الروابط الأخوية بين سوريا ولبنان: تاريخ من التنسيق والتحديات

عبد الفتاح خطابالخميس 2026/07/02
MASNAA.jpg
العلاقات اللبنانية السورية مزيج معقد من الروابط التاريخية والثقافية والمصالح المشتركة(لوسي بارسخيان)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

منذ استقلال لبنان في العام 1943 وسوريا في العام 1946 عن الانتداب الفرنسي، شكلت العلاقات بين البلدين الجارين مزيجاً معقداً من الروابط التاريخية والثقافية والمصالح المشتركة، مصحوبة بتوترات سياسية وأمنية متكررة. ورغم أن الحدود بينهما كانت نتيجة تقسيمات استعمارية، إلا أن الجغرافيا والتاريخ المشترك دفعا نحو تعاون مستمر في مجالات متعددة. 

 

شهدت العلاقات مداً وجزراً، بدءاً من التعاون الاقتصادي المبكر، مروراً بالتدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الوصاية. 

يركز هذا المقال على المعاهدات والاتفاقيات الرئيسية للتنسيق والتعاون، ومصيرها، والجدل حول بعضها، مع نظرة على دور المجلس السوري اللبناني الأعلى.

 

البدايات: اتفاقيات الاستقلال والتعاون المبكر

بعد الاستقلال، وقع البلدان اتفاقيات أولية لتنظيم المصالح المشتركة. في العامين 1943 و1944، تم الاتفاق على إدارة "المصالح المشتركة" وإقامة مجلس أعلى للإشراف على توزيع الإيرادات، في ظل ارتباط نقدي استمر لسنوات قبل أن يتكرس الانفصال المالي والنقدي الكامل بينهما. شملت هذه الاتفاقيات المبكرة خدمات بريدية وتعاوناً اقتصادياً أساسياً، ما عكس الترابط الطبيعي بين اقتصادي البلدين.

 

ورغم أن العلاقات ظلت إيجابية نسبياً في البداية، إلا أن الانقلابات العسكرية المتتالية في سوريا وأحداث العام 1958 في لبنان أدت إلى توترات قادت إلى إغلاق الحدود في بعض الفترات. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، دخلت القوات السورية عام 1976 ضمن "قوات الردع العربية" التي أقرتها جامعة الدول العربية، ما غيّر ديناميكية العلاقات نحو سيطرة أمنية وسياسية سورية متزايدة.

 

ذروة التنسيق: معاهدة الأخوة والتعاون 1991 وما تلاها

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وقع الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس اللبناني إلياس الهراوي في 22 أيار 1991 معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق" في دمشق. كانت هذه المعاهدة الأبرز، حيث أقامت إطاراً خاصاً للعلاقات يستند إلى وثيقة الطائف، مؤكدة على الروابط الأخوية والمصالح المشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. نصت على عدم السماح بأن يكون أي بلد مصدر تهديد للآخر، وأعطت (شرعنة) سوريا دوراً في حماية أمن لبنان آنذاك.

 

وأعقبت هذه المعاهدة اتفاقية الدفاع والأمن في 1 أيلول 1991، ثم اتفاقية التعاون والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي في 16 أيلول 1993. أدت هذه الأطر إلى توقيع أكثر من 40 اتفاقية وبروتوكولاً شملت قطاعات النقل، الجمارك، المياه، الكهرباء، الزراعة، والتعليم، وسمحت بحرية انتقال الأشخاص والبضائع، والدخول المتبادل من دون تأشيرة في بعض الفترات، ما عزز التبادل التجاري وحركة العمالة.

 

المجلس السوري اللبناني الأعلى: آلية التنسيق والتحول الديبلوماسي

أنشئ "المجلس الأعلى السوري اللبناني" بموجب معاهدة 1991 ليكون الجهاز الرئيسي لوضع السياسة العامة للتنسيق. يتكون المجلس من رئيسي الجمهوريتين وكبار المسؤولين، ويشرف على لجان متخصصة (خارجية، اقتصادية، دفاع وأمن). وتتولى أمانته العامة في دمشق متابعة التنفيذ وإعداد الدراسات.

 

ساهم المجلس في تنسيق السياسات الاقتصادية، تسهيل التجارة، وإدارة مشاريع البنية التحتية والطاقة والملفات الأمنية، فضلاً عن تنسيق المواقف في المحافل الدولية. ومع ذلك، اعتبرته قوى لبنانية عديدة رمزاً للهيمنة والنفوذ السوري الواسع، ورأت أن قراراته حدّت من استقلالية القرار اللبناني.

 

شكّل العام 2008 محطة مفصلية في العلاقات الثنائية مع إقامة علاقات دبلوماسية رسمية للمرة الأولى بين البلدين وافتتاح سفارتين في بيروت ودمشق، في خطوة اعتُبرت اعترافاً متبادلاً أكثر وضوحاً بسيادة كل دولة واستقلالها. ومع التطورات السياسية اللاحقة في سوريا، تراجع دور المجلس عملياً وتصاعدت الدعوات اللبنانية لإلغائه.

 

وفي مؤشر إلى توجه جديد، صرّح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بتاريخ 10 أيار 2026 قائلاً: "طوينا صفحة الخلافات مع سوريا ونتجه لترسيخ العلاقات، وسيتم إنشاء مجلس أعلى للتعاون مع سوريا، وأول اجتماع له في حزيران".

 

الاتفاقيات بين الإلغاء والتعليق والاستمرار

معظم الاتفاقيات الفنية المبكرة (قبل 1991) استمرت وتطورت لطبيعتها الإجرائية. أما اتفاقيات ما بعد 1991، فبعضها لا يزال صالحاً عملياً في التعاون الاقتصادي والقضائي، مثل الاتفاقيات الحديثة لتبادل المحكومين (2026) التي تهدف لمعالجة ملفات السجون والمعتقلين.

 

في المقابل، برزت دعوات قوية في لبنان بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، وتكثفت خلال عامي 2024 و2025، لإعادة النظر في الاتفاقيات المرتبطة بالأمن والدفاع. ورغم أنها لم تُلغَ رسمياً بالكامل، إلا أن بعضها بات معلقاً أو غير مفعل. وتستند هذه الدعوات إلى مبادئ القانون الدولي و"اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات"، التي تتيح الطعن في الاتفاقيات أو طلب مراجعتها إذا ثبت أنها أُبرمت تحت إكراه أو في ظروف استثنائية غير متكافئة.

 

انتقدت قوى لبنانية واسعة معاهدات العام 1991 (خاصة في مجالات النقل والمياه والأمن) باعتبارها مجحفة ومنحت سوريا نفوذاً غير متكافئ كونها فرضت في سياق الوجود العسكري السوري. لذا، يطالب سياسيون لبنانيون بتعديلها لضمان الندّية والتوازن، خاصة في ملفات الحدود وتوزيع مياه نهر العاصي النابعة من الأراضي اللبنانية.

 

ما المطلوب من السُلطات الجديدة في سوريا ولبنان؟

على مدى التاريخ الحديث، أدى سعي دمشق لتوسيع نفوذها مقابل استخدام الأراضي اللبنانية أحياناً كمنطلق لنشاط المعارضة السورية إلى تراكم ملفات شائكة أثقلت كاهل العلاقات الثنائية. وللانتقال إلى مرحلة جديدة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل للسيادة، يتعين على السلطات في البلدين التركيز على إغلاق الملفات العالقة التالية:

 

  • ملف المعتقلين والمخفيين قسراً: الكشف عن مصير اللبنانيين في السجون السورية والمخفيين منذ عقود وتقديم معلومات رسمية ونهائية.

 

  • ملفات الاغتيال والاختطاف: الكشف عن تفاصيل العمليات التي وقعت في لبنان سابقاً والتي تُرصَد مؤشرات لربطها بالنظام السوري السابق.

 

  • الحدود السيادية: إنجاز ترسيم وتحديد الحدود البرية والبحرية بشكل كامل، وحل قضية مزارع شبعا بما يتوافق مع المصلحة الوطنية للبلدين.

 

  • أزمة اللاجئين: العمل على تأمين عودة آمنة، منظمة، وكريمة للاجئين السوريين في لبنان إلى وطنهم دون عوائق.

 

  • التنسيق الأمني والاقتصادي: تفعيل التنسيق لمكافحة التهريب والعبور غير الشرعي عبر الحدود، بالتوازي مع وضع خطط اقتصادية تكاملية تعزز التجارة والخدمات والطاقة.

 

نحو علاقات ندية مستدامة

تمثل علاقات سوريا ولبنان نموذجاً للترابط الجغرافي والبشري الذي لا يمكن تجاهله، لكن استدامته تتطلب أساساً متيناً من الاحترام المتبادل والمصالح المتوازنة. اليوم، ومع بداية عصر جديد، يأمل الجانبان في بناء شراكة تعتمد على التنسيق الطوعي وحل الملفات العالقة وفقاً لأحكام القانون الدولي.

إن نجاح أي صيغة مستقبلية للعلاقات السورية-اللبنانية سيبقى مرهوناً بقدرة البلدين على الانتقال الجاري من "منطق النفوذ والتأثير" إلى "منطق الشراكة المتكافئة والاحترام الكامل للسيادة المتبادلة"، ليصبح التاريخ المشترك مصدر قوة واستقرار للشعبين لا عبئاً عليهما.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث