كانت التحضيرات لجولة وزير الخارجيّة السوريّ، أسعد الشيباني، في بيروت تجري بإتقان وحرصٍ كبيرين على إنجاحها. فالزيارة، بدلالاتها ومعانيها، ليست مجرّد زيارةٍ دبلوماسيّة ثانية، ولا مناسبةً إضافيّة لتبادل العبارات الودّيّة بين مسؤولين يعرفون أنّ الجغرافيا تجمعهم، فيما يصرّ التاريخ على تفريقهم.
لقد بدت الجولة، منذ محطّتها الأولى في قصر بعبدا، وصولًا إلى لقاءاتها السياسيّة والدينيّة والحزبيّة، محاولةً سوريّة منظّمة لإقناع لبنان بأنّ دمشق الجديدة لا تريد استعادة مفاتيح البيت اللبنانيّ، بل الاكتفاء بفتح بابٍ رسميّ يؤدّي إلى الدولة.
وهذه، في حدّ ذاتها، مفارقةٌ لبنانيّة سوريّة مكتملة العناصر. فالقول إنّ العلاقة ينبغي أن تكون بين "دولةٍ ودولة" يبدو بديهيًّا في العلاقات الدوليّة، لكنّه يتحوّل بين بيروت ودمشق إلى مشروعٍ سياسيّ يحتاج إلى لجانٍ واتفاقيّات وضمانات. ذلك أنّ البداهة هنا كانت، طوال عقود، أوّلى ضحايا السياسة.
وبذلك، جاء الشيباني حاملًا مبادرةً من الرئيس السوريّ أحمد الشرع، عنوانها عدم التدخّل في الشؤون اللبنانيّة، واحترام سيادة لبنان، والتعاون في مجالات الاقتصاد والأمن وضبط الحدود. لكنّ أهميّة الرسالة لم تكن في مضمونها وحده، بل في كون دمشق وجدت نفسها مضطرّةً إلى إعلان ما يُفترض ألّا يحتاج إلى إعلان، وهو أنّ الجيش السوريّ لن يدخل لبنان، وأنّ سوريا لن تقف مع طرفٍ لبنانيّ ضدّ آخر.
إنّها اللغة التي يفرضها تاريخٌ لم يُغلق ملفّه لمجرّد سقوط نظامٍ أو صعود سلطةٍ جديدة. فالأنظمة تتغيّر بسرعة، أمّا ذاكرة الشعوب فتتقدّم ببطءٍ شديد، وأحيانًا تمشي إلى الخلف.
واكبت "المدن" جولة الشيباني، ولا سيّما لقاءاته مع الرؤساء الثلاثة.
بعبدا: ضمانات السيادة
في قصر بعبدا، بدأ الجزء الأكثر حساسيّةً من الزيارة. فالرئيس جوزاف عون لم يتعامل مع العلاقة السوريّة بوصفها حنينًا إلى أخوّةٍ مفترضة، بل بوصفها ملفًّا سياديًّا ينبغي ضبط مفرداته منذ البداية. وتحدّث عن علاقاتٍ تقوم على التعاون والتنسيق وعدم التدخّل، وعن ضرورة احترام خصوصيّة البلدين، وعن أجواء التوتّر والحذر التي خلّفتها التدخّلات المتبادلة.
ولم تكن عبارة "التدخّلات المتبادلة" تفصيلًا لغويًّا. فهي تتيح للبنان أن يسمّي الماضي من دون أن يحوّل اللقاء إلى محاكمة، وتتيح لسوريا الجديدة أن تتبرّأ من إرث النظام السابق من دون أن تُلزم نفسها باعترافٍ سياسيّ أو قانونيّ شامل.
من جهته، حرص الشيباني على نفي ما أُثير عن احتمال تدخّلٍ عسكريّ سوريّ في لبنان. وهذا النفي يكشف مقدار التشنّج الذي سبق الزيارة أكثر ممّا يبدّده. فالعلاقات الطبيعيّة بين دولتين لا تحتاج، عشيّة كلّ أزمة، إلى نفي احتمال دخول جيش إحداهما أراضي الأخرى. أمّا بين لبنان وسوريا، فإنّ الشائعة العسكريّة لا تُستقبل بوصفها خيالًا خالصًا، لأنّ الذاكرة اللبنانيّة سبق أن رأت الخيال يتحوّل إلى دبّابات.
لهذا السبب، كان إعلان دمشق أنّها تقف إلى جانب الدولة اللبنانيّة في قراراتها وخياراتها أبرز من سائر عبارات النديّة والودّ.
وقد حملت دعوة الرئيس عون إلى زيارة دمشق معنًى يتعدّى الإطار الدبلوماسيّ، نحو تمتين العلاقات بعد التشنّج الحاصل. فهي محاولةٌ لنقل العلاقة من إدارة الملفّات الطارئة إلى بناء قمّةٍ سياسيّة بين رئيسين، ومن التواصل الأمنيّ المتقطّع إلى الاعتراف المتبادل بشرعيّة المؤسّسات.
عين التينة: برّي وحزب الله وحدود الانفتاح السوريّ
في عين التينة، دخلت الزيارة منطقةً سياسيّة أكثر تعقيدًا. فنبيه برّي هو أحد أكثر السياسيّين اللبنانيّين التصاقًا بتاريخ العلاقة مع دمشق، وأحد أبرز القادرين على قراءة تحوّلاتها من داخل البيئة المتحالفة طويلًا مع النظام السوريّ السابق.
وصف الشيباني اللقاء بأنّه "ممتاز جدًّا"، وأكّد أنّ وجوده في لبنان رسالة محبّةٍ وتعاونٍ مع جميع المكوّنات والمؤسّسات. غير أنّ السؤال الذي طغى على ما عداه تعلّق بإمكان لقاء حزب الله.
أجاب الوزير السوريّ بأنّ جدول الزيارة لا يتضمّن لقاءً مع الحزب، لكنّه ترك الباب مفتوحًا مستقبلًا متى اقتضت مصلحة البلدين ذلك. وهذه إجابةٌ محسوبة بعناية؛ فهي لا تمنح حزب الله شرعيّة اللقاء الفوريّ، ولا تعلن قطيعةً معه، ولا تسمح، في الوقت نفسه، بأن تتحوّل دمشق الجديدة إلى طرفٍ في الاستقطاب اللبنانيّ.
بهذا المعنى، تحاول سوريا أن تنقل علاقتها بحزب الله من خانة التحالف العضويّ، الذي كان قائمًا في زمن النظام السابق، إلى خانة العلاقة المشروطة بحسابات الدولة. لكنّ الانتقال بين الخانتين لن يكون سهلًا. فالحزب لم يكن مجرّد حليفٍ لبنانيّ لدمشق، بل كان جزءًا من بنيةٍ إقليميّة عسكريّة وأمنيّة امتدّت من طهران إلى بيروت مرورًا بسوريا.
وتعرف دمشق الجديدة أنّ القطيعة الاستعراضيّة مع الحزب قد تخلق لها خصومةً إضافيّة على حدودها وفي داخل لبنان، فيما يعرف الحزب أنّ سوريا لم تعد الممرّ السياسيّ والجغرافيّ ذاته الذي عرفه سابقًا. لذلك، اختار الطرف السوريّ عبارة "مصلحة البلدين"، وهي عبارةٌ تتيح فتح الباب وإغلاقه في آنٍ واحد.
إنّه الغموض الدبلوماسيّ حين يكون أكثر وضوحًا من التصريح المباشر.
السراي الحكوميّ: حين تحاول المصالح معالجة الذاكرة
في السراي الكبير، انتقلت الجولة من الكلام السياسيّ العام إلى محاولة بناء إطارٍ تنفيذيّ. فقد وقّع رئيس الحكومة نواف سلام والشيباني اتّفاقيّة إنشاء اللجنة العليا اللبنانيّة السوريّة المشتركة، لتكون منصّةً للتعاون بين الوزارات والمؤسّسات في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتجارة والأمن والطاقة والنقل.
وهنا ظهرت المقاربة الأكثر واقعيّةً في الزيارة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى بالنوايا الطيّبة وحدها، بل بالمصالح التي تجعل العودة إلى التوتّر مكلفةً للطرفين. فالربط الكهربائيّ، وعبور الطاقة، وتبادل البضائع، وتنظيم النقل، وتسهيل انتقال الأشخاص، ليست ملفّاتٍ تقنيّة منفصلةً عن السياسة، بل هي السياسة نفسها حين تنزل من المنابر إلى المعابر.
يريد نواف سلام، على ما يبدو، أن يحوّل العلاقة السوريّة من إرثٍ أمنيّ ثقيل إلى ملفٍّ حكوميّ تديره الوزارات والقوانين. ويريد الشيباني أن يقدّم سوريا الجديدة بوصفها شريكًا اقتصاديًّا محتملًا، لا سلطة وصاية تبحث عن وكلاء لبنانيّين.
إنّ إنشاء اللجنة يشكّل خطوةً مهمّةً في هذا الاتّجاه، خصوصًا مع التأكيد على ضرورة متابعة العمل وتحقيق نتائج ملموسة تعكس جدّيّة الطرفين. وقد أظهر سلام حرصًا على أن تكون هذه المبادرة بدايةً لمسارٍ مستمرّ، لا مجرّد إعلانٍ شكليّ.
ومن الطبيعيّ أن تتناول اللجنة، في مراحلها المقبلة، ملفّاتٍ متعدّدة تتطلّب تنسيقًا دقيقًا، من بينها قضايا السجناء والموقوفين، وملفّ المفقودين، إضافةً إلى تنظيم الحدود وتعزيز التعاون الأمنيّ.
من هنا، يمكن للجنة أن تكتسب دورًا محوريًّا إذا ما نجحت في ترسيخ مقاربةٍ تقوم على احترام السيادة، وتعزيز التعاون المؤسّساتيّ، وتحقيق توازنٍ في المصالح، بما يفتح المجال أمام علاقةٍ أكثر استقرارًا ووضوحًا بين البلدين.
"أرز لبنان" و"ورد الشام"
حملت هديّة نواف سلام إلى الشيباني، المؤلّفة من "أرز لبنان" و"ورد الشام"، دلالةً رمزيّة تعبّر عن رغبةٍ مشتركة في ترسيخ علاقةٍ متوازنة بين البلدين. فالأرز يرمز إلى الثبات، والورد إلى الجمال والتجدّد، في إشارةٍ إلى إمكان الجمع بين الاستقرار والانفتاح في مقاربة العلاقات الثنائيّة.
ولا يمكن التقليل من أهميّة هذه الرمزيّة في سياقٍ إقليميّ يسعى إلى تخفيف حدّة التوتّرات وتعزيز لغة الحوار. فالإشارات الإيجابيّة، مهما بدت بسيطة، تساهم في تهيئة المناخ السياسيّ لخطواتٍ أكثر عمقًا، وتفتح المجال أمام بناء الثقة التدريجيّة بين الدول.
وقد أشار الشيباني إلى رغبة البلدين في تجاوز "الإرث السيّئ"، وهي مقاربةٌ تعكس توجّهًا نحو إعادة صياغة العلاقة على أسسٍ جديدة. غير أنّ هذا المسار يتطلّب مقاربةً واقعيّة تأخذ في الاعتبار تعقيدات المرحلة السابقة، مع التركيز على بناء شراكةٍ قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إنّ التعامل مع الماضي ينبغي أن يكون جزءًا من رؤيةٍ مستقبليّة تهدف إلى تعزيز الاستقرار والتعاون، بعيدًا عن منطق الاتّهام أو التبرئة. فالعلاقات بين الدول تتطوّر عبر التفاهمات السياسيّة والمؤسّساتيّة، بما يتيح تجاوز التحدّيات السابقة والانطلاق نحو مرحلةٍ أكثر توازنًا واستقرارًا.
دار الفتوى: العروبة من خارج المحاور
في دار الفتوى، اتّخذت الزيارة بُعدًا عربيًّا ودينيًّا واجتماعيًّا. ونقل الشيباني تحيّات الرئيس أحمد الشرع، فيما أشاد المفتي عبد اللطيف دريان بحرص القيادة السوريّة على سيادة لبنان ووحدته وعروبته، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في هذه المحطّة، حضرت مفردة "العروبة" بوصفها نقيضًا للمحاور، لا عنوانًا لهيمنة دولةٍ عربيّة على أخرى. وهذه صياغةٌ تستحقّ التوقّف عندها. فالعروبة التي عرفها لبنان وسوريا في مراحل كثيرة تحوّلت من فضاءٍ ثقافيّ وسياسيّ مشترك إلى أداةٍ تستخدمها الأنظمة لتبرير النفوذ. أمّا العروبة التي تحدّث عنها دريان فتقوم، نظريًّا، على تضامن الدول المستقلّة، وعلى الابتعاد عن النزاعات التي تحوّل البلدان الصغيرة إلى ساحات.
تحتاج دمشق إلى هذا الغطاء العربيّ في سعيها إلى تثبيت شرعيّتها الجديدة، ويحتاج لبنان إلى سوريا مستقرّة لا تصدّر إليه فوضاها، مثلما يحتاج إلى ألّا تستعيد دمشق استقرارها على حساب سيادته. إنّ المصلحة مشتركة، لكنّها ليست متطابقة، والفرق بين الأمرين هو ما ينبغي للدبلوماسيّة أن تديره.
كليمنصو: جنبلاط وواقعيّة الجغرافيا
عند وليد جنبلاط، حضرت الجغرافيا بكامل ثقلها. فالرجل الذي تنقّل في علاقته بدمشق بين التحالف والخصومة والمواجهة والمصالحة، يعرف أكثر من سواه أنّ السياسة اللبنانيّة لا تستطيع تجاهل سوريا، كما لا تستطيع الاطمئنان إليها بسهولة.
وقوله إنّ العلاقة الجيّدة والمتوازنة مع سوريا "قدرٌ تاريخيّ" يلخّص مأزق لبنان. فالقدر الجغرافيّ لا يعني الاستسلام السياسيّ، كما أنّ السيادة لا تعني إدارة الظهر للحدود والاقتصاد والمجتمع المتداخل.
وقد حملت مقارنة جنبلاط بين علاقةٍ متوازنة مع سوريا واتّفاقٍ قد يكون أسوأ من "اتّفاق 17 أيّار" إشارةً واضحةً إلى قلقه من أيّ مسارٍ لبنانيّ إسرائيليّ منفصل، أو من ترتيباتٍ أمنيّة تُفرض على لبنان تحت ضغط الحرب. وبذلك، لم تكن محطّة كليمنصو متعلّقةً بالعلاقة مع دمشق وحدها، بل بموقع لبنان في إعادة رسم توازنات المنطقة.
تحاول سوريا الجديدة تقديم نفسها شريكًا في مواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة، وداعمًا لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة والسوريّة المحتلّة. غير أنّها، في الوقت نفسه، تؤكّد تفضيل الحوار على المواجهات العسكريّة. وهذا الموقف يعكس حاجة دمشق إلى الاستقرار وإعادة البناء أكثر ممّا يعكس ولادة عقيدةٍ إقليميّة مكتملة.
الصيفي: اختبار الذاكرة السياديّة
في بيت الكتائب، واجه الشيباني ذاكرةً سياسيّة مختلفة. فسامي الجميّل ينتمي إلى حزبٍ ارتبط جزءٌ أساسيّ من تاريخه الحديث بمواجهة الوجود العسكريّ والسياسيّ السوريّ في لبنان. لذلك، لم يكن الحديث عن فتح صفحةٍ جديدة مجرّد مجاملة، بل امتحان لقدرة دمشق على مخاطبة القوى التي كانت ترى في النظام السوريّ السابق خصمًا وجوديًّا.
وصف الشيباني اللقاء بأنّه "شفّاف وأخويّ"، وقال إنّ سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان بوصفه شريكًا، وإنّ المشكلات تُناقش بصورةٍ مشتركة. أمّا الجميّل فتحدّث عن الاستقلال السياسيّ، والتبادل الاقتصاديّ، والتعاون بما يخدم البلدين.
هذه هي المعادلة النظريّة الصحيحة: استقلالٌ سياسيّ وتكاملٌ اقتصاديّ. لكنّ تاريخ العلاقة كان يقوم غالبًا على العكس، أي تبعيّةٍ سياسيّة يرافقها اقتصادٌ غير منظّم، تتفوّق فيه شبكات التهريب والمحسوبيّات على مؤسّسات الدولتين.
لذلك، فإنّ زيارة الشيباني إلى الصيفي لا تُقاس بحرارة الاستقبال، بل ببناء الثقة مع سائر أطياف اللبنانيين. تلك الثقة التي تحتاج إلى أفعالٍ أكثر من حاجتها إلى شعارات فضفاضة.
حصيلة الزيارة يمكن اختصارها بأنّها أفضل البدايات الجديدة الممكنة بين لبنان والدولة العربية اللصيقة به، بعيداً عن ركام الماضي ومآسيه، وبلغة جديدة تتقدم فيها المصالح لا الشعارات، الاحترام لا الريبة.
وقد دلّ حرص الوفد السوريّ على نفي أيّ نيّةٍ للتدخّل العسكريّ على إدراك دمشق أنّ علاقتها بلبنان ما زالت تتحرّك فوق أرضٍ هشّة.
في المقابل، لا تستطيع السياسة اللبنانيّة أن تبقى أسيرة الخوف إلى ما لا نهاية. إذ لا يمكن مطالبة سوريا الجديدة بأن تتغيّر، ثمّ رفض اختبار هذا التغيّر.




