من حربَي الإسناد إلى الاتفاق الإطاري

فؤاد الديرانيالجمعة 2026/07/03
Image-1782910076.Jpg
لا تكمن خطورة الاتفاق الإطاري في مضمونه وحده، بل في كونه يأتي حلقة متقدمة في مسار جديد من الإخلال بذلك التوازن. (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

من المعروف أن إسرائيل تتمتع بقدرة كبيرة على إنهاك أعتى المفاوضين معها، ليس فقط عبر المراوغة وإطالة أمد التفاوض، بل أيضًا من خلال استغلال الوقت لتغيير الوقائع على الأرض، بحيث تصبح هذه الوقائع نفسها جزءًا من مادة التفاوض. وانطلاقًا من ذلك، ذهب كثيرون إلى الاعتقاد بأن الدولة اللبنانية، حين اختارت التفاوض المباشر مع إسرائيل، قد أدخلت نفسها في دوامة طويلة من الجولات التفاوضية التي يصعب أن تفضي إلى نتائج فعلية.

إلا أن ما حدث جاء على خلاف هذه التوقعات. ففي وقت قياسي، توصلت الدولة اللبنانية إلى اتفاق إطاري لا يزال حتى اليوم موضع انقسام سياسي. لا لأن إسرائيل غيّرت النهج الذي اعتمدته طوال عقود في مفاوضاتها مع الدول العربية، منذ القرار الدولي 242، مرورًا بمؤتمر مدريد، وجولات التفاوض التي أعقبت اتفاق أوسلو، وصولًا إلى المبادرات التي تلت مبادرة السلام العربية المنبثقة عن قمة بيروت عام 2002؛ بل لأن إسرائيل تميل إلى عقد اتفاقات قليلة الكلفة عليها، تحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية بأقل قدر ممكن من التنازلات، وتدفع في الوقت نفسه نحو عزل الحلقات التي شكّلت، تاريخيًا، عقد النظام العربي الرافض للتعامل معها نتيجة استمرار احتلالها للأراضي العربية، وانتهاجها سياسة التوسع والاستيطان التي تقضم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، أسوة بسائر شعوب الأرض.

 

التفاوض بلا بديل

وبالعودة إلى الاتفاق الإطاري، بعيدًا عن الأحكام التعميمية التي تصفه بـِ "اتفاق الذل والعار"، أو عن التوصيفات المقابلة التي ترى أن أي تنازلات وردت فيه تبقى مقبولة إذا كانت تجنب لبنان كلفة المواجهة العسكرية، يمكن القول إن الدبلوماسية اللبنانية ذهبت إلى التفاوض من دون امتلاك أي ركيزة جوهرية يستند إليها المفاوض اللبناني. فالتفاوض لا يقوم فقط على تحديد ما يمكن القبول به وما ينبغي رفضه، بل يفترض أيضًا امتلاك ما يُعرف في أدبيات التفاوض بـ(BATNA)؛ أي أفضل بديل في حال عدم التوصل إلى اتفاق. فالمفاوض الذي لا يمتلك بديلًا حقيقيًا، أو لا يُظهر استعداده للجوء إليه، يدخل المفاوضات وهو في موقع ضعف، لأن الطرف المقابل يدرك أن حاجته إلى الاتفاق أكبر من حاجة الطرف الآخر إليه. كما أن التفاوض لا يهدف إلى الوصول إلى اتفاق بأي ثمن، بل إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة، أو الانسحاب من العملية برمتها إذا كانت كلفة الاتفاق أعلى من كلفة عدمه. والحال أن لبنان دخل المفاوضات من دون تحديد خطوط حمراء واضحة، ومن دون تحديد الحد الأدنى الذي يحفظ توازن المصالح بين الطرفين، وكأن الممسكين بقرار التفاوض كانوا مدفوعين فقط بفكرة أن الحل الدبلوماسي، مهما بلغت كلفته، يبقى أفضل من الخيار العسكري الذي أدخل لبنان في حالة من النزف الباهظ الكلفة.

 

من التفرد إلى التفرد المضاد

غير أن الانتقال من تفردٍ إلى تفردٍ مضاد لا يعيد إنتاج التوازن الذي قام عليه لبنان، بل يكرّس اختلاله. فإذا كان قرار الذهاب إلى حرب الإسناد قد اتُّخذ خارج إطار التوافق الوطني، فإن الاتفاق الإطاري، بدوره، جاء هو الآخر نتيجة قرار انفرادي أخلّ بالتوازن نفسه. فالتفرد لا يصحح التفرد.

وفي هذا السياق، أقدمت الرئاستان الأولى والثالثة على إرساء سابقة في التفرد بتحديد موقع لبنان في محيطه وخياراته الاستراتيجية، في تجاهل واضح لحقيقة أن لبنان لم ينشأ عام 1943 على أساس توازن طائفي فحسب، بل على صيغة تضبط خياراته الاستراتيجية أيضًا. فقد قام الميثاق الوطني على امتناع المسلمين عن السعي إلى إلحاق لبنان بالعالم العربي، في مقابل امتناع المسيحيين عن اعتبار لبنان جزءًا من الغرب. ولم يكن ذلك مجرد تسوية سياسية عابرة، بل كانت الصيغة التي حفظت الكيان اللبناني من الانقسام حول سؤال الهوية والانتماء، ورسخت قناعة بأن استقرار لبنان لا يقوم إلا بامتناع أي فريق عن جرّه، منفردًا، إلى أحد المحاور الإقليمية.

 

التوازن الذي قام عليه لبنان

منذ ذلك الحين، يكاد تاريخ لبنان يؤكد حقيقة واحدة: كلما اختل التوازن الذي قام عليه الكيان اللبناني، دخلت البلاد في أزمة كبرى. وكلما حاول فريق داخلي أن يحسم منفردًا موقع لبنان في صراع المحاور، كانت النتيجة حربًا أو انفجارًا داخليًا، وغالبًا كليهما معًا. وهذا ما حصل في أزمة عام 1958، ثم في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، كما تكرر، وإن في ظروف مختلفة، عندما انفرد حزب الله بخوض حرب الإسناد الأولى عام 2023، ثم بحرب إسناد إيران في آذار/ مارس 2026. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك بين هذه المحطات جميعها كان الإخلال بنقطة التوازن التي قام عليها لبنان، حين انفرد فريق بقرار يتجاوز قدرة البلد على الاحتمال، ويقوّض الشراكة الوطنية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، لا تكمن خطورة الاتفاق الإطاري في مضمونه وحده، بل في كونه يأتي حلقة متقدمة في مسار جديد من الإخلال بذلك التوازن. فالقضية ليست مجرد اتفاق مع إسرائيل، وإنما تكريس سابقة يُعاد معها تحديد موقع لبنان وخياراته الاستراتيجية بقرار لا يحظى بإجماع وطني، في لحظة تاريخية تنفرد فيها إسرائيل بالسعي إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية والأمنية للمنطقة، والتعامل مع حدود الدول العربية وتركيبتها الداخلية بوصفها وقائع قابلة لإعادة الصياغة بالقوة.

 عمر الجماعات أطول من عمر الرئاسات

وتزداد خطورة هذا المسار عندما يتعلق الأمر باتفاقات لا تنتهي آثارها بانتهاء ولاية من أبرمها. فالرئاسات بطبيعتها مؤقتة، والحكومات عابرة، والمؤسسات قابلة للتعديل أو حتى لإعادة التشكيل، أما الجماعة الوطنية فهي الباقية. ومن هنا، فإن الاتفاقات التي تعيد رسم موقع الدولة أو خياراتها الاستراتيجية ينبغي أن تُبنى على توافق يوازي عمر الجماعة الوطنية، لا على أكثرية عابرة أو ولاية دستورية محدودة.

ومن هنا، لا يمكن التعامل مع هذا التفرد بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا التعويل على أن الأمور ستعود تلقائيًا إلى ما كانت عليه قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فذلك التاريخ لم يغيّر موازين القوى في المنطقة فحسب، بل غيّر أيضًا طبيعة الأسئلة التي يواجهها لبنان، وجعل أي قرار يتعلق بموقعه الإقليمي جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل كيانه، وصيغته، ودوره.

العودة إلى منطق الدولة

وإذا كان من الصعب اليوم التراجع عن كل ما ترتب على السنوات الأخيرة، فإن من الممكن، بل من الضروري، وقف مسار الانزلاق الذي بدأ يتكرس. وهذا لا يكون بالإنكار، ولا بالرهان على أن الوقائع ستتكفل بإعادة الأمور إلى نصابها، إنما بخطوات سياسية واضحة تعيد الاعتبار إلى الأسس التي قام عليها لبنان.

وفي مقدمة هذه الخطوات، إعادة النظر في الاتفاق الإطاري، مقابل التسليم الصريح والحاسم بمرجعية الدولة وحدها في قراري الحرب والسلم، وإقرار سياسة دفاعية وطنية تنظم وسائل الدفاع عن لبنان ضمن مؤسسات الدولة، والامتناع عن أي تفرد في اتخاذ القرارات التي تحدد موقع لبنان في صراعات الإقليم أو تعيد رسم علاقاته الخارجية بعيدًا عن التوافق الوطني.

فالكيانات لا تسقط عادةً بفعل الهزائم العسكرية وحدها، بل قد تتآكل تدريجيًا عندما تفقد القواعد التي قامت عليها. ولبنان لم يقم على غلبة فريق على آخر، ولا على انتصار خيار سياسي على سواه، إنما على توازن دقيق بين مكوناته، وعلى قناعة مشتركة بأن بقاء الدولة يسبق انتصار أي مشروع سياسي.

ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لهذا التوازن لم تعد ترفًا سياسيًا، ولا مجرد دعوة إلى التهدئة، بل أصبحت شرطًا لبقاء الكيان نفسه. فكل محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان أو خياراته الاستراتيجية بقرار أحادي، مهما كانت دوافعها أو مبرراتها، لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات التي خبرها اللبنانيون مرارًا، لأن المشكلة لم تكن يومًا في هوية الطرف الذي انفرد بالقرار، بل في مبدأ التفرد نفسه.

ولعل المفارقة أن اللبنانيين، بعد أكثر من ثمانية عقود على الاستقلال، لا يزالون يعودون في كل أزمة إلى السؤال الأول الذي ظنوا أنهم حسموه عام 1943: كيف يكون لبنان جزءًا من محيطه، من دون أن يفقد خصوصيته، وكيف يحافظ على خصوصيته، من دون أن يتحول إلى جزيرة معزولة عن محيطه؟ ولعل الجواب لا يزال هو نفسه: بالتمسك بالتوازن الذي أنشأ الكيان وصان بقاءه، لا بتجاوزه. وبالشراكة الوطنية، لا بالتفرد. وبالدولة، لا بتعدد مراكز القرار. 

فؤاد الديراني

أستاذ جامعي

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث