرتفعات والمحاور التي تمنح الجيش الإسرائيليّ تفوّقًا في الرصد والسيطرة الناريّة. عندها، لا يصبح المشروع مقدّمةً لانسحاب شامل، بل وسيلةً لإعادة توزيع الاحتلال بصورة أكثر مرونة وأقلّ كلفة.

كما أنّ استخدام تعبير "منطقة خالية من حزب الله" بدل "منطقة خاضعة لسلطة الدّولة" ليس تفصيلًا لغويًّا. فالتعبير الإسرائيليّ يختزل الجنوب في وظيفة أمنيّة مرتبطة بحماية المستوطنات، فيما يطرح لبنان مبدأ بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وبين الصيغتين فرقٌ سياسيّ كبير: الأولى تجعل أمن إسرائيل مرجعيّة التنفيذ، والثانية تجعل السيادة اللّبنانيّة مرجعيّته.

 

نتنياهو يفاوض بالنار ويبدّل الخرائط

التصعيد الجويّ ونسف المنازل بالتزامن مع الحديث عن الانسحاب ليسا تناقضًا في السلوك الإسرائيليّ، بل جزء من استراتيجيّة تفاوضيّة متكاملة. فنتنياهو يريد الوصول إلى التنفيذ بعد تغيير الوقائع الميدانيّة، بحيث تنسحب إسرائيل من أرض دمّرت بناها السكانيّة، وقطعت طرقها، ووسّعت نطاق المراقبة حولها.

بهذا المعنى، لا تستهدف عمليّات النسف الحاضر العسكريّ فقط، بل مستقبل العودة وإعادة الإعمار. فتحويل القرى الحدوديّة إلى مساحات غير قابلة للحياة يمنح إسرائيل حزامًا أمنيًّا واقعيًّا، حتى في حال انسحاب جنودها منه. ويصبح الفراغ السكانيّ بديلًا من الاحتلال المباشر، فيما تتحمّل الدّولة اللّبنانيّة والمجتمع الدوليّ كلفة إعادة الحياة.

هذا ما يفسّر تحذير نبيه برّي من مشروع يجعل مناطق واسعة من الجنوب غير قابلة للسكن. فالمعركة لم تعد على موقع عسكريّ أو نقطة حدوديّة فحسب، بل على حقّ الأهالي في العودة. ومن دون تثبيت هذا الحقّ وربطه بخطّة إعمار واضحة، يمكن لإسرائيل أن تنسحب شكليًّا، فيما تبقى نتائج حربها قائمةً لسنوات.

 

علي الطّاهر: المرتفعات خارج منطق الانسحاب

تحتلّ تلال علي الطّاهر موقعًا مركزيًّا في الحسابات الإسرائيليّة بسبب إشرافها على النبطيّة، ونهر اللّيطانيّ، ومحاور تصل إقليم التفّاح بجزّين وشرقيّ الجنوب. ولذلك، فإنّ تكثيف الغارات عليها لا يمكن فصله عن مسار إعادة رسم الخريطة الأمنيّة.

إسرائيل تريد الاحتفاظ بتفوّقها على المرتفعات، سواء عبر السيطرة المباشرة أو السيطرة الناريّة. كما تسعى إلى ربط علي الطّاهر بقلعة الشقيف ضمن منظومة مراقبة تقطع خطوط الحركة والإمداد، وتمنحها قدرةً على التحكّم بمساحات واسعة من الجنوب من دون انتشار كثيف.

وهنا يظهر التناقض الأخطر: في الوقت الذي تتحدّث فيه إسرائيل عن تسليم منطقتين للجيش اللّبنانيّ، توسّع ضرباتها على مواقع أخرى ذات أهميّة استراتيجيّة. وهي بذلك لا تنسحب من منطق الحرب، بل تعيد تنظيمه. فالانسحاب التجريبيّ قد يصبح غطاءً لتوسيع السيطرة في مناطق تعتبرها إسرائيل أكثر قيمةً من تلك التي تستعدّ لإخلائها.

 

عون يربط شرعيّة الدولة بانتهاء الاحتلال

موقف رئيس الجمهوريّة جوزاف عون يضع معادلةً واضحة: لا يمكن مطالبة الدّولة بتحمّل مسؤوليّاتها كاملةً فيما يستمرّ الاحتلال ويمنع الجيش من الانتشار. فشرعيّة الدّولة لا تتعزّز بالبيانات وحدها، بل بقدرتها على ممارسة سيادتها من دون قيود أجنبيّة.

والتشديد على أنّ الانسحاب مفتاح أيّ تقدّم يحمل رسالةً إلى واشنطن تحديدًا. فلبنان يريد من الولايات المتّحدة أن تستخدم نفوذها لفرض التنفيذ على إسرائيل، لا أن تستخدمه لفرض شروط إسرائيل على لبنان. كما أنّ دعم المؤسّسة العسكريّة يجب ألّا يقتصر على التمويل والتجهيز، بل أن يقترن بتمكينها سياسيًّا من الانتشار على كامل الحدود.

في المقابل، يراهن العهد على تحويل اتفاق الإطار إلى فرصة لإعادة قرار الحرب والسلم إلى مؤسّسات الدّولة. لكنّ نجاح هذا الرهان يتطلّب توازنًا دقيقًا بين حصر السلاح، ومنع الفتنة الداخليّة، وانتزاع الانسحاب الإسرائيليّ. وأيّ اختلال في هذا التوازن قد يحوّل الاتفاق من مسار لاستعادة السيادة إلى أداة ضغط داخليّة.

 

وحدة القرى الحدودية تسقط الاستثمار في الفتنة

إشادة برّي بمواقف بلدية رميش والبلدات المسيحيّة الحدوديّة تتجاوز البعد التضامنيّ، إذ تردّ مباشرةً على محاولات إسرائيل تقديم نفسها حاميةً لبعض المكوّنات اللّبنانيّة. فتل أبيب تسعى إلى استثمار الدمار والخوف لإنتاج شرخ بين أهالي الجنوب، وتصوير بعض القرى كأنّها تبحث عن حماية خارج الدولة.

لكنّ رفض هذه المزاعم يؤكّد أنّ الانقسام السياسيّ اللّبنانيّ لم يتحوّل إلى قبول بالاحتلال. كما يكشف أنّ وحدة المتضرّرين تشكّل عنصر قوّة في مواجهة مشروع تفكيك الجنوب اجتماعيًّا، بعدما عجزت إسرائيل عن حسمه عسكريًّا.

 

اتفاق أمام امتحان الأفعال

يدخل اتفاق الإطار مرحلته الأخطر، لأنّ الاختبار لم يعد في الصياغات، بل في ترتيب الخطوات. لبنان يريد انسحابًا يفتح الطريق أمام الجيش وعودة الأهالي، فيما تريد إسرائيل انتشارًا لبنانيًّا يسبق انسحابها ويخضع لشروطها.

وإذا لم تترافق المرحلة التجريبيّة مع جدول زمنيّ واضح، ووقفٍ فعليّ للغارات ونسف القرى، وضمانةٍ للانتقال إلى المراحل اللاحقة، فستصبح المنطقتان التجريبيّتان فخًّا تفاوضيًّا. عندها، تكون إسرائيل قد حصلت على شرعنة ترتيباتها الأمنيّة، من دون أن تقدّم انسحابًا كاملًا أو تتخلّى عن سياسة فرض الوقائع.

المعركة الحقيقيّة، إذًا، ليست على منطقتين فحسب، بل على معنى الاتفاق نفسه: هل هو طريق لاستعادة السيادة، أم إطار جديد لإدارة الاحتلال؟ الجواب لن تحدّده اللجان، بل قدرة لبنان على منع الفصل بين الانسحاب، ووقف النار، وعودة الأهالي، وبسط سلطة الدّولة من دون وصاية أو شروط إسرائيليّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث