في انتظار تبلور التسوية الإقليمية الكبرى، دخل لبنان مرحلة عنوانها تثبيت الواقع القائم وإدارة الاستقرار، أكثر مما هي مرحلة تحولات سياسية أو أمنية واسعة. وبينما لا يزال اتفاق الإطار يثير انقساماً داخلياً حاداً، تتداخل الحسابات اللبنانية مع مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ما يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطاً إلى حدٍ كبير بالتطورات الإقليمية على الرغم من تأكيد الجانب اللبناني الرسمي على ضرورة فصل المسارات. وفي هذا السياق، برز رفض لبنان تسمية موفد للجنة الخماسية في إسلام آباد، في خطوة أثارت نقاشاً وتحفظات في الأوساط المعنية، وسط استمرار المشاورات حول خلفيات هذا الموقف وتداعياته.
داخلياً، لا يزال اتفاق الإطار موضع انقسام سياسي، فيما يبرز السؤال حول كيفية ترجمة رفضه ميدانياً، ولا سيّما من قبل الثنائي الشيعي. إلا أنَّ المعطيات تشير إلى أنَّ حزب الله يتعامل مع المرحلة الحالية بوصفها مرحلة ترقب وانتظار لما ستؤول إليه التطورات، في حين تعتبر طهران أنَّ المستجدات الأخيرة تستوجب إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية مقبلة. ومن المتوقع أن تعود هذه المقاربة إلى الواجهة بعد انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، واستئناف الاتصالات الأميركية – الإيرانية، ما يعني أنَّ اتفاق الإطار سيواجه مجدداً معطيات جديدة واختباراً لفاعليته على الساحة اللبنانية.
في المقابل، يترقب الجانب اللبناني الرسمي مدى التزام إسرائيل بمندرجات ما تمَّ الاتفاق عليه في واشنطن، وما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ضبط أي تفلت إسرائيلي، في وقت تتمسك واشنطن بمقاربتها القائمة على الفصل بين الملف اللبناني – الإسرائيلي ومسار التفاوض مع إيران. ويعكس هذا التوجه ما نقلته القناة 15 الإسرائيلية عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأجيل أي عملية عسكرية تستهدف قاعدة تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، قائلاً: "دعني أتعامل أولاً مع إيران، لا تزعجني بالانفجارات هناك". وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن نتنياهو ينتظر الضوء الأخضر من ترامب لبدء العملية، فيما يقدّر الجيش الإسرائيلي وجود ما بين 30 و40 عنصراً من وحدة "بدر" التابعة لحزب الله داخل الموقع، بينهم عدد من القادة. ومن المفترض أن يلتقي ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض في الأيام المقبلة.
وتقع مرتفعات علي الطاهر بالقرب من النبطية وكفرتبنيت شمال نهر الليطاني، وتُعد من أبرز المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان، نظراً لإشرافها على مساحات واسعة من النبطية وإقليم التفاح، فضلاً عن احتضانها منشآت ومواقع استُخدمت تاريخياً لأغراض عسكرية ومراقبة.
في المقابل، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مع المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، على أهمية العمل على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، وتثبيت وقف إطلاق النار.
وفي موازاة ذلك، تُسجّل قراءة المشهد الميداني تراجعاً ملحوظاً في وتيرة الخروقات الإسرائيلية، مع سلوك أكثر انضباطاً مقارنة بالفترة السابقة، وهو ما يُفسَّر بوجود ضغوط وحسابات دولية تحول دون توسيع رقعة المواجهة، في ظل المساعي الأميركية للحفاظ على مسار التهدئة الإقليمية إلى حين اتضاح صورة المفاوضات الأوسع في المنطقة.
ديبلوماسيان في الأمم المتحدة ينتقدان اتفاق لبنان مع إسرائيل
في السياق، كشفت رسالة وجّهتها وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري أ. ديكارلو، ووكيل الأمين العام لعمليات السلام جان-بيير لاكروا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، عن جملة هواجس مرتبطة بالإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، وانتقادات طاولت الاتفاق. وتركّز الرسالة التي حصلت "المدن" على نسخةٍ منها على أربع نقاط أساسية: أولاً، أنَّ الإطار قد يفاقم الانقسامات والتوترات الطائفية داخل لبنان. ثانياً، أنّه يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، ما قد يؤدي إلى استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب وتأخير إعادة الإعمار. ثالثاً، أنّه يمنح الولايات المتحدة دور الوسيط الحصري، متجاهلاً قرار مجلس الأمن 1701 ودور الأمم المتحدة في التنفيذ والمراقبة. ورابعاً، أنَّ هذه الترتيبات تطرح تساؤلات حول مستقبل دور الأمم المتحدة ومهمة اليونيفيل في لبنان، رغم تأكيد المنظمة استعدادها لدعم أي مسار يُفضي إلى سلام دائم.
برقية من عون إلى ترامب
على مستوى الرئاسة الأولى، وجّه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برقية تهنئة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لمناسبة الذكرى الــ 250 لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية، تمنّى فيها له وللشعب الأميركي الصديق التوفيق والازدهار والمزيد من التقدم والنجاح. وقال عون في برقيته: "لا شك أنَّ تاريخ العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية قديم ومتجذر، قِدَم المبادئ والقيم الإنسانية والاجتماعية التي وحّدت رؤيتهما، وها هي اليوم تعود بقوة بفضل إصراركم وسعيكم الدؤوب لإعادة الاستقرار والأمن إلى الشرق الأوسط بشكل عام، وإلى لبنان بشكل خاص. وأننا، إذ نقدّر مساعيكم في هذا الإطار، ندعوكم إلى الاستمرار في الوقوف الدائم إلى جانب قضايا لبنان المحقة والعادلة، وإلى جانب مؤسساته وجيشه وشعبه، علّنا نطوي صفحة الحروب والمآسي والألم ونفتح صفحة جديدة من الأمل والسلام والاستقرار".
وكانت السفارة الأميركية في بيروت كتبت عبر "إكس": "هذا العام، وبينما تُحيي الولايات المتحدة الذكرى الـ250 على استقلالها، نحتفل ليس فقط بالمبادئ التأسيسية التي تُحدد هويتنا، بل أيضاً بصداقاتنا الراسخة التي صاغت تاريخ أمتنا. نقف بفخر كبير إلى جانب الشعب اللبناني وهو يشق طريقه نحو مستقبل أكثر إشراقاً، مستقبلٍ يحمل السلام والازدهار والوعود التي طال انتظارها".
قائد بعثة اليوينيفيل عند هيكل
على صعيد آخر، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه - اليرزة رئيس وقائد بعثة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل اللواء ديوداتو أباغنارا، برفقة نائبه، مدير الشؤون السياسية والمدنية في البعثة Hervé Lecoq، وتناول البحث آخر المستجدات والتطورات في لبنان، لا سيّما في الجنوب، وسبل تعزيز التعاون بين الجيش واليونيفيل في ظل التحديات الراهنة.
خروقات إسرائيلية
ميدانياً، إسرائيل لا تزال تخرق وقف إطلاق النار. إذ استهدفت مدفعية الجيش الإسرائيلي جبل باصيل قبالة بلدة راميا وبيت ليف في قضاء بنت حبيل. وانفجرت ذخائر من مخلفات الحرب في بلدة صديقين من دون وقوع إصابات. كذلك انفجرت عبوة من مخلفات الحرب في منطقة وادي تولين – قلاوي. وكان الجيش الإسرائيلي نفّذ صباحاً غارة من مسيّرة استهدفت بلدة المنصوري – قضاء صور. وأفادت معلومات عن وقوع إصابة تم نقلها إلى المستشفى.
كذلك أُفيد عن تمشيط إسرائيلي باتجاه بلدة حداثا. وبعد ظهر اليوم، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير كبيرة في منطقة القنطرة - دير سريان في قضاء مرجعيون.
مساعدات للنازحين
وفيما يتعلق بالنازحين وإعادة الإعمار، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد من النبطية عن "مساعدات نقدية إضافية ستستفيد منها 130 ألف أسرة نازحة ابتداءً من الأسبوع المقبل". وقالت: "نعمل بتوجيه رئيس الحكومة نواف سلام على وضع خطة للعودة والتعافي وإعادة الإعمار في أسرع وقت ممكن بما يضمن مواكبة عودة أهلنا إلى قراهم ومناطقهم بكرامة وأمان".




