يواجه "اتفاق الإطار" اللبناني الإسرائيلي مأزقًا تنفيذيًّا حادًّا على أرض الواقع. فبينما يتمسّك لبنان الرسمي بحقوقه كاملة، تواصل إسرائيل خروقها الميدانيّة عبر عمليّات تفجير وغارات جويّة مكثّفة، فارضةً قراءتها الخاصّة للترتيبات الأمنيّة بعيدًا من مفهوم "الانسحاب الكامل". وتتلخّص ركائز هذا المأزق في لعبة "إعادة التموضع" الإسرائيلي والمنطقة العازلة. وعلى وقع إعلان إسرائيل إنهاء مهامّ "لواء غفعاتي" في جنوب لبنان بعد ثمانية أشهر من العمليّات، تشير تسريبات الصحف العبريّة، "هآرتس" و"يديعوت أحرونوت"، إلى أنّ هذه الخطوة لا تعني انسحابًا شاملًا، بل تندرج ضمن خطّة أوسع لإعادة تموضع وانسحابات جزئيّة من قرى محدّدة وخطوط تجريبيّة، مثل "الخطّ الأصفر"، بهدف تثبيت "منطقة عازلة" بدلًا من إنهاء الوجود العسكري.
في الوقت نفسه، تظهر عقدة الجدول الزمني والوساطة الأميركيّة. فلبنان لا يزال يترقّب بدء الانسحاب الإسرائيلي، ولو بحدّ أدنى وفي شكل أوّلي، من المناطق التجريبيّة تمهيدًا لتسليمها إلى الجيش اللبناني. وهو في انتظار عودة قائد مشاة البحريّة الأميركيّة في المنطقة الوسطى، اللواء جوزيف كليرفيلد، آتيًا من تل أبيب، للاتفاق على الخطوات التالية ومحاولة انتزاع "جدول زمني" محدّد للانسحاب، بناءً على المطلب اللبناني.
ويحمل الحراك الأميركي في تل أبيب مؤشّرات مقلقة. إذ برز تشكيك واسع من جانب الجيش الإسرائيلي، وفق "جيروزاليم بوست"، في قدرة المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة على الصمود في مواجهة "حزب الله"، بناءً على تجارب سابقة، ما يجعل إسرائيل تشترط صراحةً أن تتمّ عمليّات خفض التصعيد والانسحابات الجزئيّة وتأمين المناطق بمعزل تامّ عن أيّ نفوذ إيراني في لبنان.
وسط ذلك كلّه، تخوض الحكومة اللبنانيّة مواجهتها الصامتة في اتّجاهات مختلفة. وقد خرج رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بموقف حاسم، أكّد فيه أنّ صيغة اتفاق الإطار لا تتعارض مع الثوابت اللبنانيّة، بل تضمنها، جازمًا بأنّ "لبنان لن يفرّط بأيّ شبر من أرضه"، ومعتبرًا أنّ التفاوض هو الخيار الأسلم والأقلّ كلفة. وطالب عون الداخل اللبناني بالحكم على الدولة من خلال "التطبيق" الفعلي على الأرض.
في الاستنتاج، يتحرّك "اتفاق الإطار" في حقل ألغام حقيقي، إذ تحاول إسرائيل تحويل بند "الانسحاب" إلى مناورة "إعادة تموضع" جزئيّة ومقيّدة بشروط أمنيّة تعجيزيّة، مستغلّةً تشكيكها في قدرة الجيش اللبناني لفرض واقع عازل في الجنوب، وهو ما يضع الدولة اللبنانيّة أمام تحدّي فرض سيادتها بالكامل من دون التفريط بأيّ شبر من أراضيها. ولكن، في الانتظار، لا تتوقّف الاعتداءات الإسرائيليّة على أرض الجنوب، وتنشأ بوّابات الفصل، وكأنّ اتفاق الإطار لم يكن.
انسحاب معلّق واحتلال يعيد تعريف الاتفاق
المعضلة الأساسيّة التي تواجه بيروت لا تكمن في تفسير نصوص الاتفاق فحسب، بل في قدرة الدولة على منع إسرائيل من تحويل الوقائع الميدانيّة إلى مرجعيّة تتقدّم على النصّ السياسي. فحتى الآن، لم يُسجّل انسحاب إسرائيلي فعلي يمكن البناء عليه، فيما يستمرّ الحديث عن "مناطق تجريبيّة" يفترض أن تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة تمهيدًا لانتشار الجيش اللبناني.
غير أنّ مفهوم "المنطقة التجريبيّة" يحمل في ذاته قدرًا كبيرًا من الغموض. فهو يسمح لإسرائيل باختبار أداء الجيش اللبناني من جهة، ويمنحها من جهة ثانية هامشًا واسعًا لتعليق انسحابها بحجّة عدم اكتمال الشروط الأمنيّة. وبهذا المعنى، يصبح الانسحاب استحقاقًا مشروطًا بتقييم إسرائيلي مفتوح، لا التزامًا واضحًا بجدول زمني ملزم.
هذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًّا، بل يمسّ جوهر السيادة اللبنانيّة. فالمطلوب إسرائيليًّا، كما يظهر من المواقف المتداولة، ليس مجرّد انتشار الجيش، بل إثبات قدرته على منع أيّ نشاط لـ"حزب الله"، ونزع سلاحه، وضمان عدم عودة نفوذه إلى المناطق التي قد تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة. وهكذا تربط تل أبيب إنهاء احتلالها بتحقيق هدف داخلي لبناني بالغ التعقيد، بدل ربطه بالتزاماتها المباشرة.
الوساطة الأميركيّة بين الضمان والضغط
في قلب هذا المشهد، يتحرّك اللواء جوزيف كليرفيلد بين لبنان وإسرائيل، حاملًا تصوّرات أمنيّة يفترض أن تنظّم الانتشار والانسحاب. إلّا أنّ أهميّة مهمّته لا تكمن في التفاصيل العسكريّة وحدها، بل في تحديد طبيعة الدور الأميركي: هل تمارس واشنطن دور الضامن لتنفيذ الاتفاق، أم تتحوّل إلى ناقل للشروط الإسرائيليّة؟
لقاء كليرفيلد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير كشف حجم الفجوة بين المقاربتين اللبنانيّة والإسرائيليّة. فلبنان يطلب جدولًا زمنيًّا للانسحاب، فيما تطرح إسرائيل سلسلة شروط تبدأ بإخراج "حزب الله" من المناطق المحدّدة، ولا تنتهي عند عزل لبنان عن النفوذ الإيراني. وبذلك، تحاول تل أبيب نقل الاتفاق من مستوى معالجة الاحتلال إلى مستوى إعادة تشكيل التوازنات السياسيّة والأمنيّة داخل لبنان.
الأخطر أنّ التشكيك الإسرائيلي في الجيش اللبناني يُستخدم أداةً تفاوضيّة لتبرير إطالة أمد الاحتلال. فالحديث عن خشية الجيش من مواجهة "حزب الله"، أو عن عدم حزمه في التعامل مع الشكاوى الإسرائيليّة، لا يهدف إلى توصيف قدراته فقط، بل إلى نزع أهليّته لتسلّم المناطق، وإبقاء القرار النهائي في يد إسرائيل.
"غفعاتي" يغادر والمشروع الأمني يبقى
إعلان انتهاء مهمّة "لواء غفعاتي" بعد ثمانية أشهر من العمليّات لا يشكّل، في حدّ ذاته، دليلًا على بدء الانسحاب. فالجيش الإسرائيلي لم يربط الخطوة رسميًّا بإنهاء وجوده العسكري، كما لم يحدّد المناطق التي أخلاها أو الوحدات التي قد تحلّ مكان اللواء.
من هنا، يبدو إنهاء مهمّة "غفعاتي" أقرب إلى تدوير للقوّات وإعادة توزيع للأدوار منه إلى تحوّل استراتيجي. وما نشرته الصحف العبريّة يعزّز هذه القراءة، إذ تحدّثت "هآرتس" عن إعادة تموضع وانسحابات جزئيّة من قرى وخطوط محدّدة، فيما رأت "يديعوت أحرونوت" أنّ الهدف هو تثبيت منطقة عازلة، لا إنهاء الوجود العسكري.
الفارق بين الانسحاب وإعادة التموضع جوهري. فالانسحاب يعني عودة الأرض إلى سيادة الدولة اللبنانيّة، أمّا إعادة التموضع فتعني احتفاظ إسرائيل بقدرتها على التحكّم بالميدان، وتغيير مواقع قوّاتها وفق حاجاتها الأمنيّة، مع إبقاء القرى الحدوديّة تحت ضغط النار والمراقبة.
التصعيد الميداني ورقة تفاوض إسرائيليّة
تزامن الحديث عن الترتيبات السياسيّة مع تصعيد عسكري واسع شمل غارات وتفجيرات وتحليقًا مكثّفًا للطائرات المسيّرة. واستهدفت الاعتداءات محيط مستشفى غندور في النبطيّة الفوقا، وبلدات برعشيت وحداثا وكونين والطيري وكفرتبنيت وصديقين، إلى جانب مناطق أخرى في الجنوب.
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن المسار التفاوضي. فإسرائيل تسعى، عبر استمرار العمليّات، إلى تثبيت معادلة مفادها أنّ التفاوض لا يقيّد حريّتها العسكريّة. وهي بذلك تستخدم النار لتحسين شروطها، ولفرض مفهومها الخاصّ للأمن، القائم على حقّها في التدخّل المباشر كلّما اعتبرت أنّ هناك تهديدًا محتملًا.
كما أنّ عمليات تفجير المنازل والبنى المدنيّة تحمل وظيفة تتجاوز البعد العسكري، إذ تؤدّي إلى منع الأهالي من العودة، وتعطيل إعادة الإعمار، وخلق حزام سكاني هشّ أو شبه خالٍ. وهنا تتقاطع فكرة "المنطقة الأمنيّة" مع واقع اجتماعي وديموغرافي يراد فرضه بالقوّة، بحيث تتحوّل القرى الحدوديّة إلى مساحة مراقبة وفصل بدل أن تكون جزءًا طبيعيًّا من السيادة اللبنانيّة.
عون يخوض معركة شرعيّة التفاوض
في مواجهة الاعتراضات الداخليّة، يحاول الرئيس جوزاف عون تثبيت شرعيّة الخيار التفاوضي بوصفه قرارًا سياديًّا، لا تنازلًا سياسيًّا. فقوله إنّ "المفاوضات ليست خيانة، بل حرب دبلوماسيّة من دون إراقة دماء" يختصر محاولة نقل النقاش من ثنائيّة المقاومة والاستسلام إلى سؤال أكثر مباشرة: كيف تستعيد الدولة أرضها بأقلّ كلفة؟
غير أنّ نجاح خطاب عون يبقى مرتبطًا بالنتائج. فالتأكيد أنّ الاتفاق لا يشرّع الاحتلال يحتاج إلى ترجمة عمليّة، تبدأ بانسحاب واضح وتنتقل إلى انتشار فعلي للجيش. أمّا استمرار الاحتلال من دون مهلة زمنيّة، فسيمنح المعارضين حجّة قويّة للقول إنّ الاتفاق أتاح لإسرائيل غطاءً سياسيًّا للبقاء.
يدرك عون هذه المعضلة، لذلك دعا اللبنانيّين إلى الحكم على الدولة من خلال التطبيق. لكنّ التطبيق نفسه لا يخضع للإرادة اللبنانيّة وحدها، بل يتأثّر بالموقف الأميركي، والشروط الإسرائيليّة، واعتراض "حزب الله" وحلفائه، وحدود قدرة الجيش على إدارة مواجهة أمنيّة وسياسيّة شديدة الحساسيّة.
الجيش بين مهمّة السيادة وفخّ المواجهة الداخليّة
يُراد للجيش اللبناني أن يكون حجر الزاوية في الاتفاق، لكنّه يجد نفسه أمام مهمّة شبه مستحيلة: تسلّم أراضٍ لا تنسحب منها إسرائيل فعليًّا، وضبط منطقة تتعرّض يوميًّا للغارات، ومنع نشاط "حزب الله"، وتجنّب الانزلاق إلى صدام داخلي.
وهذا التناقض يفسّر حساسيّة اللقاء بين قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس مجلس النواب نبيه بري. فالمؤسّسة العسكريّة تحتاج إلى غطاء وطني جامع، لأنّ أيّ محاولة لتحويلها إلى طرف في مواجهة داخليّة ستضرب تماسكها ووظيفتها السياديّة.
كما أنّ الدعم الأميركي المالي والعسكري، على أهميّته، لا يعالج وحده المشكلة السياسيّة. فالجيش لا يحتاج فقط إلى السلاح والتدريب، بل إلى توافق داخلي على مهمّته، وإلى انسحاب إسرائيلي واضح يزيل عنه شبهة العمل تحت النار أو تنفيذ شروط الاحتلال.
اعتراضات الداخل وصراع المرجعيّات
رفض "حركة أمل" وشخصيّات دينيّة وسياسيّة للاتفاق يكشف أنّ المواجهة لم تعد محصورة بين لبنان وإسرائيل، بل انتقلت إلى الداخل اللبناني. فالمعارضون يرون أنّ "المناطق التجريبيّة" والملحقات الأمنيّة قد تحوّل الجيش إلى أداة لتنفيذ مطالب إسرائيليّة، فيما تعتبر الرئاسة أنّ الدولة تستعيد قرارها بعد سنوات من الارتهان للمحاور.
هذا الانقسام يتجاوز بنود الاتفاق إلى صراع على مرجعيّة القرار الوطني. فهل تكون الدولة وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم والتفاوض، أم يبقى السلاح خارج المؤسّسات شريكًا مقرّرًا في رسم السياسة الأمنيّة؟ وهل يشكّل فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني استعادةً للسيادة، أم عزلًا للبنان عن أوراق القوّة الإقليميّة التي يستند إليها "حزب الله"؟
إسرائيل تستفيد من هذا الانقسام، لأنّ غياب الإجماع اللبناني يسهّل عليها التشكيك في قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، ويمنحها ذريعة لإبقاء قوّاتها في ما تسمّيه "المنطقة الأمنيّة".
اتفاق أمام امتحان النتائج
ليس التحدّي الحقيقي في توقيع الاتفاق، بل في منع إسرائيل من إعادة تعريفه. فإذا تحوّل الانسحاب إلى عمليّة جزئيّة بلا جدول زمني، وبقيت الغارات والتفجيرات مستمرّة، فإنّ "اتفاق الإطار" سيصبح غطاءً لإدارة الاحتلال، لا وسيلةً لإنهائه.
أمّا إذا نجحت الدولة في انتزاع موعد واضح للانسحاب، وانتشر الجيش في المناطق المستعادة بغطاء وطني ودولي، فقد يشكّل الاتفاق مدخلًا إلى استعادة السيادة وتحييد الجنوب عن دورات الحرب.
حتى الآن، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قدرة على فرض إيقاعه. فهي تعيد تموضع قوّاتها، وتواصل عملياتها، وتربط انسحابها بشروط سياسيّة وأمنيّة متحرّكة. في المقابل، يراهن لبنان على الوساطة الأميركيّة وعلى قدرة مؤسّساته على تحويل النصّ إلى واقع.




