لبنان يتخبط بالتنفيذ.. وإسرائيل تقيم البوابات في قلب الجنوب

مانشيت - المدنالأربعاء 2026/07/01
Image-1782913710.Webp
تتحولت واشنطن من راعٍ للاتفاق إلى ضامن أمني محتمل له. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أيّام قليلة من توقيعه، دخل "اتفاق الإطار" اللبناني، الإسرائيلي مرحلة الاختبار الحرِج. فاللعبة الآن في الميدان، والمسؤوليّة الكاملة تقع على عاتق الراعي الأميركي، لأنّ واشنطن لم تعد مجرّد وسيط، بل تحوّلت إلى شريك ميدانيّ مباشر عبر التخطيط لنشر قوّات أميركيّة على الأرض في لبنان وإسرائيل.

لكن خلف هذا الاندفاع الأميركي، يكمن مأزق تنفيذيّ شديد التعقيد والخطورة. فالمعادلة الأميركيّة للاتفاق واضحة وصارمة: هندسة مسار يؤدّي حتمًا إلى نزع سلاح "حزب الله" واستعادة سيادة الدولة على كامل أرضها. هذه هي الركيزة الأساسيّة، ومن دونها يقول الأميركيّون إنّ الاتفاق لن يتحرّك خطوة واحدة إلى الأمام.

في المقابل، الجواب الإسرائيلي جاء قاطعًا وبلا مواربة، في السياسة والميدان، على لسان بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس، اللذين جالا في الجنوب في تحدٍّ جديد: لا انسحاب، لا كامل ولا حتّى جزئيّ. نحن نرفض الخروج، ونمضي في تعميق التوغّل داخل "المناطق الأمنيّة" واشتراط نزع السلاح أوّلًا. وأخطر من ذلك، بدأت إسرائيل فعليًّا في إقامة بوّابات عبور داخل المنطقة الصفراء. والرسالة الإسرائيليّة واضحة: لا انسحابات في المدى المنظور. وإذ يُنتظر أن تتمّ الترتيبات الأمنيّة الجديدة بالتنسيق مع الجيش الأميركي، والبداية مفترضة من "المناطق النموذجيّة التجريبيّة" التي أفرزتها المفاوضات، فإنّ الإدارة الأميركيّة تجد نفسها أمام اختبار دقيق ومحرج.

وأمّا الدولة اللبنانيّة، فتقف مرتبكة وعاجزة عن معالجة المأزق، سواء في ملفّ نزع السلاح أو في فرض وقف النار والانسحاب الإسرائيلي. وهي تعيش حالة تردّد واضحة في الضغط على "حزب الله"، خشية الانزلاق نحو مواجهة داخليّة مباشرة واقتتال أهليّ. واستمرار التردّد سيقود الاتفاق مباشرة إلى فخّ الفشل الخطير. وهذا الفشل لن يمرّ بسلام، بل سينزع من الجانب اللبناني أيّ ورقة قوّة أو غطاء دوليّ للمطالبة بانسحاب إسرائيل، ويمنح تل أبيب الذريعة الكاملة لتحويل احتلالها المؤقّت للجنوب إلى واقع دائم ومشرعن، برعاية أميركيّة مباشرة أو غير مباشرة.

 

الكونغرس يترك الباب العسكريّ مفتوحًا

لم يكن رفض مجلس النوّاب الأميركي، للمرّة الثانية، مشروع القرار الرامي إلى تقييد صلاحيّة الرئيس دونالد ترامب في إشراك القوّات الأميركيّة في عمليّات عسكريّة داخل لبنان تفصيلًا تشريعيًّا عابرًا. فنتيجة التصويت، بواقع 235 نائبًا ضدّ القرار مقابل 189 مؤيّدًا، تعكس مزاجًا سياسيًّا أميركيًّا لا يريد تقييد حركة الإدارة في الساحة اللبنانيّة، حتّى لو لم تكن القوّات الأميركيّة منخرطة حاليًّا في أعمال قتاليّة مباشرة.

المشروع الذي تقدّمت به النائبة الديمقراطيّة رشيدة طليب كان يهدف، في صيغته المعدّلة، إلى إلزام الرئيس بسحب القوّات الأميركيّة من أيّ أعمال قتاليّة في لبنان خلال سبعة أيّام، مع استثناء التعاون الأمنيّ مع الجيش اللبناني وحماية المنشآت الدبلوماسيّة. لكنّ إسقاطه يبعث برسالة تتجاوز نصّه القانونيّ غير الملزم: الكونغرس لا يريد سحب التفويض السياسيّ الضمنيّ من البيت الأبيض في إدارة المرحلة المقبلة.

بذلك، تتحوّل واشنطن من راعٍ للاتفاق إلى ضامن أمنيّ محتمل له، وربّما إلى طرف يراقب تنفيذ التزامات الجانب اللبناني، ولا سيّما ما يتّصل بحصر السلاح بيد الدولة. وهذه النقلة تضع لبنان أمام معادلة حسّاسة: الدعم الأميركيّ المطلوب لفرض الانسحاب الإسرائيليّ يأتي مشروطًا بإجراءات داخليّة قد تفتح مواجهة سياسيّة وأمنيّة مع "حزب الله".

 

إسرائيل تقلب ترتيب الالتزامات

المشكلة الجوهريّة ليست في مضمون "اتفاق الإطار" وحده، بل في ترتيب تنفيذه. لبنان يفترض أنّ الانسحاب الإسرائيليّ ووقف الاعتداءات يجب أن يوفّرا البيئة التي تسمح للدولة ببسط سلطتها. أمّا إسرائيل، فتريد قلب المعادلة بالكامل: نزع سلاح "حزب الله" أوّلًا، والتحقّق من فاعليّة الجيش اللبناني ثانيًا، ثمّ البحث في إمكان الانسحاب لاحقًا.

جولة نتنياهو وكاتس في جنوب لبنان لم تكن زيارة عسكريّة لرفع معنويّات الجنود فحسب، بل إعلانًا سياسيًّا بأنّ إسرائيل تتعامل مع المنطقة الحدوديّة باعتبارها نطاقًا أمنيًّا خاضعًا لقرارها. وعندما يقول نتنياهو إنّ إسرائيل ستبقى "كلّما اقتضت الحاجة"، فهو لا يحدّد سقفًا زمنيًّا، بل يربط الانسحاب بتقدير أمنيّ إسرائيليّ أحاديّ الجانب.

أمّا تصريح كاتس بأنّ إسرائيل تحارب "لتغيير الواقع، لا لإعادة الوضع إلى ما كان عليه"، فيكشف الهدف الحقيقيّ: تثبيت بنية أمنيّة جديدة داخل الأراضي اللبنانيّة، لا مجرّد منع هجمات آنيّة. إنشاء بوّابات عبور، وتجريف الأراضي، وهدم المنازل، وتقسيم القرى، ليست إجراءات دفاعيّة مؤقّتة، بل أدوات لصناعة جغرافيا سياسيّة وعسكريّة جديدة.

وهنا تكمن خطورة تعبير "المناطق الأمنيّة". فالمصطلح يستعيد عمليًّا منطق الشريط المحتلّ، ولكن تحت عنوان مختلف وبغطاء تفاوضيّ دوليّ. وإذا نجحت إسرائيل في ربط الانسحاب بتحقّق شروط فضفاضة، مثل "إزالة التهديدات"، فإنّ الاحتلال يصبح مفتوحًا زمنيًّا، لأنّ تحديد زوال التهديد سيبقى في يد تل أبيب.

 

آليّة الرقابة أم وصاية أمنيّة؟

تأجيل المرحلة التجريبيّة للانسحاب، وفق الرواية الإسرائيليّة، إلى حين الاتفاق على آليّة رقابة مشتركة، يكشف أنّ النزاع لم يعد مقتصرًا على تطبيق الاتفاق، بل انتقل إلى تحديد الجهة التي تملك حقّ تقييم التطبيق. إسرائيل تريد آليّة لا تراقب الخروقات فقط، بل تتابع تحرّك الجيش اللبناني ضدّ "حزب الله"، وتحدّد ما إذا كان هذا التحرّك "ملموسًا وفوريًّا".

الأخطر أنّ اعتماد المشاركين في الآليّة من جانب الولايات المتّحدة، بذريعة منع وصول المعلومات الحسّاسة إلى الحزب، يفتح الباب أمام إشراف خارجيّ مباشر على المؤسّسات اللبنانيّة. وهنا يصبح السؤال سياديًّا بامتياز: هل تساعد واشنطن الجيش على استعادة سلطة الدولة، أم تتحوّل إلى جهة تقرّر ما يجب على الجيش تنفيذه، وأين ومتى؟

الحدّ الفاصل بين الدعم والوصاية دقيق. فإذا اقترنت المساعدة الأميركيّة بجداول زمنيّة واقعيّة وضمانات لانسحاب إسرائيل، يمكن أن تشكّل عنصر دعم للدولة. أمّا إذا اقتصرت على مطالبة الجيش اللبناني بالتقدّم جنوبًا، فيما تواصل إسرائيل احتلالها وقصفها، فإنّ واشنطن تكون قد حوّلت الدولة إلى أداة لتنفيذ الشروط الإسرائيليّة من دون منحها مقابلًا سياديًّا.

 

عون يدافع عن الدولة وخيار التفاوض

في مواجهة هذا الضغط، يحاول رئيس الجمهوريّة جوزاف عون تثبيت رواية لبنانيّة تقوم على أنّ "صيغة الإطار" ليست اتفاقًا نهائيًّا ولا تنازلًا عن الحقوق، بل مسار تفاوضيّ يتناول الانسحاب، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى والجثامين، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

دفاع عون عن التفاوض باعتباره "أفضل الممكن" يستند إلى واقعيّة سياسيّة واضحة. فلبنان لا يمتلك حاليًّا ميزان قوّة يسمح له بفرض الانسحاب عسكريًّا، كما أنّ استمرار الحرب يعني مزيدًا من الدمار والنزوح. لكنّ هذه الواقعيّة تحتاج إلى ضمانات، لأنّ التفاوض من موقع الضعف قد يتحوّل من أداة لاستعادة الحقوق إلى آليّة لإدارة الاحتلال.

عون كان واضحًا أيضًا في ربط السيادة بحصر السلاح بيد الدولة، مستندًا إلى الدستور واتفاق الطائف، لا إلى المطالب الأميركيّة والإسرائيليّة. وهذه المقاربة ضروريّة سياسيًّا، لأنّ وضع ملفّ السلاح في خانة الإملاء الخارجيّ يمنح "حزب الله" حجّة لرفضه، بينما تقديمه باعتباره مشروعًا لبناء الدولة يعيد النقاش إلى إطاره اللبنانيّ.

غير أنّ المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في طريقة التنفيذ. فحصر السلاح يحتاج إلى تسوية داخليّة، وضمانات للطائفة الشيعيّة، واستراتيجيّة دفاعيّة، وانسحاب إسرائيليّ متزامن. أمّا محاولة نزعه تحت النار والاحتلال، فستُقرأ كاستهداف لفئة لبنانيّة، وقد تقود إلى الصدام الذي يحذّر منه عون ونبيه برّي معًا.

 

"حزب الله" وإيران: رفض الاتفاق أم تحسين الشروط؟

اعتراض "حزب الله" على الاتفاق لا ينفصل عن موقعه في الصراع الإقليميّ. فالحزب يرى أنّ إسرائيل تريد تحصيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب عبر الضغط الأميركيّ على الدولة والجيش. لذلك يتمسّك بسلاحه بوصفه ورقة ردع، فيما تعتبر الدولة أنّ استمرار السلاح خارج سلطتها يمنح إسرائيل حجّة للبقاء.

هذه الدائرة المغلقة تخدم إسرائيل أكثر ممّا تخدم لبنان. فالاحتلال يبرّر نفسه بسلاح الحزب، والحزب يبرّر سلاحه بالاحتلال. وبين الحجّتين، تفقد الدولة قدرتها على فرض جدول وطنيّ مستقلّ.

أمّا إيران، فتتعامل مع لبنان باعتباره جزءًا من مفاوضاتها الأوسع مع واشنطن. وحديث المسؤولين الإيرانيّين عن لجان مشتركة ومذكّرات تفاهم يكشف أنّ طهران لا تفصل ملفّ "حزب الله" عن صراعها مع الولايات المتّحدة وإسرائيل. وهذا يعني أنّ القرار اللبنانيّ يبقى عرضة للتجاذب بين تسويات إقليميّة لا يملك لبنان السيطرة عليها.

 

بين خطر الفتنة وخطر الاحتلال الدائم

المعضلة اللبنانيّة الحقيقيّة أنّ كلّ خيار يحمل خطرًا. الضغط السريع وغير المدروس لنزع السلاح قد يفجّر الداخل، فيما استمرار التردّد قد يرسّخ الاحتلال. ورفض التفاوض من دون بديل يعزل لبنان دوليًّا، في حين القبول بالتفاوض من دون ضمانات قد يمنح إسرائيل وقتًا إضافيًّا لفرض وقائعها.

لذلك، لا تكفي الدعوات إلى الوحدة الوطنيّة، رغم أهمّيّتها، بل يجب تحويلها إلى خطّة سياسيّة واضحة تقوم على التلازم بين الخطوات: انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ ومحدّد زمنيًّا، انتشار فعليّ للجيش، وقف كامل للاعتداءات، دعم دوليّ للمؤسّسة العسكريّة، وحوار داخليّ ملزم حول حصر السلاح والاستراتيجيّة الدفاعيّة.

من دون هذا التلازم، سيتحوّل الاتفاق إلى لائحة التزامات مفروضة على لبنان وحده. وعندها لن تكون واشنطن وسيطًا، بل شريكًا في إدارة اختلال ميزان القوّة، ولن تكون "المنطقة الأمنيّة" إجراءً مؤقّتًا، بل اسمًا جديدًا لاحتلال قديم.

المعركة اليوم ليست فقط على سلاح "حزب الله"، ولا على مواقع الجيش الإسرائيليّ، بل على تعريف السيادة نفسها: هل تكون سيادة الدولة كاملة على أرضها وقرارها، أم سيادة مشروطة بموافقة إسرائيل، ومراقبة أميركا، وحسابات إيران؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كان "اتفاق الإطار" بوّابة لاستعادة الجنوب، أم الإطار القانونيّ والسياسيّ لتثبيت ضياعه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث