تلال علي الطّاهر: مجدداً في قلب التّصعيد الإسرائيليّ

المدن - سياسةالاثنين 2026/07/06
Image-1783345374.Jpg
جاء التصعيد في محيط علي الطاهر بعد زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى منطقة قلعة الشقيف
حجم الخط
مشاركة عبر

تحوّلت تلال علي الطّاهر في قضاء النّبطيّة إلى محورٍ مركزيّ في معادلة الاشتباك بين إسرائيل و"حزب الله"، مع تصاعد الضّربات الإسرائيليّة التي تعكس انتقالًا تدريجيًّا من سياسة الاحتواء إلى محاولة فرض وقائع ميدانيّة جديدة.وتشير كثافة الغارات إلى أنّ إسرائيل لا تكتفي بضرباتٍ تكتيكيّة، بل تعمل على تهيئة مسرح عمليّات لاقتحامٍ برّيّ محتمل، في إطار سعيها لإعادة رسم خطوط الاشتباك جنوب اللّيطانيّ وفرض توازن ردعٍ جديد.

وأفادت القناة "12" الإسرائيليّة بأنّ الجيش شنّ هجومًا واسعًا على مرتفعات علي الطّاهر، فيما أُبلغ سكّان الجليل الأعلى بالاستعداد لسماع انفجاراتٍ ناتجة عن عمليّاتٍ عسكريّة عابرة للحدود، في مؤشرٍ على اتّساع نطاق الاشتباك.

 

تمهيدٌ ناريّ لعزل منطقة العمليّات

ويندرج القصف الذي يطاول القرى والبلدات المحيطة بمرتفعات علي الطّاهر ضمن أسلوبٍ عسكريّ يعتمد تكثيف النّيران قبل أيّ محاولة تقدّمٍ برّيّ. ويرجّح خبراء عسكريّون أن تستمرّ الغارات ساعاتٍ قبل أيّ تحرّكٍ على الأرض، إذا كان القرار الإسرائيليّ يقضي فعلًا بتنفيذ عمليّةٍ برّيّة، وهو أسلوبٌ سبق لجيش الاحتلال أن اعتمده في عمليّاتٍ سابقة.

ويعزّز حجم الغارات الجويّة الاعتقاد بأنّ الهدف لا يقتصر على تنفيذ ضرباتٍ محدودة، إذ كان يمكن تنفيذ مثل هذه الاستهدافات بواسطة الطّائرات المسيّرة، من دون الحاجة إلى هذا المستوى من القصف الجوّيّ والمدفعيّ.

وبحسب تقارير إعلاميّة، بدأ الجيش الإسرائيليّ عمليّةً جويّةً مكثّفة استهدفت مناطق في مرتفعات علي الطّاهر والنّبطيّة الفوقا، شمال نهر اللّيطانيّ، بالتّزامن مع تحذيراتٍ إلى سكّان الجليل الأعلى من احتمال سماع انفجاراتٍ قويّة.

وتكتسب تلال علي الطّاهر أهمّيّتها من موقعها الجغرافيّ، لا من مساحتها. فهي تتبع إداريًّا لبلدة كفرتبنّيت، وتمتدّ باتّجاه النّبطيّة الفوقا، وترتفع نحو 600 مترٍ عن سطح البحر. وتُشرف التّلال على مدينة النّبطيّة وأجزاءٍ واسعة من القضاء، كما تطلّ على مجرى نهر اللّيطانيّ وشبكةٍ من الطّرق التي تربط النّبطيّة بإقليم التّفّاح وجزّين وعددٍ من البلدات الجنوبيّة.

Image-1783345461.Webp

ويمنح هذا الموقع الجهة المسيطرة عليها قدرةً متقدّمة على الرّصد والمراقبة وكشف التحرّكات العسكريّة، فضلًا عن التّحكّم بجزءٍ من طرق الإمداد والتّنقّل بين مناطق الجنوب.وتشكّل التّلال نقطة ارتكاز ضمن مثلّثٍ جغرافيّ يضمّ كفرتبنّيت والنّبطيّة الفوقا وكفررمّان، كما ترتبط بمرتفعاتٍ أخرى، من بينها قلعة الشّقيف، ضمن شبكةٍ دفاعيّة وهجوميّة تتحكّم بجزءٍ واسع من مسرح العمليّات الممتدّ من شرقيّ الجنوب نحو السّاحل.

 

الشّقيف وعلي الطّاهر ضمن خطّةٍ واحدة

لم تكن السّيطرة الإسرائيليّة على قلعة الشّقيف مرتبطةً فقط بأهمّيّة القلعة بوصفها مرتفعًا مشرفًا، بل جاءت ضمن محاولةٍ لإحداث تغييرٍ في الواقع العسكريّ في الجنوب، عبر ربط المواقع المرتفعة وقطع خطوط الإمداد بين البقاع الغربيّ والمناطق الجنوبيّة.

وتشرف قلعة الشّقيف على محاور النّبطيّة ومرجعيون، ووادي السّلوقيّ ووادي الحجير، وأجزاءٍ واسعة جنوب نهر اللّيطانيّ، إضافةً إلى عددٍ من مسارات التّنقّل الآتية من البقاع باتّجاه الجنوب.

غير أنّ تحقيق هذا الهدف يتطلّب السّيطرة على سلسلةٍ من المواقع الأخرى، وفي مقدّمها تلال علي الطّاهر، وهو ما لم يتمكّن الجيش الإسرائيليّ من إنجازه خلال المواجهات السّابقة.

وفي محاولةٍ لتعويض تعثّر التّقدّم البرّيّ، ركّز الاحتلال سيطرته النّاريّة على واديَي السّلوقيّ والحجير، وعلى مرتفعاتٍ بارزة شرقيّ النّبطيّة، إلى جانب قلعة الشّقيف.

قلعة الشقيف أرنون (Getty)

 

محاولةٌ سابقة فشلت قبل وقف إطلاق النّار

سبق للجيش الإسرائيليّ أن حاول السّيطرة على تلال علي الطّاهر قبل دخول وقف إطلاق النّار حيّز التّنفيذ، إلّا أنّ محاولاته لم تنجح، على الرّغم من تكرار الهجمات لأكثر من ليلة.

وبحسب رواية "حزب الله"، تمكّن مقاتلوه خلال تلك المواجهات من منع القوّات الإسرائيليّة من التّقدّم، وأوقعوا خسائر في صفوفها وعتادها.

وتجعل هذه التّجربة أيّ محاولةٍ جديدة أكثر تعقيدًا، إذ يُتوقّع أن تتطلّب السّيطرة على التّلال استخدام قوّة ناريّة كبيرة من البرّ والجوّ، ما قد يؤدّي إلى انهيار التّرتيبات الميدانيّة القائمة وتوسّع المواجهة.

 

مزاعم إسرائيليّة عن شبكة أنفاق

وتقول تقديراتٌ عسكريّة وإعلاميّة إسرائيليّة إنّ المنطقة الواقعة أسفل تلال علي الطّاهر تضمّ شبكةً واسعة من الأنفاق والمنشآت التّابعة لـ"حزب الله". وتزعم إسرائيل أنّ هذه الأنفاق تحتوي على مراكز قيادةٍ ومخازن أسلحةٍ وذخائر ومواقع لإدارة العمليّات وإطلاق النّيران، ما يجعل تدميرها هدفًا رئيسيًّا لأيّ عمليّة عسكريّة في المنطقة.

وفي هذا السّياق، أشار الكاتب والمحلّل العسكريّ الإسرائيليّ آفي أشكنازي، في مقالٍ نشرته صحيفة "معاريف"، إلى أنّه لا يزال من غير الواضح إلى متى سيواصل الجيش الإسرائيليّ السّماح ببقاء ما وصفها بـ"الأنفاق الاستراتيجيّة الإيرانيّة" التي يشغّلها "حزب الله" داخل مرتفعات علي الطّاهر.

وادّعى أشكنازي أنّ إيران تمارس ضغوطًا على الولايات المتّحدة لمنع تدمير هذه الأنفاق، زاعمًا أنّ عشراتٍ من عناصر الحزب لا يزالون عالقين داخل بعضها.

ولا يمكن التحقّق بصورةٍ مستقلّة من المزاعم الإسرائيليّة بشأن طبيعة هذه الأنفاق أو أعداد الموجودين داخلها.

وتفيد تقديراتٌ سياسيّة وعسكريّة بأنّ إسرائيل لا تزال تسعى إلى السّيطرة على تلال علي الطّاهر، لكنّها تترقّب موقف الإدارة الأميركيّة قبل تنفيذ عمليّةٍ واسعة قد تؤدّي إلى تفجير الجبهة مجدّدًا.

وتعارض واشنطن، بحسب هذه التّقديرات، في المرحلة الرّاهنة أيّ عمليّاتٍ عسكريّة كبيرة في الجنوب تتجاوز نطاق ما تصفه إسرائيل بـ"الدّفاع عن النّفس".

ويُدرك الجيش الإسرائيليّ أنّ احتلال التّلال لن يكون عمليّةً محدودة، بل سيتطلّب حشدًا كبيرًا واستخدامًا كثيفًا للنّيران، في مواجهة استعداد "حزب الله" للتصدّي لأيّ محاولة تقدّمٍ نحو الموقع.

ومن هنا، تسعى تل أبيب، بحسب التّقديرات المتداولة، إلى الحصول على ضوءٍ أخضر أميركيّ قبل الشّروع في أيّ هجومٍ برّيّ، نظرًا إلى ما قد يترتّب عليه من تداعياتٍ أمنيّة وسياسيّة تتجاوز حدود الجنوب.

 

خطط انسحابٍ تتقاطع مع توسيع العمليّات

في موازاة الحديث عن احتمال توسيع العمليّات في علي الطّاهر، أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أنّ إسرائيل تستعدّ لاحتمال الانسحاب من منطقتين في جنوب لبنان.

وبحسب الصّحيفة، ينتظر تنفيذ هذه الخطوة اكتمال جهوزيّة الجيش اللّبنانيّ وموافقة القيادة المركزيّة الأميركيّة على مشروعٍ تجريبيّ في هذا السّياق.

ويكشف التّزامن بين الحديث عن الانسحاب من بعض النّقاط ومحاولة توسيع السّيطرة على مرتفعاتٍ أخرى تناقضًا في المقاربة الإسرائيليّة، إذ تسعى تل أبيب إلى إعادة ترتيب انتشارها الميدانيّ من دون التخلّي عن المواقع التي ترى فيها أهمّيّةً استراتيجيّة وأمنيّة.

وتعتبر إسرائيل، وفق تقاريرها الإعلاميّة، أنّ تلال علي الطّاهر تقع ضمن منطقةٍ تدّعي أنّها أخضعتها سابقًا لسيطرتها، ولذلك تزعم أنّ أيّ عمليّةٍ فيها لا تتعارض مع التّرتيبات القائمة، على الرّغم من أنّها لم تتمكّن من فرض سيطرةٍ فعليّة على التّلال.

Image-1783345565.Webp

 

زامير يربط الشّقيف بالنّفوذ الإيرانيّ

جاء التّصعيد في محيط علي الطّاهر بعد زيارة رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير إلى منطقة قلعة الشّقيف، حيث وصفها بأنّها "منطقةٌ استراتيجيّة مليئة بالبنى التّحتيّة الإرهابيّة". وادّعى زامير أنّ "حزب الله" بنى، بتمويلٍ وتوجيهٍ إيرانيّين، منظومةً من الأنفاق داخل الجبل، تضمّ مراكز قيادةٍ ومنشآتٍ لإدارة القتال ومواقع لإطلاق النّيران وتنفيذ هجماتٍ على المستوطنات الإسرائيليّة.

وتعكس هذه التّصريحات محاولة المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة ربط التّحرّكات في الشّقيف وعلي الطّاهر ضمن ملفٍّ واحد يتّصل بمواجهة النّفوذ الإيرانيّ والبنية العسكريّة لـ"حزب الله" في الجنوب.

وربط أشكنازي بين ما يجري على الجبهة اللّبنانيّة وبين تحرّكات إيران في المنطقة، معتبرًا أنّ طهران انتقلت من مرحلة التّهديدات إلى مرحلة تنفيذ خطواتٍ ميدانيّة على جبهاتٍ عدّة. وحذّر من أنّ تجاهل التّصريحات الإيرانيّة قد يقود إسرائيل، وفق رأيه، إلى تكرار أخطاءٍ استراتيجيّة ارتكبتها في مواجهاتها السّابقة مع "حزب الله" وحركة "حماس".

ورأى أنّ التحدّي الرّئيسيّ أمام الجيش الإسرائيليّ يتمثّل في منع إيران من إنشاء بؤر احتكاكٍ جديدة، وإبقاء مستوى التّصعيد تحت السّيطرة.

كما اعتبر أنّ إسرائيل لم تتعامل بجدّيّة كافية مع التّحوّلات التي طرأت على العقيدة العسكريّة لدى خصومها، مشيرًا إلى أنّ "حزب الله" انتقل، بحسب تقديره، من مفهوم "الدّفاع عن لبنان" إلى شعار "تحرير الجليل"، فيما انتقلت "حماس" من "الدّفاع عن غزّة" إلى "تحرير القدس".

 

مواجهةٌ قد تهدّد التّهدئة الهشّة

يعكس التّصعيد في تلال علي الطّاهر احتمال انتقال المواجهة من مرحلة الضّربات المحدودة إلى اختبارٍ ميدانيّ أكثر خطورة، إذا تحوّلت الغارات إلى عمليّةٍ برّيّة واسعة.

فإسرائيل ترى في السّيطرة على المرتفعات فرصةً لتعزيز قدرتها على الرّصد، وقطع خطوط الإمداد، وربط المواقع التي تسيطر عليها في الجنوب. في المقابل، يعتبر "حزب الله" سقوط التّلال تحوّلًا استراتيجيًّا يهدّد مواقعه وانتشاره في النّبطيّة وإقليم التّفّاح.

ومن شأن تخصيص الجيش الإسرائيليّ جزءًا كبيرًا من قدراته الجويّة والبريّة لاستهداف نقطةٍ واحدة أن يزيد الضّغط على المدافعين، لكنّه قد يفتح في الوقت نفسه مواجهةً واسعة يصعب ضبط حدودها.

إذًا، تضع تلال علي الطّاهر الطرفين أمام اختبارٍ استراتيجيّ: إمّا تثبيت قواعد الاشتباك عبر الضّغط النّاريّ، أو الانزلاق إلى مواجهةٍ برّيّة واسعة.فبالنّسبة لإسرائيل، تمثّل السّيطرة على التّلال فرصةً لإعادة رسم الخريطة العسكريّة جنوبًا، فيما يراها "حزب الله" خطّ دفاعٍ متقدّم لا يمكن التخلّي عنه.

وفي ظلّ هذا التّوازن الهشّ، تبقى التّلال نقطة اشتعالٍ محتملة قد تعيد الجنوب إلى قلب حربٍ مفتوحة تتجاوز حدود الاشتباك الحاليّ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث