شهد التاريخ الحديث للجمهورية اللبنانية سلسلة من المواجهات العسكرية والسياسية مع إسرائيل، نتجت عنها جملة من الاتفاقات والتفاهمات التي راوحت بين المباشرة وغير المباشرة، والعسكرية والأمنيّة والسياسية. وتأتي هذه الترتيبات دائمًا كإنتاج لظروف ميدانية وإقليمية ضاغطة، تعكس موازين القوى اللحظية والمحطات الهشة التي سرعان ما كانت تنهار ليعود الصراع مجدداً.
لذلك حان الوقت لدراسة ظروف إبرام هذه الاتفاقيات، وإجراء مقارنة بنيوية شاملة في صلب النص للوقوف على السمات التفاوضية والسياسية لكل منها، وصولاً إلى تحديد الاتفاقية القانونية الأنسب التي تحفظ حقوق لبنان التاريخية، مع تسليط الضوء على الثغرات القانونية والأمنية الكامنة في النصوص الأخرى.
القسم الأول: ظروف إبرام الاتفاقيات والتحليل المقارن البنيوي
يخضع المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لبيئات ميدانية وسياسية متغيرة فرضتها التدخلات الدولية وموازين القوى. ويمكن حصر هذه الظروف والسمات التفاوضية من خلال خمس محطات أساسية تباينت بوضوح من حيث طبيعة القنوات التفاوضية، والتوصيف القانوني للحدود، والموقف من إنهاء الحرب، والأبعاد التطبيعية.
المحطة الأولى كانت اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949، التي أُبرمت في أعقاب حرب عام 1948 ونهاية العمليات العسكرية في فلسطين. وميدانياً، خاضت القوات اللبنانية معارك محورية أبرزها "معركة المالكية"، وسيطرت على الناقورة مهيمنة على معابر الجليل الغربي. وبعد توقف المعارك، جرت مفاوضات في جزيرة (رودس)، ووُقّع الاتفاق رسميًا في الناقورة يوم 23 آذار 1949 برعاية الأمم المتحدة واستجابة لقرار مجلس الأمن رقم 62. تميّزت هذه الاتفاقية بطبيعة تفاوضية مباشرة ذات طابع عسكري بحت، وجاءت كتدبير مؤقت لتسهيل الانتقال إلى السلم دون مساس بالحقوق السياسية أو الموقف النهائي من القضية الفلسطينية. ومن حيث توصيف الحدود، قضت بتثبيت الحدود الدولية التاريخية الكاملة بين لبنان وفلسطين، مع إلزام الطرفين بسحب القوى العسكرية إلى عمق 25 كيلومتراً على جانبي الحدود، وألّا تزيد القوات عن 1500 جندي لكلّ جانب بأسلحة خفيفة، مع حظر أيّ أعمال حربية أو خرق للمجال الجوي أو المياه الإقليمية (المحددة بثلاثة أميال). أبقى هذا النص على حالة الحرب قانوناً مع اقتصار التفاهم على البعد الميداني، مما جعلها منعدمة الأبعاد التطبيعية تماماً.
أما المحطة الثانية فتمثلت في اتفاق 17 أيار 1983، الذي صِيغ في ظروف استثنائية بالغة التعقيد فرضها الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، واحتلال العاصمة بيروت وأجزاء واسعة من البلاد، فضلاً عن ارتكاب مجازر دامية كمجزرة صبرا وشاتيلا. وتلا ذلك انسحاب القوات الفلسطينية وانتخاب الشيخ بشير الجميل رئيس جديد للجمهورية؛ والذي اغتيل في نفس العام، فانتخب شقيقه الشيخ أمين الجميل رئيساً جديداً للجمهورية خلفاً عنه. شرع لبنان، تحت شروط إسرائيلية صعبة تمثلت في إملاء مكان الجلسات ومستوى التمثيل، في مفاوضات مباشرة برعاية أميركية. وافق مجلس الوزراء اللبناني على المحتوى في 14 أيار 1983، وتمّ تفويض رئيس الوفد الدكتور أنطوان فتال بالتوقيع. ونال الاتفاق موافقة المجلس النيابي في 14 حزيران 1983 بأغلبية 65 نائباً مقابل معارضة نائبین وامتناع أربعة. اتّسم الاتفاق بطبيعة سياسية وأمنية شاملة هدفت إلى فرض واقع جديد يعلن إنهاء حالة الحرب رسمياً خلال مدة تتراوح بين 8 إلى 12 أسبوعاً، مع تقييد السيادة الوطنية اللبنانية عبر اقتطاع "حزام أمني" أو "منطقة أمنية" في الجنوب لحماية إسرائيل من صواريخ الكاتيوشا، واشتراط انسحاب إسرائيل بخروج القوات السورية ومنظمة التحرير. انطوى نصّ الاتفاق على أبعاد تطبيعية كاملة شملت تنظيم حركة البضائع والمنتجات والأشخاص وإنشاء مكاتب اتصال متبادلة بإشراف وتأليف لجنة اتصال مشتركة بمشاركة أميركية لتنفيذ الاتفاق.
وفي المحطة الثالثة، وُلد تفاهم نيسان 1996 (وُقّع في 26 نيسان) كصيغة تفاوضية غير مباشرة تمّ التوصل إليها عبر الولايات المتحدة وبالتشاور مع سوريا، لينهي عملية "عناقيد الغضب" العسكرية الإسرائيلية التي تخللتها "مجزرة قانا" ضدّ مقرّ قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة الذي كان يأوي مهجّرين. حظي التفاهم بدعم إقليمي ودولي واسع شمل الإدارة الأميركية، وموقف دول السبع في فرنسا، وقمّة القاهرة. تمثّلت طبيعة هذا التفاهم في كونه أداة لإدارة الصراع وليس بديلاً عن الحلّ الدائم. ونصّ على التزام متبادل بكفالة توقف حزب الله والمنظمات المسلحة عن استهداف إسرائيل بالصواريخ، مقابل توقف إسرائيل والمتعاونين معها عن استهداف المدنيين اللبنانيين، مع حفظ حقّ الدفاع عن النفس. واعتمد التفاهم على آليتين: أمنية تتمثل في "مجموعة مراقبة دولية" تضمّ أميركا، فرنسا، سوريا، لبنان، وإسرائيل؛ واقتصادية متمثلة في مجموعة استشارية برئاسة أميركية لتلبية إعادة إعمار لبنان. ولم يمسّ هذا التفاهم بالوضع السياسي للحدود أو يتضمن أيّة أبعاد تطبيعية.
وعلى النحو ذاته، جاءت المحطة الرابعة متمثلة في إعلان وقف الأعمال العدائية عام 2024، وهو تفاهم غير مباشر جرى التوصل إليه عبر وساطة أميركية-فرنسية لإنهاء جولة تصعيد عسكري واسعة. ركّزت طبيعة الترتيبات في هذا الإعلان على الجانب الأمني المعزّز للتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701. وفيما يتعلق بالحدود والسيادة، سعى الإعلان إلى ترسيخ الخط الأزرق ونشر الجيش اللبناني جنوب الليطاني وحصر السلاح بيد الدولة، معتبرًا وقف الأعمال خطوة نحو تهيئة الظروف لإيجاد حلّ دائم وشامل، مع خلو النص من أيّة أبعاد تطبيعية.
أخيرًا، تبرز المحطة الخامسة التعاهدية أو الاتفاقيّة في الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة تاريخ 26 حزيران 2026، والذي يمثّل قناة تفاوضية مباشرة وثنائية تحت رعاية وثلاثية أميركية. يهدف هذا النص، من حيث طبيعته السياسية، إلى وضع ديباجة وإطار عمل مرحلي للانتقال نحو إنهاء دائم للصراع وحالة الحرب رسميًا، والالتزام المشترك بصياغة معاهدة سلام وأمن شاملة، مع ربط ترسيم الحدود والسيادة بالترتيبات الأمنية الميدانية المعقدة وشروط نزع السلاح.
القسم الثاني: الاتفاقية الأنسب لحقوق لبنان
يتطلّب تقييم النتاج القانوني لهذه الاتفاقيات تفكيك نصوصها وبنودها التفصيلية للتمييز بين الأطر المرجعية التي تحمي الكيان الوطني وتلك التي تُكبّله. ومن هنا، تقتضي الإشارة إلى مسألة إثبات الأسبقية القانونية والسيادية لاتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 كأفضل الخيارات المتاحة لحفظ حقوق الجمهورية اللبنانية، في مقابل تشريح البنية القانونية للاتفاقيات اللاحقة لاستبانة ما انطوت عليه من ثغرات أمنية وسياسية قيّدت السيادة الوطنية وعرّضت القرار اللبناني المستقل للاستلاب والارتهان للمؤثرات الخارجية بسبب ارتهان عدد من الداخل للخارج.
فيما خصّ الهدنة العامة للعام 1949، فهي لا تزال تشكّل الصك القانوني الأنسب لحفظ الحقوق. تُجمع القراءات القانونية والسياسية على أن هذه الاتفاقية تظل الصك المرجعي الأنسب لـلبنان -وهو مخرج يطالب به حتى اليوم قادة سياسيون كحلّ للنقاش حول مستقبل المقاومة- وذلك بناءً على محددات سيادية قطعية:
-
التثبيت الصريح للحدود الدولية، حيث قضت المادة الخامسة صراحة بأنّ خطّ الهدنة يتبع الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين. هذا النص شكّل اعترافًا دوليًا وثابتًا بحدود لبنان التاريخية لا يسمح بإنشاء مناطق رمادية، علماً أن الثغرة الميدانية لاحقاً تمثّلت في عدم التزام إسرائيل بالخط ّالدولي والانسحاب فقط إلى الخطّ الأزرق.
-
الفصل الصارم بين المسارين العسكري والسياسي، حيث حصّنت المادة الثانية الموقف اللبناني بتأكيدها على أنّ أحكام الاتفاق مبنيّة على الاعتبارات العسكرية وحدها، ولا يمكنها بأيّ شكلٍ من الأشكال أن تمسّ حقوق أيّ من الفريقين أو مطالبهما أو مواقفهما في التسوية السلمية النهائية لقضية فلسطين، مما جنّب الدولة اللبنانية مغبّة التنازل السياسي أو الاعتراف الضمني.
-
مظلة الشرعية الدولية المتوازنة، أسست الاتفاقية للجنة هدنة مشتركة بتمثيل متساوٍ يترأسها رئيس أركان هيئة مراقبة الهدنة التابعة للأمم المتحدة، مما وفّر رعاية أمميّة متوازنة تحمي الجانب اللبناني من الاستفراد أو الإملاءات المباشرة من الطرف الآخر.
القسم الثالث: ثغرات نصوص الاتفاقيات البديلة
انطوت الاتفاقيات الأخرى التي صِيغت في مناخات من الاختلال العسكري على ثغرات قانونية وأمنية مسّت بجوهر السيادة اللبنانية، وقادت إلى أزمات داخلية.
-
ثغرات اتفاق 17 أيار 1983 وتداعياته
لقي الاتفاق دعماً غربياً، لكنه جُوبِهَ برفضٍ سوري قاطعٍ، هاجم موقّعيه ودعم معارضيه ممثلين بـ"جبهة الإنقاذ الوطني" لإسقاطه. أدّى ذلك لانقسام المشهد السياسي ونشوب اقتتال داخلي وتصاعد العنف ضدّ القوات الأجنبية (كمقتل المارينز والمظليين الفرنسيين). كالمعتاد، امتنعت إسرائيل عن تنفيذه ممّا أفشله، مّما دفع الرئيس أمين الجميل لإعلان إلغائه في 5 آذار 1984، وصدر قانون الإلغاء الرسمي رقم 25/87 بتاريخ 15 حزيران 1987 (في الجلسة النيابية التي ألغت اتفاق القاهرة). لقد ترتّب على إسقاطه منع استقلال المسار اللبناني وفرض "وحدة المسارين السوري واللبناني"، مع استمرار التحذير الرسمي السوري (كما في خطاب نظام الأسد) من العودة لأي اتفاق يشبهه. وتمثلت ثغراته القانونية البنيوية في انتهاك السيادة عبر المادة الثالثة وملحقها بإنشاء "منطقة أمنية" تقيّد سلاح الجيش اللبناني، وحظر نشر أسلحة ثقيلة بالجنوب، وفرض دمج الوحدات المحلية المتعاونة مع إسرائيل (جيش لبنان الجنوبي) في الجيش أو فرقة الأنصار. فضلاً عن المادة التاسعة التي قيّدت حرية لبنان الإقليمية بإلزامه بإلغاء المعاهدات والقوانين التي تتعارض مع الاتفاق ومنعه من تنفيذ التزاماته العربية، وفتح الباب لبحث تعويضات أملاك اليهود في لبنان.
-
ثغرات تفاهم نيسان 1996
تتمثّل أبرز ثغرات تفاهم نيسان 1996 في كونه مجرد أداة لإدارة الصراع وتحييد المدنيين دون تقديم أي أفق أو آلية زمنية ملزمة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معترفاً صراحةً بأنه ليس بديلاً عن الحل الدائم. كما انطوى النص على بند مطاطي وفضفاض حول "حق الدفاع عن النفس" منح إسرائيل غطاءً تفسيرياً لشن ضربات عسكرية دورية بذريعة الرد الاستباقي. علاوة على ذلك، شرعن التفاهم ضمنياً دور الفاعلين من غير الدول والقوى المحلية المتعاونة مع الاحتلال عبر إدراجهم في صلب التزامات قواعد الاشتباك، في ظل آلية أمنية لمجموعة مراقبة دولية افتقرت لأي صلاحيات زجرية أو عقابية لردع الخروقات، مما جعل مفاعيل التفاهم مرتهنة للإرادة السياسية الخارجية لا لقوة القانون.
-
ثغرات إعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في تشرين الثاني 2024
يُمثّل إعلان وقف الأعمال العدائية محطة أمنيّة حسّاسة، ورغم استناده الشكلي إلى القرار الدولي 1701، إلّا أن التدقيق القانوني في مفاعيله الميدانية يكشف عن ثغرات سيادية وأمنية . لقد أدّى هذا الاتفاق إلى شرعنة التدخل الأمني المباشر (آلية المراقبة المستحدثة). تكمن الثغرة الأبرز في الإعلان في إعادة صياغة دور "لجنة مراقبة التنفيذ" عبر منح الأطراف الدولية (ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا) صلاحيات إشرافية ورقابية تتجاوز المفهوم التقليدي لقوات اليونيفيل. هذا التوسيع في الصلاحيات يمنح القوى الخارجية حقّ التحقّق والتدخل الميداني، ممّا يُفرّغ مفهوم حصرية السلاح والسيادة بيد الدولة اللبنانية من مضمونه الفعلي ويجعل القرار الأمني تحت وصاية دولية مباشرة. يُضاف إلى ذلك، غموض آليات "تفكيك البنية التحتية" والمهل الزمنية. فيربط الإعلان الاستقرار الميداني والانسحاب الإسرائيلي التدريجي بعمليات تفكيك منشآت ومواقع الجماعات غير النظامية جنوب الليطاني. هذا الربط، الخالي من تعريفات قانونية صارمة وموحّدة لما يشكل "بنية تحتية عسكرية"، يمنح إسرائيل ذريعة دائمة لخرق الأجواء اللبنانية أو تعليق انسحابها التام، بناءً على تقييمها المنفرد لمدى كفاية وجدية الإجراءات التي يتخذها الجيش اللبناني. أمّا الأكثر فداحة، فهي ثغرة "الدفاع عن النفس" الفضفاضة. على غرار تفاهم نيسان 1996، يترك الإعلان هامشاً تأويلياً خطيراً حول مفهوم "حق الدفاع عن النفس"؛ حيث تحتفظ إسرائيل بالحق في التدخل العسكري المباشر إذا ما اعتبرت أن هناك "تهديداً وشيكاً" لم تعالجه الدولة اللبنانية، مما يجعل السيادة الوطنية معلّقة على شروط تقديرية يفرضها الطرف الأقوى عسكرياً في المعادلة.
وبسبب عدم احترام إسرائيل لموجباتها المنبثقة عن هذا الاتفاق، وبسبب مشاركة حزب الله في حرب الإسناد دعماً لإيران بوجه إسرائيل والولايات المتحدة، انهار هذا الاتفاق وانهارت آلياته معه، خصوصاً وأنّ قرار مجلس الأمن 2790 قد أعلن انتهاء ولاية قوات الطوارئ المؤقتة في نهاية العام 2026.
-
ثغرات الاتفاق الإطاري الثلاث
تكمن الثغرة البنيوية هنا في مبدأ "شَرطية الانسحاب". فبموجب المادة الثانية والمادة الثالثة من الاتفاق الإطاري، يُربط انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي وإعادة انتشاره التدريجي بمسألة بسط سلطة الدولة الفعالة بعد إتمام نزع سلاح الجماعات غير النظامية وتفكيك بنيتها التحتية بشكل موثّق. وتمنح هذه الشَّرطية إسرائيل ذريعة قانونية وميدانية لتعليق انسحابها أو معاودة عملياتها العسكرية عند ادعائها عدم كفاية أو جديّة تلك الإجراءات اللبنانية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ نصّ المادة التاسعة التي تربط المساعدات الأميركية والدولية لإعادة الإعمار ببرنامج صارم قائم على الأداء ورقابة مستمرة ومحطات إنجاز موثقة، يفرض نوعًا من الوصاية الخارجية المشروطة على القرار السيادي والتنموي للدولة اللبنانية.
في الخلاصة،
يظهر التحليل القانوني المقارن للاتفاقيات اللبنانية-الإسرائيلية أن اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 تظل النموذج القانوني الأكثر أمانًا وحفظًا لسيادة لبنان وحدوده الدولية الثابتة، نظراً لتجريدها الترتيبات الميدانية من أي أبعاد سياسية أو تصفوية أو تطبيعية. في المقابل، فإن الاتفاقيات السياسية أو الأمنية اللاحقة، التي صِيغت تحت وطأة الضغوط والحروب، حملت في طياتها ثغرات قانونية بالغة الخطورة؛ تمثلت في تقييد حركة القوات المسلحة وبنيتها، وتكبيل الالتزامات الإقليمية للبلاد، أو جعل انسحاب قوات الاحتلال مشروطًا بإجراءات داخلية معقدة تخضع لتقييم وتفسير الطرف الآخر ووصاية الشروط الدولية المانحة. ورغم أن بعض الآراء ترى بأثر رجعي أن الالتزام باتفاق 17 أيار كان يمكن أن يجنّب لبنان ويلات حروب لاحقة كحربي 1996 و2006، إلّا أن التدقيق القانوني يؤكد أن بنوده الأمنية والتطبيعية كانت كفيلة بتحويل البلاد إلى محمية تفقد معها الدولة قرارها السيادي المستقل.
الأخطر من كلّ ذلك، أنّ أغلبية هذه الاتفاقات، تمّ التفاوض بها تحت النار خلافاً لقواعد القانون الدولي، مّما يعرّضها للبطلان، والأكثر خطراً هو جعل هذه الاتفاقات كنصوص بديلة عن قرارات مجلس الأمن التي تحافظ على سيادة لبنان وأراضيه وتضمنه سلامة أراضيه على المستوى القانوني.
إنّ نشوء نظام حوكمة عالمي كرديفٍ للأمم المتحدة، قائم على غرائز الانتصار وشهوة الاقتصاد قد يؤدّي إلى تدمير قيم قانون الأمم التي بني عليها أكان عبر حلّ النزاعات بالطرق السلمية وعلى المساواة في السيادة ما بين الدول.




