بين رفض التفاوض وغياب البديل

مصطفى علّوشالخميس 2026/07/02
Image-1762766877
السياسة لا تُقاس بصواب النوايا بل بحصيلة النتائج (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"ذُو العَقلِ يَشقى في النَّعيمِ بِعَقلِهِ
وَأَخو الجَهالَةِ في الشَّقاوَةِ يَنعَمُ" (المتنبي)

 

كلما طُرح مشروع تفاوضي بين لبنان وإسرائيل، ينقسم اللبنانيون بين من يراه تنازلًا غير مقبول ومن يعتبره فرصة لوقف الحروب المتكررة. وقد أعادت ورقة "إعلان المبادئ" المطروحة في إطار التفاوض الذي ترعاه الولايات المتحدة إحياء هذا الانقسام، بعد أن رأى معارضوها أنها تمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية لا يقابلها ما يكفي من المكاسب للبنان. هذا الاعتراض، مهما بلغت وجاهته، يطرح سؤالًا لا يقل أهمية عن الاعتراض نفسه، وهو: ما هو البديل؟ فرفض أي ورقة تفاوضية لا يشكل بحد ذاته سياسة، كما أن الاعتراض على أي تسوية لا يعفي أصحابه من تقديم تصور عملي لكيفية تحقيق الأهداف الوطنية. وإذا كانت الورقة المطروحة منحازة لإسرائيل، فمن حق اللبنانيين المطالبة بتعديلها أو رفضها، لكن من واجب القوى السياسية أيضًا أن تعرض رؤية واضحة لكيفية تثبيت وقف إطلاق النار، واستعادة الحقوق اللبنانية، وحماية الحدود، ومنع تكرار الحروب، ضمن خطة قابلة للتنفيذ لا تقتصر على الشعارات.

 

لقد أثبتت التجربة أن السياسة لا تُقاس بصواب النوايا، بل بحصيلة النتائج. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع إعادة تقييم الخيار العسكري الذي حكم جزءًا كبيرًا من المشهد اللبناني خلال العقود الماضية. فالمواجهات المتكررة مع إسرائيل، وبصورة خاصة تلك التي خاضها حزب الله، لم تؤدِّ إلى تسوية سياسية نهائية، ولم تنهِ النزاع، ولم تحقق استقرارًا دائمًا على الحدود. وفي المقابل، تكبّد لبنان أثمانًا بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة تمثلت في سقوط آلاف الضحايا، ودمار واسع في القرى والبنى التحتية، ونزوح السكان، وتراجع الاستثمارات، وتعطيل مشاريع إعادة الإعمار، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، فضلًا عن استمرار ملفات حدودية وأمنية عالقة.

 

ولا ينفي ذلك أن أنصار حزب الله يرون في بعض المواجهات إنجازات ردعية أو نجاحًا في منع إسرائيل من فرض إرادتها بالكامل. غير أن تقييم الخيارات الاستراتيجية لا يقوم فقط على القدرة على الصمود أو إلحاق الخسائر بالخصم، بل على الكلفة الإجمالية التي يتحملها المجتمع مقارنة بالمكاسب السياسية والعسكرية المحققة. وإذا كانت كل جولة جديدة تنتهي بمزيد من الخسائر للبنان، فيما يبقى ميزان القوى الاستراتيجي مختلًا، فإن مراجعة هذا النهج تصبح ضرورة وطنية وليست مجرد خيار سياسي. ويزداد هذا السؤال إلحاحًا عندما يُلاحظ أن الحزب لا ينظر إلى الصراع مع إسرائيل باعتباره ملفًا لبنانيًا مستقلًا، بل يربطه بصورة وثيقة بالاستراتيجية الإقليمية التي تقودها إيران. ومن هنا يبرز نقاش مشروع داخل لبنان حول طبيعة القرار الوطني: هل ينبغي أن تحدد أولويات الحرب والسلم وفق مصالح الدولة اللبنانية وحدها، أم أن تبقى جزءًا من صراعات إقليمية أوسع تتجاوز حدود لبنان وتفرض عليه أثمانًا قد لا تتوافق مع مصالحه المباشرة؟

 

إن أي دولة لا تستطيع بناء مستقبلها إذا بقي قرارها الاستراتيجي موزعًا بين مؤسساتها الرسمية وقوى أخرى تمتلك حسابات تتجاوز الإطار الوطني. فالدول الحديثة تقوم على وحدة القرار السياسي والعسكري، وعلى خضوع الجميع لمرجعية واحدة تتحمل المسؤولية أمام المواطنين وأمام الدستور. ومن هنا، فإن الخيار الأكثر أمانًا للبنان لا يكمن في الارتهان لمغامرات مفتوحة ولا في القبول غير المشروط بأي ورقة تفاوضية، بل في استعادة الدولة لدورها الكامل في إدارة ملفات الحرب والسلم والتفاوض والسياسة الخارجية. فالوقوف خلف الدولة لا يعني اعتبارها معصومة عن الخطأ، ولا التغاضي عن ضعف مؤسساتها أو قصورها، بل يعني الإيمان بأن إصلاح الدولة لا يكون بإضعافها أكثر أو بتعدد مراكز القرار، وإنما بتعزيز شرعيتها وقدرتها على احتكار القرار السيادي.

 

لقد جرّب اللبنانيون طوال عقود تعدد مراكز القرار، وكانت النتيجة سلسلة من الحروب والأزمات والفرص الضائعة. كما جرّبوا ربط مستقبلهم بمحاور إقليمية متنافسة، فوجدوا أنفسهم يدفعون أثمان صراعات تتجاوز حدودهم. لذلك، فإن المصلحة الوطنية تقتضي اليوم أن تصبح قرارات التفاوض والدفاع والسياسة الخارجية قرارات تصدر عن مؤسسات الدولة وحدها، وأن تخضع للنقاش الديمقراطي والمحاسبة الدستورية، لا لاعتبارات حزبية أو إقليمية. إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول ثنائية "التفاوض أو المقاومة"، بل حول كيفية حماية لبنان وتحقيق مصالحه بأقل الأكلاف وأكثر المكاسب. فالحكمة السياسية ليست في رفض كل تسوية، كما أنها ليست في قبول أي تسوية، وإنما في بناء استراتيجية وطنية مستقلة تجعل الدولة المرجعية الوحيدة، وتوازن بين حماية السيادة وتجنب الحروب العبثية، وبين الدفاع عن الحقوق وعدم تحويل لبنان إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين. فالدول تُبنى عندما يصبح قرارها واحدًا، أما عندما تتعدد القرارات وتتضارب الولاءات، فإن الطريق يقود غالبًا إلى المجهول، بينما يبقى المواطن اللبناني هو من يدفع الثمن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث