توصل الحكم اللبناني إلى إطار اتفاق مع إسرائيل. رَعَتْ الولايات المتحدة الأميركية المسار. قيل إن التفاوض كان ثلاثياً، وحقيقة الأمر أنه كان ثنائياً، واجهه الحكم اللبناني منفرداً.
صارت بنود الإطار الذي اتفق عليه مقروءة، وباتت موضع اعتراض، ونزلت منازل دعم وإسناد... وَسْطَ هذه الصورة، سيكون تبسيطاً تناول "الإطار" تناولاً "تقنيّاً"، أو أن يُكتفى بمطالعته لغويّاً، من دون قاموس شرحٍ أهلي لبناني، ومن دون العودة المتكررة إلى معجم "التكوينيّة" اللبنانية. إذن، ما حقيقة الأمر؟ السؤال تقريبي، وجوابه غير تقريري، لكن الصفتين "النسبيتين" لا تُلغيان العناصر التي تجعله واقعيّاً في مفاصل عديدة منه. عليه، كيف توزّع الفاعلون تكوينيّاً، ومن موضعي انطلاق: موضع رسميّ أهلي، ذو صفة طائفية معلومة، وموضع اعتراض أهلي، ذو صفة مذهبية – طائفية، معروفة. بين الرسمي صاحب الموقف التفاوضي وراعيه، وبين المعترض الشعبي ودعاته، الرئيسي منهم والفرعي، ما هي "القطبة المخفية" التي لا ينجو منها نسيجٌ طائفي لبناني؟
من موقع الحكم، عرض الرئيس جوزف عون مضمون إطار الاتفاق، وأسهب الشرح في تبديد مخاوف من يظنّون بالإطار شرّاً يحيق بهم. آزر رئيس الحكومة، نواف سلام، رئيس الجمهورية، فنبَّه إلى أن حصيلة التفاوض أوليّة، وهي إطار لمسارٍ يحدد البنود والخطوات، ويمهد السبيل للوصول إلى صياغة اتفاق نهائي.
الخطابان الرسميّان، حَاوَلا "تهدئة خواطر" المعترضين المتوجّسين، وَوَعَدَا بعدم التجاوز على الثوابت التي تشكّل ملتقى اجتماع الأكثريّة الساحقة من اللبنانيين.
قول إجمالي أوّلي في بنود الإطار نسب إليها إيجابيات السيادة وحفظ الحقوق اللبنانية، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وعودة المنزَّحين وإعادة الإعمار... وقول تفصيليّ اعتراضي إجمالي في البنود وحمّلها التفريط بالسيادة والأرض والشعب، وبفتح أبواب البلد على "المجهول".
لم يكن الإطار "مثاليّاً" هكذا قال رئيس البلد، وليس الإطار "شيطانيّاً"، هكذا أوحى رئيس الحكومة، في المطرحين، ثمّة ما هو واقعي ضمن الظروف القاهرة التي حوصر بها لبنان، وثمّة ما هو غير واقعي أيضاً، بسبب من الظروف الضاغطة إياها، التي أربكت المفاوض اللبناني، وقيَّدت مناورته. ماذا ربح لبنان وماذا خسر؟ ربح مؤقتاً، قرار وقف إطلاق النار، وربح معه "تحديد خسائره" المؤقت أيضاً. ما عدا ذلك، ربح كتابي غير مضمون من جهة، يستوي في ذلك الأميركي "الزئبقي" والإسرائيلي المراوغ. فلا قراءة المصالح الأميركية بعين أميركية صافية، متحققة، ولا تقييد الجموح الإسرائيلي حاصل هو الآخر.
في إزاء ذلك، ماذا ربحت إسرائيل وماذا خسرت؟ المؤقت اللبناني من الربح ومن الخسارة هو مؤقَّت إسرائيلي أيضاً، فالأرض السياسية اللبنانية زلِقة، ورمالها متحركة، وعقد إجماع الطوائف واجتماعها على صيغة واحدة غير متوفّر، لذلك فإن الحالة اللبنانية قادرة على تحويل "الرسمي" إلى أهلي، وعلى دفع كل أهلي إلى فئته الانتسابية، بحيث "تُلْحَقُ كل عنزة بقطيعها". ماذا يبقى من الفوائد التي نسبتها إسرائيل إلى الإطار؟ يبقى أمرٌ أساسيٌّ واحد بمثابة "بيت قصيد" المناورة الإسرائيلية، وهو الإقرار بضرورات الوجود الكياني الآمن لإسرائيل، هذه الدولة التي ما زالت تقاتل "وجوديّاً" وتعرّف كيانيَّتها تعريفاً عدوانيّاً حيال محيطها، تعطيه اسم الدفاع عن النفس. البند الأساسي في الإطار، قدّمه اللبناني في هذا المضمار، عندما أعلن التزامه بعدم الاعتداء، والتزامه بمنع الاعتداء على "الحياة" الإسرائيلية. هذا الكسب يمكن تسويقه من قبل السياسة الإسرائيلية، شعبياً، أما الباقي من البنود فتتولى الآلة القتالية حسن تنظيم وجوده، وحسن إدارته، في استقراره وفي اضطرابه.
هل يمكن القول إن صدى توقيع إطار الاتفاق كان إيجابيّاً في إسرائيل؟ نعم يمكن ذلك، على صعيد إجمالي. هل هذا ربح ملموس؟ نعم هو كذلك. في المقابل، ماذا عن ردَّ الفعل في لبنان؟ لقد كان ردَّاً سلبياً، وأضاف عامل افتراق جديد بين اللبنانيين، هذا يسجل في حساب الربح الإسرائيلي سياسيّاً، ويسجل في خانة الخسارة اللبنانية شعبيّاً وأهليّاً أي خانة التشكيلة السياسية التي تولت رعاية إمكانيات رعاية "الكيان" في استقلاله، ومن ثم قيادته، ومن ثم الفوز بالنصيب الأكبر من "غُنُم" إدارة دفّة حكمه.
هذه الاستعادة، قرأتها الشيعية قراءة انقلابية على نتائج ما بعد اتفاق الطائف، "وهجوماً" مضاداً على ما بنته الشيعية من نفوذ تغلغل في مفاصل المؤسسات الرسمية، وعلى ما انفردت به من هيمنة تعزَّزت خصوصاً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سنة 2005. لم تحجب الشعارية الظاهرة تبيّن وتبيان المصالح الخبيئة، ولن تظلّ المواربة لغة تخاطب، بل ستبرز المباشرة صوتاً وصورة، بما لا يترك مجالاً للاجتهاد أو الظن أو التخمين.
في لحظة المواجهة السياسية المباشرة، تُفَكِّكُ الطائفية والمذهبية، وتهدِّد بالانفكاك، وفي هذه اللحظة، يجب أخذ مقالها على محمل النذير، وعلى محمل سوء التقدير، على الضد من كل ما أدلت، وقد تُدْلي به، من "معسول" الوحدة الوطنية والثوابت التي لا تمسّ بالوحدة، رسميّاً وشعبيّاً.
استعراض اللوحة الراهنة، يقدم وسائل شرح لما يُخشى من سوء عواقبه، مثلاً: في لحظة استشعار التهديد، تسحب الطائفة اعترافها بالرمزية العامة لرئيس الدولة، وتحجب اعترافها برمزية رئيس الحكومة. الخطوة سهلة لدى الطائفة المعارضة، فهي إذ ترفع صوتها بالاحتجاج فإنها تكتب رسالة موجزة فحواها: لقد انفرط عقد توافقنا عندما تجاوزتم على شروط نظمه وانتظامه.
وإذ تعترض الطائفة، باسم السيادة، أو باسم المقاومة، فإنها تقاوم الانقلاب التدريجي على مكاسبها وعلى سطوتها وعلى هيمنتها، والانقلاب له ثمن يدفعه من يقوم به، إذا فشل، ويدفعه صاحب السلطة إذا فشل في الدفاع عن سلطته.
واقع الحال اليوم، أن الاقتحام التفاوضي، المراهن على الخارج الأميركي – الغربي، يسعى إلى تصحيح خلل في التشكيلة، أصاب الحصة المسيحية والحصة السنية الإسلامية، وواقع الحال أيضاً، أن الانتفاضة المراهنة على الخارج الإيراني تحديداً، تسعى إلى الحفاظ على الأساسي ممّا حصلت عليه، بعد سنواتٍ من "الحرمان" الكياني المزمن.
على هكذا معطيات، نذهب إلى السؤال، كيف قَدّر الحكم موقفه السياسي عندما وقّع على نسخة إطار التوافق؟ هل قرأ أحد من المستشارين السياسيين حقيقة التوازنات الأهلية على الأرض، وحقيقة هواجسها؟
لماذا غاب عن بصيرة المستشارين الانتباه إلى أن التوازن السياسي يفترض نقاش الفئة التي تستهدفها بنود الاتفاق، وأن أرضها ستكون ميدان هذا الاستهداف؟ على مثال ما ورد، تُبنى خلاصة أساسية: لقد حمل إطار الاتفاق أكثر من عامل فشل، لأنه افترض قدرة لا يملكها للسيطرة على قرار المستهدفين، مدنيين ومقاتلين، وفاقم من عوامل صعوبة النجاح، أن أهل الاستهداف "أمَّة واحدة".
هذا وصف لواقع الحال، أما سؤال ما البديل، فليس جواباً، ومن لا يملك الجواب كله، لا تسقط حججه كلها. يمكن استبدال السؤال، بسؤال ما الاستدراك الممكن؟ وما ممرّاته وما وسائله؟ هذا يعيد الأمر إلى ضرورة التشاور والحوار، بين الطائفيات الطامحة إلى استرداد مكاسبها، وتلك الساعية إلى الاحتفاظ بمواقعها. هل في ذلك إطالة في غير موضعها؟ ليس الأمر كذلك، عندما ندرك أن التهديد يستهدف الكيان كله، أي أنه سينال من أبناء الأرز ومن أبناء التبغ، ومن أبناء الشواطئ والسهول.
هل يدرك المتنازعون الموزّعون بين غصن الزيتون والبندقية أنهم محكومون بصياغة تسوية جديدة؟ وهل يدركون أن التسوية الجديدة ستعيد زحزحة بعض شاغلي المواقع، وربما ستقتلع بعضهم الآخر؟ هذه حقيقة يمليها الواقع الذي لن يُملأ مرّة جديدة بالشعارات، فهذه سقطت، ولن يملأ بالمكابرة، فهذه انكسرت، ولن تستمر السيرة اللبنانية الواحدة، إذا ما ظلّت دساكر الطوائف مسرحاً لخارج يستقوى به، وإذا ما ظلَّت كل رواية طائفية، وكل رواية مذهبية، مقتطعة من تاريخ ركائزه مستندات خارجية، وهوى أصحابه خارجي، أمّا لسان الجميع فلسان ثرثرة لبنانية.




