اتفاق الإطار: لبنان بين فكي الوصاية

قاسم الصديقالسبت 2026/07/04
Image-1771940066
بدا لبنان الحلقة الأكثر قابلية للاستخدام. فهو يمثل إحدى ساحات النفوذ الإيراني الأساسية من خلال احتضانه إحدى أهم أدوات نف
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن لبنان يوماً بعيداً عن خرائط الصراع الإقليمي، لكنّه في كل محطة مفصلية يجد نفسه يعود إلى الموقع ذاته: ليس طرفاً كاملاً في صناعة القرار، بل ورقة تفاوض على طاولات الآخرين. وما يجري اليوم مع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل لا يمكن قراءته بوصفه تطوراً لبنانياً صرفاً أو استجابة لحاجة أمنية على الحدود الجنوبية، بل هو جزء من مشهد إقليمي أوسع، يتداخل فيه التفاوض الأمريكي-الإيراني مع الحسابات الإسرائيلية، ويصبح فيه لبنان مرة جديدة مساحة لتبادل الرسائل والمقايضات السياسية.

 

لبنان ورقة تفاوض وميدان رسائل

جاء الاتفاق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالولايات المتحدة كانت تواجه معضلة مزدوجة: استمرار سياسة الضغط القصوى على إيران وما ترتّب عليها من ردود فعل إيرانية هددت أمن الملاحة في مضيق هرمز والاقتصاد العالمي، وفي المقابل رغبتها في منع توسع الحرب الإقليمية إلى مواجهة مباشرة قد تستنزف حلفاءها وتفتح جبهات يصعب احتواؤها – وقد جرّبت هذا المسار ولم تفلح في جرّ الحلفاء الاقليميين والدوليين الى حربها مع إيران. وبين هذين الاعتبارين، أصبح من الضروري إنتاج مساحات تفاوضية تسمح بتخفيف الضغط من دون تقديم تنازلات استراتيجية مباشرة لاستعادة بعض ما خسرته الادارة الأميركية من رأي عام محلّي قبل أشهر من الانتخابات النصفية.

 

في هذا السياق، بدا لبنان الحلقة الأكثر قابلية للاستخدام. فهو يمثل إحدى ساحات النفوذ الإيراني الأساسية من خلال احتضانه إحدى أهم أدوات نفوذها في المنطقة (أي حزب الله)، وفي الوقت نفسه يشكل الجبهة الأكثر ارتباطاً بالأمن الإسرائيلي. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول إلى إحدى أوراق التفاوض غير المعلنة و مساحة يمكن من خلالها إرسال رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران، بحيث يصبح الهدوء في الجنوب اللبناني جزءاً من إدارة التفاوض الإقليمي الأكبر، وليس نتيجة تسوية مستقلة تعالج جذور الأزمة اللبنانية أو الصراع مع إسرائيل.

 

المقاربة الأميركية...مساران متوازيّان 

واللافت أنّ الإدارة الأمريكية لم تعتمد مساراً واحداً، بل دفعت بأعلى مستوياتها السياسية إلى إدارة مسارين متوازيين، بدا للوهلة الأولى أنهما متناقضان. فمن جهة، انخرطت الخارجية الأميركية في مسار تفاوضي مع إيران هدفه احتواء التصعيد الإقليمي وتخفيف الضغوط التي قد تعطل المفاوضات الأساسية. 

ومن جهة أخرى، توّلت أعلى مستويات الإدارة (ممثلة بنائب الرئيس) رعاية مسار تفاوضي لبناني-إسرائيلي للوصول إلى اتفاق إطار ينظم الوضع الأمني على الحدود الجنوبية. قد يبدو المساران منفصلان - وكأنَّ الثاني يفك الارتباط بالأول، كما حاولت الإدراة الأميركية الإيحاء دائماً (وكما تلقفتها بدايةً الدولة اللبنانية وما يُعرف بالقوى السيادية)، لكنّهما في الحقيقة كانا يعكسان منطق "الرهان والصفقة" الغير مبرمجة مُسبقاً الذي يميز مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة الملفات الدولية؛ فكل مسار يحمل في طياته غموضاً مقصوداً لفتح الباب واسعاً أمام إمكانية التفسير المصلحي المرتبط بكل مرحلة وكلّ تقدّم أو تقهقر في المسارين التفاوضيين، وبذلك يخدم كل مسار الآخر ويؤمّن له هامشاً واسعاً من الشدّ والأخذ والردّ لضمان المصلحة الأميركية أساساً.

 

فالمسار الأول خفف من احتمالات اندفاع إيران نحو خيارات تصعيدية تمسُّ المصالح الأمريكية والاقتصاد العالمي، بينما ضَمِن المسار الثاني الحفاظ على المكاسب العسكرية والسياسية التي حققتها إسرائيل في لبنان، ومَنع تحويل الجبهة اللبنانية إلى ورقة استنزاف جديدة ضدها أو إلى مصدر ضغوط دوليّة متزايدة عليها. إذ ليس لإسرائيل مصلحة مطلقة في استمرار العمليات العسكرية بالوتيرة نفسها. فاستمرار استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت وعمليات الاغتيال والقصف الواسع كان يحمل احتمالاً جديّاً باستدراج إيران إلى مواجهة أكثر مباشرة، وهو السيناريو الذي حاولت واشنطن تجنبه بعد عمليتها العسكرية الواسعة وبدأ التهديد بمضيق هرمز. لذلك مارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً متوازية على الحكومة الإسرائيلية لاحتواء مستوى العمليات العسكرية، ليس دفاعاً عن لبنان، بل حفاظاً على سقف الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها واستغلالها. وبذلك لم يكن الهدف إنهاء الصراع بقدر ما كان إعادة ضبطه ضمن حدود تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في آن واحد، ولو جاء ذلك على حساب تعقيدات الواقع اللبناني.

 

ثمنٌ سياسي باهظ للبنان

إلا أنّ الثمن السياسي لهذه المقاربة كان باهظاً بالنسبة للبنان. فمنذ سنوات، كان توصيف الصراع مع اسرائيل يقوم على اعتبارها عدواناً على الأراضي اللبنانية وتعدّياً على السيادة الوطنية، بغض النظر عن أسباب الاشتباك أو أدوار الفاعلين الداخليين. أما اليوم، فقد أعاد "اتفاق الإطار المُوقّع بين لبنان واسرائيل تعريف الصراع تدريجياً باعتباره أزمة داخلية مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها. لم تعد إسرائيل، في السردية الجديدة، هي مركز المشكلة، بل أصبح السؤال المطروح هو مدى قدرة الدولة اللبنانية على ضبط السلاح، وبسط سلطتها، وتنفيذ ما يطلب منها. وهكذا انتقل مركز الثقل من مساءلة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية إلى مساءلة الدولة اللبنانية نفسها عن قدرتها على تنفيذ التزاماتها.

إلا أنَّ المقاربة لا تستوي إلا إذا وضع التحول في الموقف اللبناني الرسمي، واندفاعه إلى ترقب الإشارة الأمريكية للبدء بمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي ضمن ما عُرف لاحقاً ب"اتفاق الإطار" في سياقه. إذ لم يكن التحول الرسمي نحو التفاوض تعبيراً عن خيار سيادي "مكتمل النصاب" بقدر ما كان انعكاساً لضغط مركّب: ضغط الانهيار الداخلي، وضغط الحرب التي يدفع لبنان كلفتها من دون أن يملك قرارها، وضغط التهديد الإسرائيلي باحتلال قائم ومتجدد يتوسع بالقصف والاغتيالات وفرض الوقائع الميدانية. ولا يمكن فصل التحوّل أو الدفع باتجاهه عن واقع دولة منهكة منذ سنوات بأزماتها الاقتصادية والمالية والسياسية، ومكبّلة بانهيار مؤسساتي حدّ من قدرتها على المبادرة أو فرض شروطها. وهكذا وجدت الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة قاسية: دولة مفلسة، اقتصاد منهار، انقسام داخلي عميق، ومؤسسات أمنية وعسكرية تعمل ضمن هوامش محدودة، في مقابل حرب (أو أكثر) استُدرج إليها لبنان تحت عناوين الإسناد (غزة أولاً والثأر للوليّ الفقيه ثانياً) من دون أن تكون الدولة قد اتخذت قرارها أو امتلكت حق ضبط إيقاعها. وبهذا المعنى، بدت الدولة، في لحظة الهرولة نحو الإشارة الأمريكية، كمن يبحث عن نافذة نجاة وسط حصار سياسي وعسكري واقتصادي، لا كَمَن يدخل مساراً تفاوضياً من موقع قوة أو توازن.

 

مآزق سيادية قانونية ودبلوماسية

هذا التحول يضع الحكومة اللبنانية أمام معضلة سيادية غير مسبوقة. فمن جهة، تُطالب باستعادة احتكارها لقرار الحرب والسلم وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وهو مطلب يتوافق مع منطق "الدولة". ومن جهة أخرى، لا تزال إسرائيل تحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية وتمارس اعتداءات متكررة، فيما يستمر حزب الله في امتلاك قرار عسكري مستقل عن مؤسسات الدولة. فتغدو الدولة مطالبة بإثبات سيادتها، في وقت لا تزال فيه هذه السيادة منقوصة بفعل الاحتلال من جهة، وبتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري من جهة أخرى.

أما المأزق الثاني فهو قانوني ودبلوماسي، وهو لا يقلّ خطورة على المدى البعيد. فحين يصبح الانسحاب الإسرائيلي أو وقف الاعتداءات مرتبطاً بمدى تنفيذ لبنان لالتزاماته، تنتقل الدولة اللبنانية من موقع المدعي على الاحتلال إلى موقع الطرف الذي يخضع للمساءلة والتحٌّق من قِبل قوة الاحتلال نفسها. ويصبح أيّ اعتراض لبناني على الانتهاكات الإسرائيلية عُرضةً للربط بمدى التزامه ببنود الاتفاق، بما يحدّ من هامش تحركه القانوني والدبلوماسي أمام المحافل الدولية. فبدلاً من أن يكون الاحتلال أو الاعتداء هو موضوع النقاش الأساسي، تصبح الأولوية مرتبطة بتقييم مدى التزام لبنان بتنفيذ تعهداته، ما يضع الدولة في موقع الدفاع المستمر عن أدائها، ويمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة السياسية والقانونية.

ويوازي ذلك مأزق عملاني لا يقل تعقيداً. فتنفيذ أي اتفاق يتطلب مؤسسات تمتلك القدرة العسكرية والإدارية والأمنية على فرض الالتزامات، بينما يعاني لبنان أصلاً من هشاشة مؤسساته وانقسام قراره السياسي. كما أنَّ أيَّ محاولة لفرض التطبيق الكامل للاتفاق قد تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى احتكاكات مع حزب الله أو مع البيئات الداعمة له، بما يجعل تنفيذ الاتفاق نفسه عاملاً لإنتاج توترات داخلية جديدة بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار.

 

"اتفاق الإطار" .. انقسام متجدد

ومن هنا، فإن أخطر نتائج "اتفاق الإطار" تكمن في إعادة إنتاج الانقسام اللبناني وفق خطوط جديدة بناءً على تعدّد الاستنتاجات والقراءات لبنود الاتفاق الفضفاضة والحمّالة أوجه – ما لم يتمّ تفنيدها وتفصيلها من قبل الدولة اللبنانية. فهناك فريق يرى أنّ المصلحة الوطنية تقتضي الانخراط الكامل في المسار الأمريكي، ليس لأنّه ينكر أنّ لبنان كان جزءاً من صفقة إقليمية، بل لأنه يعتبر أنّ هذا المسار، رغم كلفته السياسية، يبقى الفرصة الوحيدة المتاحة لاستعادة مؤسسات الدولة، واسترجاع القرار السيادي من النفوذ الإيراني، وإعادة وصل لبنان بالمجتمعين العربي والدولي. وهو يقرّ، ضمناً، بأنّ لبنان دفع ثمن كونه ورقة تفاوض، لكنّه يرى أنّ الخروج من هذه المعادلة يمر عبر استثمار نتائجها لا عبر مواجهتها.

 

في المقابل، تقف قوى الممانعة في رفض كامل للاتفاق، باعتباره اتفاقاً فاقداً للشرعية السياسية منذ لحظة ولادته، لأنه يكرّس اختلال ميزان القوى، ويربط مستقبل لبنان بإملاءات أمريكية، ويمنح إسرائيل ما عجزت عن فرضه بالحرب – ألا وهي الوصاية. ويلتقي معها، وإن من منطلقات مختلفة، عدد من القوى السياسية ذات التوجهات القومية واليسارية، التي لا تنطلق من الدفاع عن المشروع الإيراني، بل من رفض تحويل لبنان إلى طرف يقدم التزامات أحادية من دون ضمانات متبادلة أو معالجة فعلية لمسألة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، ممكن أن تقود تدريجياً إلى مسار تطبيع أو سلام أو استسلام سياسي، خارج المرجعيات العربية التي أرستها مبادرة السلام العربية عام 2002. وهكذا يلتقي طرفان يختلفان في المنطلقات، لكنّهما يصلان إلى النتيجة نفسها: رفض اتفاق الإطار.

وفي خضم هذا الانقسام، يصبح الخطر الحقيقي هو انتقال مركز الصراع من الحدود الجنوبية إلى الداخل اللبناني. فبدلاً من أن يكون الخلاف حول كيفية إدارة المواجهة مع إسرائيل، قد يتحول إلى صراع حول شرعية الخيارات السياسية نفسها، ويُكرّس الانقسام حول تعريف السيادة، ودور المقاومة، وعلاقة لبنان بالمحورين الأمريكي والإيراني. عندها، تصبح الانقسامات الداخلية هي الساحة الأساسية للصراع، بينما يتحول اتفاق الإطار إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى السياسية داخل لبنان أكثر مما يكون إطاراً لتنظيم العلاقة الأمنية مع إسرائيل. 

 

غياب المشروع اللبناني المستقل

في المحصلة، لا تبدو المشكلة الأساسية في التفاوض بحد ذاته، فالتفاوض يبقى أداة مشروعة في إدارة النزاعات بين الدول. إنما تكمن الإشكالية في أنّ لبنان دخل (أو أُدخِل) هذا المسار وهو يفتقد عناصر القوة التي تسمح له بالتفاوض من موقع النديّة، وفي لحظة كان فيها جزءاً من مساومة إقليمية أكبر منه بكثير. وبين المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، والحسابات الإسرائيلية، والانقسامات اللبنانية، يجد لبنان نفسه مرة أخرى بين فكي كماشة – أحلاهما مُرّ: من جهة، وصاية إسرائيلية ساعية إلى تثبيت مكاسب عسكرية وسياسية وفرض وقائع جديدة في الأمن والسياسة؛ ومن جهة أخرى، وصاية إيرانية، من خلال ذراعها (حزب الله)، لا تزال تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أهم أوراقها التفاوضية والإقليمية. وبين المشروعين أو الوصايتين، يغيب المشروع اللبناني المستقل، وتبقى الدولة مطالبة بإدارة نتائج صفقات -تحت الوصاية - لم تكن شريكاً حقيقياً في صياغتها.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعني انسداد الأفق. فكونه اتفاق إطار، لا اتفاقاً تنفيذياً نهائياً، يفتح المجال أمام الدولة اللبنانية لإعادة تعريف كثير من عناصره وتفسير بنوده وآليات تطبيقه بما يحفظ مصالحها الوطنية. غير أنَّ ذلك لن يكون ممكناً إلا إذا انتقلت الدولة من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، عبر بناء موقف وطني جامع، وإطلاق مراجعة قانونية وسياسية شاملة لبنود الاتفاق، وتحديد خطوط حمراء واضحة لا يجوز تجاوزها في أي تفاوض لاحق. كما أن نجاح هذا المسار يقتضي توفير مظلة عربية ودولية حقيقية، لا تكتفي برعاية التفاوض، بل تضمن حماية الحقوق اللبنانية، وتمنع تحويل الاتفاق إلى أداة لفرض تنازلات أحادية، أو إلى وسيلة لتكريس الاحتلال الإسرائيلي من جهة، أو استمرار توظيف لبنان كساحة نفوذ إيرانية من جهة أخرى. وحدها هذه المقاربة كفيلة بإخراج لبنان من موقع "ورقة التفاوض" إلى موقع الدولة التي تفاوض دفاعاً عن سيادتها ومصالحها الوطنية، لا دفاعاً عن مصالح الآخرين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث