على كثافة التسريبات حول التحضيرات لتنفيذ أول انسحاب إسرائيلي تجريبي من الجنوب، وعلى رغم التأكيدات بأن واشنطن ستضطلع بدور تنفيذي أساسي على الأرض لدعم الجيش اللبناني فور بدء هذا الانسحاب، لا يزال الميدان أسير الابتزاز الإسرائيلي في غياب أي خطوة ملموسة.
وعلى عكس ما هو منتظر، يتصرف الاسرائيليون بهامش واسع جدًا من المناورة في الجنوب، ترجمه اليوم بنيامين نتنياهو بالقول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "لم يطلب منا عدم التحرك ضد أنفاق حزب الله". وأضاف: " حصلنا الشرعية للبقاء على طول الخط الأصفر".
فوق ذلك، نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي مقاطع فيديو من قلعة شقيف، أظهرت وجود رئيس الأركان إيال زامير وعدد من الجنود هناك. ونقل عن زامير قوله: "تعد منطقة قلعة الشقيف موقعًا حاكمًا يكتظ ببنى تحتية. لقد أقام حزب الله بتمويل وتوجيه إيراني على مدى عقود منظومات وأنفاقًا تحت الأرض في هذه المنطقة بهدف تهديد بلدات الشمال حيث تسيطر قواتنا اليوم على المواقع الرئيسية فوق الأرض، وكذلك على هذه المسارات والمنشآت تحت الأرض". وأضاف زامير: "يجب على الجيش اللبناني الوفاء بالتزاماته بموجب الاتفاق التاريخي الذي تم التوقيع عليه والعمل على تطهير المنطقة من عناصر حزب الله. وفي موازاة ذلك، سيواصل الجيش العمل بحزم لإزالة التهديدات من الأراضي اللبنانية، وهو على أهبة الاستعداد للانتقال إلى هجوم سريع إذا جرى انتهاك وقف إطلاق النار ". وقال: "لقد أضعفت الإنجازات العسكرية التي حققتها قواتنا حزب الله فهو منهك وقد مُني بالهزيمة في كل مواجهة خاضها مع قواتنا".
في هذه المناخات، وفي غمرة الكلام على زيارة مرتقبة لرئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن تلبية لدعوة من الرئيس دونالد ترامب، والأنباء المسربة من إسرائيل حول رغبة ترامب في عقد لقاء ثلاثي يجمعه بعون ونتنياهو، خاطب رئيس الجمهورية معارضي المسار التفاوضي بالقول: "لستُ مغرمًا بإسرائيل، إنما أعطوني حلًا آخر لأسير به أيًا يكن". وأمّا حزب الله، فيواجه معادلة أكثر تعقيدًا. فهو يرفض إطارًا يعتبره مفروضًا وهو أداة لنزع سلاحه. لذلك، فإنّ المواجهة الداخليّة المفتوحة ليست مصلحة للحزب ولا للدولة، فيما تغيب الآلية التي تتكفل بتنفيذ الاتفاق، ما يبقيه معلقاً حتى إشعار آخر. وأما موقف طهران فعبر عنه وزير خارجيّتها عباس عراقجي بالقول إنّها تعمل لإنهاء الحرب والاحتلال، بالتوازي مع تأكيد استمرار دعم "نهج المقاومة".
مفاوضات تحت النار لا تسوية مكتملة
إذاً، لا يتحرّك لبنان اليوم في فضاء تفاوضيّ طبيعيّ، بل تحت ضغط عسكريّ وسياسيّ متواصل تستخدمه إسرائيل لتحسين شروطها قبل تثبيت أيّ انسحاب. فالتسريبات عن تقدّم التحضيرات لانسحاب تجريبيّ، وعن انخراط أميركيّ مباشر في الإشراف على انتقال المسؤولية إلى الجيش اللبناني، لا تعني أنّ قرار الانسحاب قد حُسم، بقدر ما تكشف أنّ تل أبيب تتعامل معه باعتباره ورقة قابلة للمقايضة.
جوهر المشكلة أنّ إسرائيل تريد تحويل الاحتلال من خرق يجب إنهاؤه إلى أداة تفاوض تمنحها حقّ تحديد شروط الانسحاب وتوقيته وحدوده. ومن هنا تبرز خطورة كلام نتنياهو عن حصول إسرائيل على "الشرعيّة" للبقاء على طول "الخطّ الأصفر". فهذه العبارة لا تندرج في سياق توصيف أمنيّ عابر، بل تؤسّس لسرديّة سياسيّة وقانونيّة تسعى إلى تكريس منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانيّة.
أمّا العمليات الميدانيّة، من التفجيرات ونسف المنازل إلى إقفال مسارات العبور ووضع العوائق الإسمنتيّة، فليست منفصلة عن المسار السياسيّ. إنّها جزء من عمليّة رسم حدود الأمر الواقع قبل الوصول إلى طاولة التنفيذ. إسرائيل تريد أن تبدأ المفاوضات من النقطة التي صنعتها القوّة، لا من الحدود التي يفرضها القانون الدوليّ.
قلعة الشقيف ورسالة السيطرة المستدامة
لم يكن ظهور رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير في قلعة الشقيف تفصيلًا دعائيًّا. اختيار الموقع، بما يمثّله من قيمة عسكريّة ورمزيّة، أراد توجيه رسائل متعدّدة إلى لبنان وواشنطن وحزب الله. الرسالة الأولى أنّ إسرائيل لا تزال قادرة على التحرّك فوق الأرض وتحتها، وأنّها لا تعتبر وقف إطلاق النار قيدًا نهائيًّا على نشاطها.
الرسالة الثانية تحميل الجيش اللبناني مسؤوليّة ما تسمّيه تل أبيب "تطهير المنطقة"، في محاولة لوضع المؤسّسة العسكريّة أمام معادلة شديدة الحساسيّة، إمّا الاصطدام بالبيئة الداخليّة، وإمّا التعرّض للاتهام بالتقصير. وهذا تحديدًا ما يفسّر تشديد الرئيس جوزاف عون على تماسك الجيش ورفض الرهان على انقسامه.
فالجيش هو الركيزة التنفيذيّة لأيّ ترتيب جديد في الجنوب، لكنّه لا يستطيع أن يؤدّي مهمّته تحت الاحتلال أو تحت القصف. ولا يمكن مطالبة الدولة ببسط سلطتها فيما تواصل إسرائيل تقويض هذه السلطة وإضعاف صدقيّتها أمام المواطنين. إنّ نجاح الجيش لا يحتاج فقط إلى دعم ماليّ ولوجستيّ أميركيّ، بل إلى انسحاب إسرائيليّ واضح ومُلزم يتيح للدولة ملء الفراغ بدل إدارة أزمة مفتوحة.
واشنطن بين دور الضامن وإدارة الابتزاز
ويتوقّف مصير الإطار إلى حدّ بعيد على حقيقة الدور الأميركيّ. فواشنطن تستطيع الضغط على إسرائيل لتنفيذ انسحاب محدّد، كما تستطيع الاكتفاء بإدارة التوتر ومنع انفجاره الشامل. والفارق بين الاحتمالين هو الفارق بين تسوية قابلة للحياة ووقف هشّ للنار.
التسريبات عن زيارة عون إلى واشنطن، واحتمال عقد لقاء ثلاثيّ يجمعه بترامب ونتنياهو، تشير إلى محاولة نقل الملفّ من مستوى اللجان العسكريّة إلى مستوى القرار السياسيّ الأعلى. لكنّ اللقاء الثلاثيّ يحمل فرصًا ومخاطر في آن. فهو قد يمنح لبنان منصة مباشرة لعرض مطالبه، وقد يُستخدم أيضًا لإظهار أنّ بيروت وافقت على ترتيبات لم تُحسم تفاصيلها بعد.
من هنا، لا تكمن الأولويّة في صورة اللقاء، بل في مضمونه: هل يسبق الاجتماع تعهّد إسرائيليّ بالانسحاب، أم يتحوّل حضور لبنان إلى غطاء لشرعنة بقاء مؤقّت قابل للتمديد؟ وهل تكون واشنطن ضامنًا للتنفيذ، أم وسيطًا يطلب من الطرف الأضعف تقديم المزيد من التنازلات؟
العدالة الغائبة تهدّد أيّ استقرار
لا تقتصر الملاحظات على الجانب الأمنيّ والسياسيّ. فالتحذيرات الحقوقيّة من بنود قد تحدّ من قدرة الضحايا على ملاحقة الجرائم دوليًّا تفتح نقاشًا أساسيًّا حول ثمن التسوية. لا يمكن لأيّ اتفاق أن يطلب من اللبنانيّين التخلّي عن حقّهم في العدالة مقابل وقف القصف.
كذلك، فإنّ ربط عودة السكّان إلى قراهم بنزع سلاح القوى غير الحكوميّة قد يحوّل النزوح المؤقّت إلى تهجير مفتوح. وهذا يعني أنّ المدنيّين سيُستخدمون وسيلة ضغط على الدولة وعلى حزب الله، بدل أن تكون عودتهم حقًّا غير مشروط بانتهاء العمليات العسكريّة.
إنّ السلام الذي يقوم على الإفلات من العقاب يبقى هشًّا، لأنّه يعالج موازين القوى ولا يعالج جذور الصراع. لذلك، تحتاج الدولة إلى حماية حقّها في التحرك القانونيّ الدوليّ، وعدم السماح بتحويل الاتفاق الأمنيّ إلى حصانة مسبقة للاحتلال.
اختبار الدولة يبدأ من وضوح شروطها
يقف لبنان أمام اختبار يتجاوز الانقسام التقليديّ بين مؤيّدي المقاومة وخصومها. المطلوب اليوم تحديد شروط وطنيّة واضحة: انسحاب إسرائيليّ كامل وفق جدول زمنيّ معلن، انتشار فعليّ للجيش، ضمانات دوليّة قابلة للتنفيذ، عودة غير مشروطة للنازحين، وحماية حقّ الضحايا في العدالة.
من دون ذلك، يتحوّل "الإطار" إلى إدارة طويلة للاحتلال بدل إنهائه. أمّا نجاحه، فيتطلّب من الدولة ألّا تكتفي بالدفاع عنه في الداخل، بل أن تفرض تفسيرها له في الخارج. فالمشكلة ليست في التفاوض بحدّ ذاته، وإنّما في التفاوض بلا أوراق، أو في قبول غموض تستفيد منه إسرائيل لتوسيع احتلالها.




