لولا تأكيد رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة، لما كان اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل قد تجاوز وقعه الإعلامي، وقد تبين أنه مجرد "قنبلة صوتية" أُلقيت على الساحة اللبنانية من دون خطوات تنفيذية. كما أن المزايدة بعدم ربط مسار التسوية بإسلام آباد ستجعل لبنان الرسمي مهمشًا مجددًا، بدليل أن ما يجري في قطر لبلورة الاتفاق الأميركي - الإيراني الذي أعاد إحياء العمل في حيثيات إسلام آباد، في مقابل تراجع زخم اتفاق الإطار نتيجة الممارسات الإسرائيلية والتنصل من الالتزامات، فضلاً عن اعتبار الصحافة الإسرائيلية أن إسرائيل استفادت من الاتفاق أكثر من لبنان.
أكسيوس: مساران أميركيان مختلفان
وبالتوازي، يقع لبنان تحت تأثير شدّ حبال داخل الإدارة الأميركية بين وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس. وذكر موقع "أكسيوس" أن الرئيس دونالد ترامب، في سعيه إلى التوصل لاتفاق سلام مع إيران، يجد نفسه بين مستشار يميل إلى خيار التسوية، هو نائبه جي دي فانس، ووزير خارجية ذي توجهات أكثر تشددًا، هو ماركو روبيو.
ونقل "أكسيوس" عن أحد كبار مستشاري ترامب قوله: "يمكن اعتبار ماركو وجي دي وجهين من جوانب شخصية الرئيس وسياسته. هناك جانب أكثر ميلاً إلى إسرائيل، وهو روبيو، وهناك جانب أكثر تشككًا في إسرائيل، وهو جي دي".
وظهر الاختلاف بين فانس وروبيو خلال مداولات الإدارة الداخلية بشأن مذكرة التفاهم التاريخية الموقعة في 17 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران. ويوضح التقرير أنه، في مسار روبيو، عملت الأطراف على منع إيران من التدخل في لبنان، بينما منح مسار فانس الإيرانيين دورًا في ترتيبات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. وبلغ الالتباس حدّ أن المفاوضين الإسرائيليين واللبنانيين طلبوا الأسبوع الماضي من الوسطاء الأميركيين توضيح أيٍّ من المسارين يمثل السياسة الرسمية للإدارة الأميركية.
وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى مشارك في المحادثات إن فانس وترامب وافقا في نهاية المطاف على اتفاق روبيو.
وتنص مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو، والمؤلفة من 14 بندًا، على أن إسرائيل ستنسحب من لبنان في إطار اتفاق نهائي بين البلدين. إلا أن الاتفاق الذي أُبرم يوم الجمعة يسمح بانسحاب إسرائيلي تدريجي، ويشترط نزع سلاح حزب الله.
وفي معرض حديثه عن مفاوضات ثلاثية معقدة تضم إسرائيل وإيران ولبنان، يشير "أكسيوس" إلى أن طبيعة المفاوضات الحالية معقدة لأنها تشمل ثلاثة أطراف وثلاثة اتفاقات:
مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو بين إيران والولايات المتحدة.
الاتفاق الذي أبرمه فانس مع إيران في سويسرا في 21 يونيو بشأن لبنان.
إطار السلام الذي أشرف عليه روبيو ووقعته إسرائيل ولبنان يوم الجمعة.
سلام: لسنا أمام اتفاق إطار!
أما محليًا، فيجد لبنان نفسه أمام جملة من التفسيرات لاتفاق الإطار، وهو ما قد يشكل بداية خروج من الورطة بعد تخلف إسرائيل عن الإيفاء بالتزاماتها. وقال رئيس الجمهورية جوزاف عون إن صيغة الإطار المنبثقة عن المفاوضات التي جرت في واشنطن تحقق منطق الدولة، كما تحفظ حقوق لبنان على المستويين القضائي والميداني، داعيًا إلى منح المسار فرصة بدل إسقاطه مسبقًا، وأضاف: "إذا طُبّق يكون قد حقق الهدف، وإذا لم يُطبّق فإنه يسقط من تلقاء نفسه، أو تسقطه إسرائيل، لا أن نسقطه نحن".
من جهته، بدا رئيس الحكومة نواف سلام أكثر وضوحًا، إذ قال إن مصطلح "اتفاق الإطار" يحمل في طياته التباسًا كبيرًا، مشددًا على أن لبنان ليس بصدد اتفاقية بهذا المسمى، بل "إطار توجيهي ثلاثي".
وأضاف سلام: "لسنا هواة مفاوضات، لكننا وصلنا إلى هذه المرحلة بعد حربين طاحنتين". وأشار إلى أن الحرب الأولى تسببت بأضرار مباشرة تجاوزت 7 مليارات دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 13 مليار دولار، فيما أوقعت الحرب الثانية أكثر من خمسة آلاف قتيل، واصفًا إياها بأنها "حرب ثأرية مرتبطة بالخامنئي".
وفي ما يتعلق بـ"حزب الله"، أكد سلام أنه لا يسعى إلى مواجهة مع الحزب، مشددًا على أن "لا أنا ولا أحد في الحكومة نخضع لابتزازه، وأنا لا أطالب حزب الله سوى بالوفاء بتعهداته المنصوص عليها في اتفاق الطائف، والقرار 1701، وإعلان وقف الأعمال العدائية، والبيان الوزاري".
الميدان يناقض المسار السياسي
في الأثناء، بدت إسرائيل في موقع منفصل عن سياق الترحيب اللبناني بالاتفاق، إذ واصلت عدوانها وانتهاكاتها في الجنوب، وأنشأت قوات الاحتلال بوابات عبور بين ما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء" والمنطقة الحدودية ومنطقة جنوب الليطاني. كما عمدت قوات الاحتلال إلى جرف الطرق الممتدة من منطقة حامول إلى بلدة الناقورة وصولًا إلى بلدة عيتا الشعب، وقطعت أشجارًا معمرة على جانبي الطريق، ونفذت عمليات تفجير لعدد من المنازل في منطقة بيت ياحون - حداثا، إلى جانب تفجير منازل أخرى في بلدة الطيري بقضاء بنت جبيل.
نتنياهو: البقاء في المنطقة العازلة
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل ستبقى في ما وصفه بـ"المنطقة العازلة" جنوب لبنان "ما دام ذلك ضروريًا"، مدعيًا في الوقت نفسه أن بلاده تبذل جهودًا للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان. وجاء ذلك في كلمة ألقاها نتنياهو خلال مراسم تأبين عسكريين إسرائيليين قُتلوا في لبنان، بحسب ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت".
ونقلت الصحيفة عن نتنياهو قوله: "سنبقى في المنطقة العازلة جنوب لبنان ما دام ذلك ضروريًا". وأضاف: "لأول مرة منذ سنوات، أجرى ممثلون إسرائيليون مفاوضات مع لبنان، وسنبذل قصارى جهدنا للتوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين".
من جهته، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال المراسم نفسها: "لن ينسحب الجيش الإسرائيلي، وسيبقى في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة إلى أجل غير مسمى لحماية سكاننا ومجتمعاتنا". وأضاف: "لقد أثبتت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حقيقة واضحة، وهي أنه لا ينبغي انتظار وصول التهديد إلى أبوابنا. لقد ضربنا إيران مرتين بضربات استباقية، وإذا لزم الأمر سنضربها للمرة الثالثة أيضًا".




