أتى نص الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي-الأميركي، الموقَّع في واشنطن الأسبوع الفائت، وكأنّه حمام ماء بارد على بعض الرؤوس الحامية في لبنان وإسرائيل على السواء. فبعد أقل من يومين على تهليل "محور إيران" لانتصاره بفرض وقف إطلاق النار على جبهة لبنان في مفاوضات لوسيرن في سويسرا، والاعتراف الأميركي ب"ترابط المسارين"، جاءت اتفاقية "إطار العمل" التي وقعتها الدولة اللبنانية المنتخَبة كمقرّر وحيد عن لبنان وشعبه.
طبعًا، كان من شأن ذلك أن يمنح سردية إسرائيل بعدم وجود أطماع لها في لبنان، وبحقها في الدفاع عن نفسها بالطريقة التي تريد، فضلا عن زعمها الاستعداد لإقامة سلام واستقرار دائمين مع دولة لا تناصبها العداء على حدودها (وفي المحافل) أحقية ومشروعية. ما اعتُبر لدى البعض - من خارج محور إيران - "تنازلا" لبنانيًا سابقًا لأوانه ولأخوانه. ولكن، لننظر برويّة في نص الاتفاق وظروفه. متى وكيف وصلنا إلى هنا؟ وماذا حصّل لبنان منه وماذا حصّلت إسرائيل؟
زمانه
لن يُضيّع أي باحث موضوعي وقتًا طويلا في تتبع المسار الذي أوصلَنا إلى لحظة الاتفاق. منذ إعلان "حزب الله" حرب إسناد غزة وحتى افتخاره بالثأر لاغتيال ولي الفقيه بصواريخ من داخل الأراضي اللبنانية، مرورًا بتصفية معظم كوادره وقادته ومن ثم توغل إسرائيل في مطاردته برًا وصولا إلى مشارف النبطية، وتهديداتها بالمواصلة إلى أبعد من ذلك، مع تصميمها على زيادة كلفة التدمير وجرف البيوت والأراضي والأرزاق ومواصلة تهجير سكّانها إلى أربعة أصقاع لبنان، وما رافق ذلك أيضًا من تدمير المشروع النووي الإيراني واغتيال معظم القيادة في طهران. أي قَصم ظهر المحور بكامله.
تخلّل ذلك انكشاف عجز الدولة اللبنانية – الذاتي والموضوعي- عن الوفاء بتعهداتها السابقة، وإخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من أي تهديد فعلي لشمال إسرائيل، كما نص القرار الأممي 1701 واتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع بموافقة "حزب الله" في 27 نوفمبر 2024.
كلّ ذلك جرّ الدولة اللبنانية من أذنيها لاغتنام فرصة النافذة الأميركية المفتوحة، وتلبية الدعوة إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؛ تريد الإدارة الأميركية إنجاحها لأسبابها ومصالحها، ولبنان يريدها لوقف الحرب والدمار والموت اليومي في أرضه ومجتمعه من دون سواه، وتريدها إسرائيل لفصل مسار لبنان عن إيران، وربط نزاعها النهائي مع حزب الله إلى لحظة فشل مفاوضات لوسيرن، أو نجاح الرئيس ترامب في انتزاع أذرع إيران منها، أو ببساطة بانتظار نفاذ صبره عليها.
ماذا حصّل لبنان؟
لوهلة سريعة قد نتوه وسط ضجيج السقوط المدوّي لشعارات "المقاومة"، و"العدو البربري"، و"النصر الآلهي"، و"الحرب الدائمة"، و"الكفاح المسلّح"، و"توازن الرعب"، و"وحدة الساحات"، و"بيت العنكبوت"، و"طريق القدس"، و"اقتحام الجليل"، وغيرها من العبارات الرنانة التي تعايشنا معها طويلاً وسقطت فجأة على أرض الواقع قبل أن يسقطها على الورق نصُّ الاتفاق.
وفق الاتفاق، أكد الوفد اللبناني المفاوض أن لبنان دولةً موحدةً ذات سيادة، وبأن الجيش اللبناني هو الجهة الشرعية الوحيدة المخولة حماية هذه السيادة، وانتزع من إسرائيل اعترافاً بعدم وجود أطماع إقليمية لديها في لبنان. وهو إقرار سيكون جزءًا من أي مراجعة مستقبلية للاتفاق.
كما انتزاع انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي التي احتلتها فور تنفيذ الاتفاق ونجاح الجيش اللبناني في بسط سيادة الدولة وحدها على الأراضي اللبنانية كافة. وبانتظار ذلك ستنسحب إسرائيل من مناطق "تجريبية" في إطار عملية إعادة بناء الثقة بأداء الجيش، لعجزه سابقًا عن تنفيذ تعهداته بدقة.
وفور نجاح المناطق التجريبية، ستبدأ جهود إعادة الإعمار المدعومة دوليًا، وسيتمكن المهجّرون المدنيون من العودة بأمان إلى هذه المناطق تحت السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية.
وحصل لبنان من الولايات المتحدة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، على إقرار بعدم التفاوض "على رأسه" مع إيران أو مع غيرها، كما حصل على وعدٍ بدعم الجيش، وتعهدٍ بحشد "الشركاء الدوليين لدعم الحكومة اللبنانية بفعالية في إعادة بناء البلاد، وإصلاح البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد، وخلق فرص للازدهار، بما يتيح للبنان التعافي من سنوات الصراع وتوفير مستقبل أفضل لجميع مواطنيه".
وتمكن من تثبيت حق الدولة اللبنانية في الدفاع عن نفسها، وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بما ينفي الادعاء بأنَّ الاتفاق جرّد لبنان من حقه السيادي في حماية أراضيه.
ماذا تحصَّلت إسرائيل؟
في المقابل، حصلت إسرائيل على:
أولا: إقرار لبناني بإنهاء حالة الحرب، واعتراف بحقها في العيش بأمن واستقرار.
ثانيًا: تعهُد لبناني بإعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة ولو تدريجيًا، ونزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، ومنع أي دور عسكري أو أمنيّ لها في أيّ منطقة لبنانية.
ثالثًا: التزام لبناني برفض أي ادعاء من أي دولة أو جهة باستخدام القوة باسم لبنان أو انطلاقًا من أراضيه دون تفويضٍ من الدولة اللبنانية، في إشارة واضحة إلى الدور الإيراني اليوم وأي دورٍ خارجي غدًا.
رابعًا: التزام لبنان بمنع تدفق الأموال إلى الجماعات المسلحة، ومنع وصول أموال إعادة الإعمار إليها.
خامسًا: امتناع لبنان عن استخدام المنابر السياسية والقانونية الدولية في إطار أي "مواجهة عدائية مع إسرائيل، تماشيًا مع الأهداف المشتركة الرامية إلى إقامة علاقات مستقرة وسلمية".
سادسًا: كما لبنان، حافظت إسرائيل على حقها في الدفاع عن النفس، كما هو معترف به في ميثاق الأمم المتحدة وبما يتوافق مع القانون الدولي الساري.
افترماث (تداعيات)
يأخذ بعض معارضي الاتفاق عليه أنّه سلب لبنان حق مقاضاة إسرائيل دوليًا على جرائمها وعدوانها على لبنان (من دون أيّ إشارة لدور إيران في استخدام لبنان وشعبه كساحة لها واستدراج إسرائيل إليها). وأنَّ لبنان قدّم بتوقيعه هذا هدية لنتنياهو فيما دول العالم (بعضها) تلاحقه، أو أقله لا ترحب به نتيجة حرب غزة والممارسات الشنعاء. قد تكون هاتان "الخسارتان" واقعيّتين، ولكن عندما تصعدان على ميزان الربح والخسارة الحقيقيين القائمين على عدد الضحايا والبيوت والأراضي المجروفة والقرى المحتلة وخسائر الاقتصاد لدى الطرفين، ستُسجَّلان فقط في خانة المواقف نفسها التي احتوت منظومة الشعارات والهتافات إياها التي لم تصمد في "الميدان".
فالاتفاق يقول، باختصار، إن زمن المقاومات في لبنان قد انتهى، وإن الدولة اللبنانية، برغم ضعفها، عازمة على تثبيت ذلك من أجل استرجاع الأراضي وإعادة إعمارها وتأمين عودة سكّانها إليها، كوسيلة وحيدة ممكنة لبلوغ ذلك.
مع إدراكنا أن الاتفاق، كقرارات الدولة السيادية السابقة، ليس للتنفيذ اليوم أو غدًا. وقد تعرقله موازين القوى الداخلية. وقد تحاول الميليشيات الالتفاف عليه كما التفت على قرارات واتفاقات سابقة. ولكنه مسمارٌ جديد في نعش التمرّد على الدولة، ووثيقة جديدة ستكون العودة إليها أساسية، إن نجا ونجونا من الانقلاب الذي يُطبخ له.
ختامًا، لعلّ أبرز الخلاصات من الاتفاق، طُبّق أم لم يُطبَّق، هو ذاك الإقرار "اللبناني" غير المسبوق بأن السلام والاستقرار والازدهار وقيام دولة طبيعية بأدوار عادية، هي حقوق جوهرية للناس وأهداف عليا تتفوق على كل عقيدة تاه اللبنانيون طويلا في مطاردتها.
تأخرنا كثيرًا للوصول إلى هذه القناعة، وبعضُنا ما زال مشدودًا إلى طفولته وأوهامها وحماقاتها. لا بأس، فليطاردها بعيدًا.. وبالتوفيق!




