لم يعد الانقسام في لبنان يدور حول الحرب والسلام كما كان في ثمانينيات القرن الماضي، بل حول كيفية إدارة واقع فرضته موازين قوى جديدة. وبين خطاب سياسي لا يزال يستعير مفردات الماضي، وممارسة تعكس ضرورات الحاضر، تكشف قراءة اتفاق الإطار تحوّلًا أعمق في بنية الدولة اللبنانية وفي حسابات القوى السياسية.
تبدو المقارنة بين اتفاق 17 أيار 1983 واتفاق الإطار الراهن مشروعة، شرط ألا تتحول إلى قياس ميكانيكي بين مرحلتين تفصل بينهما أكثر من أربعة عقود من التحولات. ففي عام 1983 كان لبنان لا يزال في قلب الحرب الأهلية، وكانت القوى المحلية امتدادًا لمشاريع إقليمية متصارعة، فلم يكن إسقاط الاتفاق خيارًا مستحيلاً. أما اليوم، فالدولة خرجت من أزمة اقتصادية ومالية حادة، وتعرض الجنوب لدمار واسع، وباتت الأولوية لدى معظم اللبنانيين وقف الانهيار واستعادة حد أدنى من الاستقرار.
من هنا تبرز مفارقة لافتة: المعارضة للاتفاق ليست أقل حدة في خطابها من معارضة اتفاق 17 أيار، لكنها أقل استعدادًا للذهاب إلى مواجهة شاملة لإسقاطه. فاللغة السياسية ما زالت مرتفعة السقف، بينما بقي الاعتراض محصورًا في البيانات والتفسيرات القانونية من دون أن يتحول إلى مشروع سياسي أو ميداني. فالمشكلة لم تعد في ارتفاع سقف الخطاب، بل في تقلص القدرة على تغيير الوقائع؛ فحين تضيق هوامش القوة تصبح اللغة أكثر تشددًا فيما يصبح السلوك أكثر براغماتية.
هذه المفارقة قد تكون انعكاسًا لتبدل البيئة الاستراتيجية أكثر منها دليلاً على تبدل القناعات. والسؤال الحقيقي لم يعد: من يؤيد الاتفاق ومن يعارضه؟ بل: هل ما نشهده تبدل في الخيارات السياسية، أم اعتراف ضمني بأن لبنان دخل مرحلة لم يعد فيها قادرًا على إدارة الصراع بأدوات الماضي؟ فربما لا يكون الاتفاق نفسه هو الحدث الأهم، بل ما كشفه من انتقال تدريجي من محاولة تغيير الوقائع إلى محاولة إدارة نتائجها.
منطق الدولة في خطاب الرئيس جوزاف عون
ما استوقف المراقبين لم يكن الاتفاق وحده، بل الطريقة التي دافعت بها الدولة عنه. فخطاب الرئيس جوزاف عون لم يكتفِ بتبرير خيار سياسي فرضته الظروف، بل حاول تأسيس رؤية مختلفة لدور الدولة في إدارة الصراع مع إسرائيل، تنطلق من مفهوم السيادة أكثر من منطق الاصطفاف. فالمقاربة لم تُقدَّم الاتفاق بوصفه انتصارًا أو تنازلاً، بل نتيجة فرضتها موازين القوى وتحقق أفضل ما يمكن الوصول إليه لحماية المصالح اللبنانية. وبذلك انتقل النقاش من سؤال "هل يجب التفاوض مع إسرائيل؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "ما البديل الواقعي إذا لم تعد الحرب قادرة على تحقيق الأهداف السياسية؟".
منذ نهاية الحرب الأهلية، تجنب الخطاب الرسمي الخوض في فلسفة التفاوض، مكتفيًا بوصفه ضرورة. اليوم يحاول الخطاب ربط التفاوض بمنطق الدولة نفسه: وظيفتها ليست إدارة حروب مفتوحة بل حماية السيادة وصون الحدود وتأمين الاستقرار اللازم لإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد. ولا يعني ذلك إجماعًا داخليًا؛ فالاعتراض لا يزال قائمًا، لكن أهمية خطاب الرئيس أنه نقل عبء الإثبات إلى المعترضين أنفسهم، إذ لم يعد كافيًا إعلان الرفض المبدئي، بل بات مطلوبًا تقديم بديل عملي يحقق الأهداف ذاتها ويحمي الجنوب.
ويبرز هنا فارق بين منطق الدولة، الملزمة دستوريًا بالنظر إلى مجمل المصالح الوطنية، ومنطق الأحزاب التي تنظر إلى الأحداث من زاوية تاريخها الأيديولوجي وجمهورها. ويطرح الرئيس عون، بصورة غير مباشرة، سؤالًا أعمق: هل تبقى الدولة إطارًا لإدارة توازنات داخلية، أم تتحول إلى المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم؟ فالأثر الأهم لخطابه قد لا يكون الدفاع عن الاتفاق، بل إعادة تعريف النقاش الوطني من جدل مؤيد/ معارض إلى جدل حول مفهوم الدولة وحدود صلاحياتها.
جنبلاط بين اتفاق الهدنة والسويداء وإعادة تعريف الدور الدرزي
موقف وليد جنبلاط لا يُقرأ من زاوية الرفض أو القبول وحدها. في ظاهره، يبدو موقفه قانونيًا أكثر منه سياسيًا: فهو لم يدعُ إلى استمرار الحرب ولا إلى إسقاط الحكومة، بل ذكّر بأن اتفاق الهدنة الموقع عام 1949 لا يزال المرجعية القانونية الناظمة للعلاقة مع إسرائيل، كما كرّسها اتفاق الطائف. فاعتراضه ينصرف إلى رفض منح الاتفاق الجديد دلالات قد توحي بإعادة تعريف النزاع بدل إدارته.
لكن هذا التفسير لا يحيط بكل أبعاد الموقف، إذ يتحرك جنبلاط في لحظة تشهد إعادة تشكيل التوازنات داخل البيئة الدرزية الممتدة من لبنان إلى سوريا وفلسطين التاريخية. فقد أعادت تطورات السويداء طرح القضية الدرزية على الواجهة الإقليمية، وتزامن ذلك مع بروز الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي لدروز إسرائيل، وتصريحاته الداعية لحماية دروز سوريا. وهذه وقائع معلنة لا تكفي لاستنتاج مشروع سياسي موحد، لكنها تفرض على المختارة إعادة تأكيد موقعها التاريخي كمرجعية سياسية للدروز العرب، مرتبطة بالدول الوطنية والشرعية العربية لا بترتيبات إقليمية جديدة.
وهكذا تتضح المفارقة: يرفع جنبلاط سقف اعتراضه على الشكل القانوني والسياسي للاتفاق، لكنه لا يدعو إلى العودة إلى الحرب ولا إلى إسقاط الحكومة أو تعبئة الشارع. فهو يرفض منح الاتفاق شرعية رمزية تتجاوز حدود الضرورة، لكنه يتجنب مواجهة يدرك أن موازين القوى لا تسمح بتحقيق نتائج مختلفة فيها. وتعكس هذه المقاربة طبيعة المرحلة التي يعيشها لبنان، حيث تتحرك القوى السياسية وفق حسابات إعادة تشكيل المنطقة لا وفق إرثها التاريخي وحده.
هل كان أمام لبنان خيار آخر؟
من السهل انتقاد أي اتفاق بعد توقيعه، والأصعب تقديم بديل قابل للتطبيق لحظة اتخاذ القرار. فالسؤال الأدق: هل امتلكت الدولة هامشًا أوسع للمناورة، أم كانت تتحرك ضمن مساحة ضيقة فرضتها موازين القوى، في ظل جنوب مدمَّر وأزمة مالية ومؤسساتية عميقة؟ وهل كان البديل العودة إلى الحرب، أم الاكتفاء بالرهان على القضاء الدولي رغم قيوده المتعلقة بالاختصاص وطول الإجراءات ومحدودية قدرته على فرض تنفيذ قراراته؟
هذا لا يعني أن الدولة استنفدت كل أدواتها؛ فقد كان بالإمكان توظيف القانون الدولي بفاعلية أكبر عبر توثيق الانتهاكات، وتوسيع التحرك أمام الأمم المتحدة، ورفع الكلفة السياسية والدبلوماسية لأي خرق مستقبلي. فالتجارب الدولية تظهر أن الدول التي نجحت في حماية مصالحها جمعت بين الدبلوماسية والقانون والردع المشروع ضمن استراتيجية متكاملة، لا أداة واحدة. والمشكلة في النقاش اللبناني أنه يُقدَّم غالبًا وكأن الخيارات محصورة بين الاستسلام الكامل والحرب المفتوحة، بينما تكشف التجارب المقارنة أن إدارة الصراعات تقوم على حلول وسيطة تمنع الانهيار وتحفظ حدًا أدنى من المصالح.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل كان الاتفاق مثاليًا؟ بل: هل كان بالإمكان، في تلك اللحظة، تحقيق نتيجة أفضل بالوسائل المتاحة؟ ومسؤولية الدولة لا تنتهي عند التوقيع، بل تبدأ بعده، إذ يُقاس نجاح أي تفاهم بقدرة الدولة على تحويله من إجراء أمني مؤقت إلى فرصة لبناء سياسة وطنية أكثر تماسكًا واستقلالاً.
بين التاريخ والواقعية... أي لبنان يولد بعد الحرب؟
قد يكون مبكرًا الحكم على اتفاق الإطار كمحطة تاريخية فاصلة، لكنه كشف تحولاً عميقًا في الحياة السياسية اللبنانية: الانقسام لم يعد حول القدرة على إسقاط الاتفاقات بالقوة، بل حول كيفية إدارة واقع جديد فرضته الحرب والانهيار الاقتصادي والتحولات الإقليمية. والمفارقة الأكثر دلالة أن معظم القوى السياسية لا تزال تتحدث بلغة الماضي بينما تتصرف وفق ضرورات الحاضر، مدركةً أن كلفة العودة إلى المواجهة المفتوحة قد تفوق أي مكسب سياسي.
لم يعد السؤال: هل يفاوض لبنان أم لا؟ بل من يملك قرار التفاوض ومن يحدد أهدافه ومن يتحمل مسؤولية نتائجه. فالدول لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فحسب، بل بقدرتها على إنهائها في اللحظة المناسبة وتحويل التفاهمات الأمنية إلى مدخل لاستعادة السيادة وإعادة بناء المؤسسات. فالرهان على أداة واحدة، سواء القضاء الدولي أو الخطاب السياسي أو منطق القوة، لا يكفي وحده لبناء استراتيجية وطنية.
فالقيمة الحقيقية لاتفاق الإطار لن تُقاس بما كُتب في بنوده، بل بما إذا شكّل بداية لاستعادة الدولة اللبنانية دورها في احتكار القرار السيادي وإعادة إعمار الجنوب وتثبيت حضورها الدولي. فإذا بقي مجرد هدنة مؤقتة، سيظل حدثًا عابرًا في سجل الأزمات اللبنانية؛ أما إذا بُني عليه مشروع لاستعادة المؤسسات والثقة، فقد يصبح بداية مرحلة مختلفة في تاريخ لبنان الحديث. فالتاريخ لا يكافئ أعلى الشعارات صوتًا، بل يكافئ من يعرف متى يصمد ومتى يفاوض، ومن يحوّل موازين القوى من قيدٍ إلى فرصة لإعادة بناء قوته.




