أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّ لبنان دولة ذات سيادة، تتولّى التفاوض عن نفسها، وتتّخذ قراراتها باستقلاليّة انطلاقًا من مصالحها الوطنيّة، مشدّدًا على أنّ اعتماد المسار التفاوضيّ جاء باعتباره "أفضل الممكن"، بعد فشل تجارب الحروب في تحقيق الأهداف المنشودة، وما خلّفته من خسائر بشريّة ومادّيّة جسيمة.
وقال الرئيس عون إنّ "صيغة الإطار" الموقّعة في واشنطن ليست اتّفاقًا نهائيًّا، بل إطارًا تفاوضيًّا يتضمّن بنودًا تتّصل بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى وجثامين اللبنانيّين المحتجزة في إسرائيل، إضافةً إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وشدّد على أنّ لبنان لم يستسلم، ولم يتنازل عن حقوقه القضائيّة أو السياسيّة أو الميدانيّة، خلافًا لما يروّجه بعض المعترضين، داعيًا إيّاهم إلى قراءة بنود الصيغة بدقّة، وتقديم بديل واقعيّ إذا كانوا يرفضون خيار التفاوض.
وأوضح عون أنّ المادة الثالثة عشرة من "صيغة الإطار" لا تمنع لبنان أو المتضرّرين من مقاضاة إسرائيل، بل تنصّ على تعليق بعض الإجراءات القانونيّة الرسميّة خلال فترة المفاوضات، من دون المساس بحقّ الأفراد والجهات غير الرسميّة في تقديم الشكاوى والدعاوى.
وأضاف: "إذا كانوا لا يريدون صيغة الإطار، فليقدّموا البديل. هل يريدون أن تتفاوض دول أخرى عنّا؟ مشكلتنا مع إسرائيل، ونحن قادرون على التفاوض عن أنفسنا، لأنّ لبنان دولة ذات سيادة".
وأشار إلى أنّ السيادة تبدأ من القرار المستقلّ الذي تتّخذه الدولة، وصولًا إلى بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانيّة، وضمان ألّا تكون هناك قوى مسلّحة خارج إطار القوى الشرعيّة، لافتًا إلى أنّ حصر السلاح بيد الدولة منصوص عليه في اتّفاق الطائف والدستور اللبنانيّ، وليس مطلبًا خارجيًّا مستجدًّا.
عون: لا تفريط بالحقوق ولا شرعنة للاحتلال
فنّد رئيس الجمهوريّة الاتّهامات الموجّهة إلى الدولة بشأن شرعنة الاحتلال الإسرائيليّ، مؤكّدًا أنّ جميع بنود الصيغة تشدّد على انسحاب إسرائيل وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها.
وقال: "أين شرعنّا الاحتلال، فيما تتحدّث البنود عن خروج الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة، وعودة النازحين والأسرى، واستعادة الجثامين، وتأمين الدعم الدوليّ؟".
وأشار إلى أنّ صيغة الإطار ليست مثاليّة، لأنّ كلّ طرف سعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من مصالحه، لكنّها جاءت ضمن الثوابت اللبنانيّة، وكانت الخيار الأفضل المتاح في الظروف الراهنة.
ولفت إلى أنّ الإطار يضع قواعد عامّة تمهّد لاتّفاق أمنيّ لاحق يتناول التفاصيل والجداول الزمنيّة، داعيًا إلى منح المسار فرصةً بدل إسقاطه مسبقًا، وقال: "إذا طُبّق، يكون قد حقّق الهدف، وإذا لم يُطبّق، يسقط من تلقاء نفسه، أو تسقطه إسرائيل، لا أن نسقطه نحن".
إشادة بدور برّي وتحذير من الفتنة والشارع
نوّه الرئيس عون بمواقف رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ولا سيّما تأكيده وجود خطّين أحمرين لا يجوز تجاوزهما، هما الفتنة والمساس بالجيش.
وقال: "نحن جميعًا متّفقون على أنّ الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان، وكلّ ما عدا ذلك متاح للنقاش السياسيّ".
وشدّد على أنّ الاختلاف في الرأي حقّ مقدّس، لكنّ تحويله إلى خلاف أهليّ أو نزاع في الشارع أمر مرفوض، داعيًا المعترضين إلى التعبير عن آرائهم من خلال المؤسّسات الدستوريّة.
وأضاف: "فلنتناقش في السياسة، لكنّ الخلاف والاحتكام إلى الشارع ممنوعان. ولا يجوز تشويه الحقيقة لإقناع أيّ بيئة بأنّ ما حصل استسلام أو إذلال لها".
وسأل عون عمّا إذا كان أبناء الجنوب، من مختلف الطوائف، لا يستحقّون العيش بأمان، أسوةً بسائر اللبنانيّين، بعيدًا عن دوّامة القتل والدمار والنزوح المتكرّرة.
وقال: "لماذا كُتب على الجنوبيّين أن يدفعوا، بين فترة وأخرى، ثمنًا باهظًا من الدم والتهجير والدمار؟ ومن قال إنّهم وُلدوا ليكونوا مشاريع شهادة أو قتل؟".
وأشار إلى أنّ الحرب أوقعت أكثر من أربعة آلاف شهيد، غالبيّتهم الساحقة من أبناء الطائفة الشيعيّة، إضافةً إلى نزوح أكثر من مليون ونصف مليون شخص، معتبرًا أنّ أغلبيّة اللبنانيّين باتت تؤيّد القرار السياديّ الحرّ للدولة، لأنّها تريد الخلاص والاستقرار.
نفي إقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنيّة
ونفى رئيس الجمهوريّة ما يُشاع عن وجود نيّة لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل أو قادة الأجهزة الأمنيّة. وأشاد بالدور الذي تؤدّيه المؤسّسة العسكريّة والأجهزة الأمنيّة في حفظ الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة، معتبرًا أنّ ترويج هذه الشائعات يستهدف ضرب الجيش والقوى الأمنيّة، لا تعزيز دورها وحضورها.
وجاءت مواقف الرئيس عون خلال استقباله في قصر بعبدا وفودًا من نقابتي المحامين في بيروت والشمال، والهيئات الاقتصاديّة، إلى جانب لقاءات وزاريّة ونيابيّة ودبلوماسيّة.
الهيئات الاقتصاديّة: وقف النزيف وإعادة بناء البلد
واستقبل الرئيس عون وفد الهيئات الاقتصاديّة برئاسة الوزير السابق محمد شقير، الذي أعلن دعم الوفد للقرارات والمواقف الرامية إلى إنقاذ لبنان، ووقف نزيف الدم والدمار والهجرة، ووضع حدّ لمعاناة اللبنانيّين.
وأكّد شقير رغبة القطاع الخاصّ في المساهمة بإعادة بناء البلد، مشيدًا بقرار تشغيل مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات، واضعًا إمكانات الهيئات الاقتصاديّة في تصرّف رئاسة الجمهوريّة.
بدوره، شدّد الرئيس عون على أهميّة دور الهيئات الاقتصاديّة في استعادة لبنان موقعه في المنطقة والعالم، مشيرًا إلى خطوات إيجابيّة اتّخذتها الدولة، من بينها إعادة فتح الأسواق السعوديّة أمام الصادرات اللبنانيّة، واستئناف الحركة الجويّة بين لبنان والإمارات.
وقال إنّ هذه الخطوات، وإن لم تكن ضخمة، تشكّل أساسًا صالحًا للبناء عليها في مسار النهوض والتعافي.
وعرض عون أمام الوفد الاعتبارات التي دفعته إلى اختيار المفاوضات، مركّزًا على الواقع المأسويّ الذي يعيشه الجنوب وأبناؤه، وعلى ضرورة حماية حقّهم في الأمن والاستقرار.
الحجار يطلع عون على نتائج زيارته للكويت
وزاريًّا، أطلع وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجار رئيس الجمهوريّة على نتائج زيارته الرسميّة إلى الكويت، ناقلًا إليه تحيّات أمير دولة الكويت وكبار المسؤولين، وتأكيدهم دعم لبنان وشعبه، وحرصهم على تعزيز العلاقات الثنائيّة.
كما عرض الحجار إطلاق خدمة البصمة البيومتريّة في السفارة اللبنانيّة في الكويت، على أن تُعمّم تباعًا على السفارات والقنصليّات اللبنانيّة، بالتنسيق مع وزارة الخارجيّة والمغتربين.
وتتيح الخدمة للبنانيّين المقيمين في الخارج إنجاز إجراءات أخذ البصمة وإرسال طلباتهم إلكترونيًّا للحصول على جواز السفر البيومتريّ، من دون الحاجة إلى الحضور شخصيًّا إلى لبنان.
كذلك تناول اللقاء الوضع الأمنيّ والتدابير التي تتّخذها الأجهزة المختصّة لتعزيز الاستقرار ومنع الإخلال بالنظام العام، حيث أكّد الحجار أنّ حفظ الأمن الداخليّ وحماية السلم الأهليّ يشكّلان أولويّةً للدولة.
كنعان: الانقسام يكرّس الاحتلال ويلغي الوطن
نيابيًّا، استقبل الرئيس عون رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وبحث معه التطوّرات السياسيّة ومسار التفاوض في واشنطن، إضافةً إلى ملفات ماليّة واقتصاديّة.
وبعد اللقاء، قال كنعان إنّه ازداد اقتناعًا بحرص الرئيس عون على تحقيق ثلاثة أهداف أساسيّة، هي تحرير الأرض حتى آخر شبر، وعودة الناس إلى قراهم وأراضيهم، وإطلاق عمليّة إعادة الإعمار.
وحذّر من لغة التخوين والتحريض والانقسامات العموديّة، معتبرًا أنّ ضرب أسس الوحدة الوطنيّة يكرّس الاحتلال الإسرائيليّ ويلغي الوطن.
وقال: "إذا انقسمنا عموديًّا وضربنا أسس الوحدة الوطنيّة، فإنّنا نكرّس واقع الاحتلال الإسرائيليّ الذي نرزح تحته، وفي الوقت نفسه نلغي وطننا".
وشدّد كنعان على أنّ حصر السلاح بيد الجيش والدولة شأن لبنانيّ مطروح منذ اتّفاق الطائف، وليس مطلبًا إسرائيليًّا أو أميركيًّا أو إيرانيًّا، داعيًا إلى مناقشة جميع المسائل داخل المؤسّسات الدستوريّة.
وأضاف: "لا توجد دولة في العالم تحرص على خير لبنان أكثر ممّا يحرص اللبنانيّون على خير بلدهم وشعبهم، ولا أحد يجب أن يقرّر عنّا".
الاتّحاد الأوروبيّ يجدّد دعمه للبنان ومؤسّساته
دبلوماسيًّا، استقبل رئيس الجمهوريّة سفيرة الاتّحاد الأوروبيّ في لبنان ساندرا دو وال، التي أكّدت استمرار التزام الاتّحاد الوقوف إلى جانب لبنان وشعبه، ولا سيّما في ظلّ الظروف الاستثنائيّة التي يمرّ بها البلد.
وعرضت دو وال برامج الدعم الأوروبيّ في لبنان، مشيرةً إلى أنّ الاتّحاد الأوروبيّ ودوله الأعضاء قدّموا منذ عام 2019 أكثر من ثلاثة مليارات يورو لقطاعات الأمن والحوكمة والصحّة والمياه والتعليم والتنمية الاقتصاديّة، ولدعم قدرات مؤسّسات الدولة والإصلاحات والتنمية المستدامة.
ولفتت إلى أنّ أكثر من سبعين في المئة من الدعم الذي يتلقّاه لبنان مصدره الاتّحاد الأوروبيّ والدول الأعضاء.
كما أكّدت أنّ الاتّحاد خصّص، منذ عام 2023، نحو 220 مليون يورو لدعم القطاع الأمنيّ، بينها 182 مليون يورو على شكل معدّات للجيش اللبنانيّ، تشمل ناقلات جند مدرّعة، ومعدّات لنزع الألغام والحماية، وتجهيزات طبّيّة.
وكشفت عن قرب وصول بعثة تعمل في إطار السياسات الأمنيّة والدفاعيّة المشتركة للاتّحاد الأوروبيّ، على أمل نشرها قبل نهاية العام، بهدف توفير أدوات إضافيّة لدعم الأجهزة الأمنيّة والمدنيّة اللبنانيّة.
من جهته، أعرب الرئيس عون عن تقديره لدعم الاتّحاد الأوروبيّ ودوله الأعضاء، مؤكّدًا أنّ أمن لبنان ينعكس إيجابًا على أمن أوروبا، وأنّ العلاقة بين الجانبين شراكة تاريخيّة تستند إلى قيم ومصالح مشتركة.
وشدّد على أهميّة مواصلة التعاون لدعم الإصلاح، وتعزيز مؤسّسات الدولة، وإعادة الإعمار والتعافي، بما يمكّن لبنان من تجاوز المرحلة الدقيقة واستعادة الاستقرار والنهوض.




