ليست الوثائق الأربع التي حكمت العلاقة بين لبنان وإسرائيل منذ عام 2006 سوى محطات متتالية في مسار واحد. فالقرار 1701، واتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، وورقة توم باراك، ثم الاتفاق الإطاري الأخير، لم تغيّر الهدف الأساسي الذي وضعه المجتمع الدولي منذ نهاية حرب تموز، بل أعادت صياغة وسائل تحقيقه كلما تعثّر التنفيذ. فالغاية بقيت واحدة: دولة لبنانية تمارس سيادتها كاملة، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها.
القرار 1701 نصّ على "بسط حكومة لبنان سلطتها على كامل أراضيها"، وعلى "عدم وجود أي أفراد مسلحين أو أصول أو أسلحة في المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني غير تلك التابعة للحكومة اللبنانية وقوة اليونيفيل". لكن السنوات التي تلت أثبتت أن المشكلة لم تكن في النصوص، بل في الانقسام الداخلي الذي حال دون تنفيذها. ومع كل محطة جديدة، انتقلت الاتفاقات من لغة المبادئ إلى لغة التنفيذ، ومن الثقة إلى آليات التحقق، ومن التعهدات العامة إلى الالتزامات القابلة للقياس.
غير أن قراءة هذه الوثائق من زاوية الصراع مع إسرائيل وحدها تبقى قراءة ناقصة. فالقضية الأعمق هي أنها تعكس، في جوهرها، مسار الدولة اللبنانية نفسها.
فمنذ عام 2006، لم يكن التحدي الحقيقي أمام لبنان خارجياً بقدر ما كان داخلياً. فاستمرار وجود بنية عسكرية مستقلة عن الدولة، واحتفاظ حزب الله بقرار السلم والحرب، وربط لبنان بالمشروع الإقليمي الإيراني، كلها عوامل حالت دون استكمال بناء الدولة بعد اتفاق الطائف. ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة أزمة حدود، بل أزمة سيادة. ولم يعد المجتمع الدولي ينظر إلى لبنان بوصفه دولة تحتاج إلى حماية فقط، بل دولة تحتاج إلى استعادة قدرتها على ممارسة سلطتها.
لهذا السبب، فإن ما تقوم به السلطة اللبنانية اليوم لا يمكن اختزاله بأنه استجابة لضغوط خارجية أو تنازل أمام المجتمع الدولي، بل هو في جوهره عملية تصحيح لمسار الدولة اللبنانية نفسها. إنها محاولة متأخرة لاستعادة ما كان يفترض أن يتحقق منذ سنوات: دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد، وعلاقات عربية ودولية طبيعية تحفظ مصالح لبنان، لا أن تجعل منه ساحة لتصفية صراعات الآخرين.
لقد أدى استمرار هيمنة حزب الله العسكرية والسياسية، وتعمُّق النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، إلى إضعاف الموقع التفاوضي للبنان في كل محطة. ومع كل جولة من التعطيل، أصبحت الاتفاقات أكثر تفصيلاً، وأكثر تشدداً، وأقل اعتماداً على النيات الحسنة. فالذي تغيّر خلال عشرين عاماً لم يكن الهدف الدولي، بل مستوى الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها بنفسها.
ولعل مقارنة المصطلحات تكشف هذا التحول بوضوح.
في القرار 1701 كانت الكلمات الأساسية: وقف الأعمال العدائية، بسط سلطة الدولة، احترام الخط الأزرق، دعم اليونيفيل.
وفي اتفاق 2024 أصبحت: آليات التنفيذ، لجنة المراقبة، الجداول الزمنية، التحقق، الالتزام.
وفي ورقة توم باراك برزت تعابير مثل: السيادة، إعادة الإعمار، الإصلاح، احتكار الدولة للسلاح، الاستثمار الدولي.
أما في الاتفاق الإطاري الأخير، فتقدمت مصطلحات مثل: التنفيذ المرحلي، المعايير القابلة للقياس، التنسيق الأمني، الضمانات الدولية، التسوية الدائمة.
إن تطور هذه اللغة ليس مجرد تبدل في الصياغة، بل هو انعكاس لتراجع قدرة الدولة اللبنانية على فرض وقائعها بنفسها. وكلما تأخر تنفيذ جوهر القرار 1701، ارتفعت الكلفة السياسية والدبلوماسية على لبنان، وازدادت الحاجة إلى ضمانات خارجية وإشراف دولي.
لكن المفارقة اليوم أن السلطة اللبنانية الحالية تبدو، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، كأنها قررت مواجهة أصل المشكلة لا نتائجها فقط. فهي لا تنطلق من منطق إدارة الأزمة، بل من منطق استعادة الدولة. وهي تدرك أن حماية السيادة لا تكون برفض كل مبادرة خارجية، بل ببناء دولة قادرة على أن تكون الشريك الوحيد في أي تفاوض، وصاحبة القرار الوحيد في الأمن والسياسة الخارجية.
وهذا ما يفسر أيضاً الانفتاح الذي حققته الدولة اللبنانية مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وعدد من الدول العربية والغربية. فهذه العلاقات ليست بديلاً عن السيادة، بل أصبحت جزءاً من أدوات حمايتها. إذ إن الدولة القوية لا تعيش في عزلة، بل تبني شبكة من العلاقات التي تعزز موقعها، وتمنحها القدرة على مقاومة الضغوط الخارجية، لا الخضوع لها.
صحيح أن المهمة أصبحت أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل عشرين عاماً. فكل فرصة ضائعة جعلت استعادة السيادة أكثر تعقيداً، وكل تأخير فرض على الدولة التزامات أكبر وهوامش حركة أضيق. إلا أن صعوبة المهمة لا تعني استحالتها. بل على العكس، فإن الإصرار الذي تبديه السلطة الحالية على إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني، وتعزيز علاقات لبنان العربية والدولية، يشكل ربما آخر فرصة حقيقية لإنقاذ لبنان من مزيد من التدهور، ومن ضغوط خارجية أشد وطأة في المستقبل. فالدول لا تستعيد سيادتها بالشعارات، بل بالقرارات الصعبة، وبالقدرة على تحويل اللحظة التاريخية إلى بداية جديدة، لا إلى فرصة أخرى تضيع.




