أعاد تحرّك نائب رئيس الحكومة طارق متري في جنيف طرح أسئلة قانونيّة وسياسيّة بشأن حدود التزام لبنان بالبند الثالث عشر من الاتفاق الإطاري الموقّع مع إسرائيل، ولا سيّما لجهة إمكان تقديم شكاوى أمام المحافل الدوليّة، وتوثيق الانتهاكات الإسرائيليّة، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنها.
وينصّ البند الثالث عشر من الاتفاق على أنّه "تماشيًا مع أهدافهما المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة، تلتزم إسرائيل ولبنان باتّخاذ تدابير قائمة على حسن النيّة وتُظهر نوايا إيجابيّة، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائيّة أو المناوئة في المحافل السياسيّة أو القانونيّة الدوليّة، كما يتعهّدان بالعمل على البحث عن الرفات وإعادتها والإفراج عن المحتجزين".
ويضع هذا النصّ التزام الطرفين بوقف الأعمال العدائيّة أو المناوئة في المحافل الدوليّة ضمن هدف معلن، هو إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة، وفي إطار إجراءات تستند إلى حسن النيّة. إلّا أنّ الصياغة الواسعة لعبارة "الأعمال العدائيّة أو المناوئة" تفتح الباب أمام تفسيرات متباينة بشأن حدودها القانونيّة، وما إذا كانت تشمل الشكاوى الحقوقيّة والتحرّكات الدبلوماسيّة الرامية إلى توثيق الانتهاكات والمطالبة بالمساءلة.
وينطلق الجدل من ثلاثة أسئلة أساسيّة: هل تتعارض زيارة متري مع مضمون البند الثالث عشر؟ وهل يمنع البند لبنان من تقديم شكاوى أمام المحافل الدوليّة بشأن الانتهاكات الإسرائيليّة؟ وما الآليّات المتاحة لتوثيق الجرائم والانتهاكات في ظلّ الاتفاق؟
اتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ
في هذا السياق، أوضح النائب ملحم خلف، في حديث إلى "المدن"، أنّ الوفد اللبنانيّ المفاوض والوفد الإسرائيليّ المفاوض وقّعا، في 26 حزيران 2026، وبحضور ممثّل الولايات المتّحدة الأميركيّة، اتفاقًا إطاريًّا لا يزال بصيغة مشروع، إلى حين إدخاله حيّز التنفيذ وفق الأصول القانونيّة المعمول بها في كلٍّ من لبنان وإسرائيل.
وأضاف: "في انتظار دخول الاتفاق الإطاريّ حيّز التنفيذ، لا بدّ للبنان من التعامل مع نتائج العدوان الذي تعرّض له بالوسائل التي يتيحها القانون الدوليّ العام، ومن خلال المحافل الدوليّة. وهذا تحديدًا ما يقوم به نائب رئيس مجلس الوزراء، طارق متري، في جنيف".
وتابع خلف: "الجدير بالذكر أنّ الدولة اللبنانيّة اعتمدت، منذ توقيع اتفاقيّة الهدنة مع إسرائيل عام 1949، الاحتكام إلى القانون الدوليّ العام وإلى المحافل الدوليّة، ولم تُقدم، طوال هذه المدّة، على أيّ خرق لالتزاماتها الناشئة عنها، في حين أنّ الانتهاكات الإسرائيليّة لهذه الاتفاقيّة كانت، ولا تزال، متكرّرة ومتواصلة".
وعن إمكان أن تمنع المادة الثالثة عشرة لبنان من تقديم شكاوى أمام المحافل الدوليّة بشأن الانتهاكات الإسرائيليّة، قال خلف: "هذا التساؤل سابق لأوانه، لأنّ الاتفاق لم يدخل بعد حيّز التنفيذ. أمّا إذا دخل حيّز التنفيذ، فالأمل ألّا يشهد خروقات من الجانب الإسرائيليّ".
وأكّد أنّه "في التقدير القانونيّ، لا تُشكّل أيّ زيارة يقوم بها مسؤول لبنانيّ إلى محفل دوليّ، أو أيّ تحرّك رسميّ يرمي إلى عرض الانتهاكات أو المطالبة بالحقوق، خرقًا لأيّ بند من بنود أيّ اتفاقيّة أو معاهدة دوليّة".
وأوضح أنّ "ذلك يندرج في إطار الواجبات القانونيّة والحقوقيّة والإنسانيّة للدولة، الرامية إلى حماية الوطن والمجتمع، واحترام القانون الدوليّ الإنسانيّ، وصون حقوق الضحايا، ومتابعة ملفّات المفقودين والمحتجزين. وهذه الموضوعات، بطبيعتها، لا تدخل في مفهوم الأعمال العدائيّة أو المناوئة، بل تقع في صميم واجبات الدولة تجاه مواطنيها وتجاه المجتمع الدوليّ".
وأضاف خلف: "لا بدّ من التذكير بأنّ العدالة الدوليّة تقوم على مبدأ مفاده أنّ الجريمة التي تمرّ من دون عقاب هي جريمة يُكافأ مرتكبها. ومن هنا، يصبح توثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان ضرورة وطنيّة وقانونيّة، لأنّ الإفلات من العقاب، إذا اقترن بمحو الذاكرة، يتحوّل إلى تشجيع صريح على تكرار الجريمة".
وأشار إلى أنّ "القانون الدوليّ الإنسانيّ والقانون الدوليّ لحقوق الإنسان يفرضان على الدول، كحدّ أدنى، التحقيق في الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب، والعمل على مساءلة المسؤولين عنها، وعدم اتّخاذ أيّ إجراء من شأنه تعطيل هذه الالتزامات أو إفراغها من مضمونها".
وتابع: "حتّى بعد دخول الاتفاق الإطاريّ حيّز التنفيذ، فإنّ أعمال التوثيق، وجمع الأدلّة، وحفظها، والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب، والتعاون مع الآليّات القضائيّة أو شبه القضائيّة الدوليّة، لا تُعدّ أعمالًا عدائيّة أو مناوئة موجّهة ضدّ أيّ طرف، بل تمثّل تنفيذًا لالتزامات قانونيّة دوليّة قائمة بذاتها، لا يجوز لأيّ اتفاق أن ينتقص منها أو يعطّلها".
وختم خلف: "الاتفاقات الدوليّة تُفسَّر وتُطبَّق في ضوء قواعد القانون الدوليّ الآمرة والالتزامات الأساسيّة الواقعة على عاتق الدول، ولا يجوز أن تُحمَل على معنى يؤدّي إلى تكريس الإفلات من العقاب أو إلى تعطيل ملاحقة مرتكبي الجرائم الدوليّة الخطيرة".
وأضاف: "من ثمّ، فإنّ أيّ تفسير للمادة الثالثة عشرة يجب أن يبقى منسجمًا مع هذه المبادئ، بحيث يقتصر على منع الأعمال العدائيّة ذات الطابع السياسيّ أو الدبلوماسيّ، من دون أن يمتدّ إلى حرمان لبنان من ممارسة حقوقه المشروعة أو من الوفاء بالتزاماته الدوليّة في توثيق جرائم الحرب، والتحقيق فيها، والسعي إلى محاسبة المسؤولين عنها، حمايةً للضحايا، وصونًا للعدالة، ومنعًا لتكرار الانتهاكات".




