معاناة الحزب لا تمنحه شرعية أخلاقية أعلى من بقية اللبنانيين

مروان حربالثلاثاء 2026/06/30
جنازة تشييع جماعي حزب الله (Getty)
الشعوب المظلومة ليست بالضرورة أكثر عدالة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمة فكرة رسّخها خطاب حزب الله في الوعي السياسي اللبناني خلال العقود الأخيرة، ومفادها أن المعاناة ليست مجرد تجربة إنسانية تستحق الاحترام، بل مصدر لشرعية سياسية وأخلاقية تتجاوز شرعية الآخرين. فالحزب، بوصفه من خاض الحروب، وتحمل الكلفة الأكبر في مواجهة إسرائيل، لا يطالب فقط بالاعتراف بتضحياته، بل يسعى إلى أن تتحول هذه التضحيات إلى أساس لمكانة سياسية وأخلاقية استثنائية داخل المجتمع اللبناني. 

 

لا خلاف على أن المعاناة تمنح صاحبها حقًا في الاعتراف بآلامه، وفي احترام تضحياته، وفي صون ذاكرته الجماعية. لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين الاعتراف بالمعاناة وبين تحويلها إلى مصدر دائم للشرعية السياسية. فالأولى واجب أخلاقي، أما الثانية فادعاء سياسي. إذ لا تُبنى الدول على مبدأ أن من عانى أكثر يملك حقًا أكبر في تقرير مصيرها، ولا أن من دفع كلفة أعلى تصبح حصته في السلطة أكبر من غيره. الدول تقوم على مبدأ أكثر بساطة وعدالة: أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق السياسية، وأن شرعية الحكم تُستمد من القدرة على إدارة الشأن العام، لا من حجم التضحيات التي قدمتها جماعة بعينها، مهما كانت عظيمة.

إذ مهما بلغ حجم الصعاب والعذاب والخسارة والتهجير والألم والتضحية والدمار والموت الذي تتعرض له أي جماعة سياسية أو اجتماعية أو دينية، فإن ذلك لا يمنحها، بحد ذاته، فضلًا أخلاقيًا على غيرها، ولا حقًا أعلى في الكلام باسم الوطن، ولا شرعية إضافية في تقرير مصير الآخرين. فالمعاناة، مهما كانت قاسية، لا تجعل أصحابها أكثر أحقية بحكم البلد أو فرض الخيارات على بقية الناس. لا أحد يملك مرتبة أخلاقية أعلى لمجرد أنه تألم أكثر، ولا أحد يكتسب حقًا سياسيًا استثنائيًا لأنه دفع كلفة أكبر. إذ لا توجد علاقة منطقية أو فلسفية بين المعاناة وبين القدرة على الحكم. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب المظلومة ليست بالضرورة أكثر عدالة، وأن الجماعات التي عانت الاضطهاد أخفقت في تحرير مجتمعاتها من منطق الهيمنة نفسه.

 

فالثورة الجزائرية، التي خاضت واحدة من أعنف حروب التحرر ضد الاستعمار الفرنسي، تحولت بعد الاستقلال إلى نظام احتكر السلطة لعقود باسم شرعية التحرير. وفي سريلانكا، لم تؤدِّ معاناة الأقلية التاميلية وما تعرضت له من تمييز إلى منع حركة "نمور التاميل" من ممارسة العنف والإقصاء داخل المناطق التي سيطرت عليها. أما في كمبوديا، فقد خرج الخمير الحمر من رحم حرب معاناة عميقة، لكنهم أقاموا واحدًا من أكثر الأنظمة دموية في القرن العشرين. وفي إريتريا، خرجت حركة التحرير من حرب استقلال استمرت ثلاثة عقود لتؤسس واحدة من أكثر الدول انغلاقًا وقمعًا في أفريقيا. وحتى في فلسطين، لم يمنع تاريخ المعاناة من ظهور انقسامات داخلية وممارسات سلطوية وعنفية ودموية مارستها القوى الفلسطينية بحق مجتمعها. هذه الأمثلة لا تُسقط السياقات على بعضها، ولا تساوي بين تجارب مختلفة في أسبابها ونتائجها، لكنها تكشف قاعدة سياسية واحدة: المعاناة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، ولا تعطيه شرعية سياسية مفتوحة، ولا تحميه من إنتاج الهيمنة عندما يمتلك القوة. 

 

من هذه الزاوية يمكن قراءة جزء أساسي من خطاب حزب الله بعد الحرب. فالحزب يحاول، كما فعل بعد محطات سابقة، أن ينقل النقاش الذي يدور في لبنان من سؤال النتائج والخسائر وموازين الردع إلى سؤال الوفاء الأخلاقي للتضحيات. لا يريد أن يُناقش كفاعل سياسي يُسأل عن الجدوى والكلفة والنتائج، بل كصاحب تضحيات ينبغي أن يُحاط بهالة أخلاقية تعفيه من المحاسبة.  فالتضحيات التي قُدمت في مواجهة إسرائيل تُستخدم لتأكيد أولوية سياسية وأخلاقية داخل المجتمع اللبناني نفسه. أي أن الألم الذي نتج عن الصراع مع إسرائيل يُعاد تحويله إلى حق إضافي في تقرير شكل الدولة، وتحديد أولوياتها، ورسم حدود النقاش السياسي داخلها. 

بهذه الطريقة، يسعى الى تحويل المعاناة من أساس للتعاطف إلى أساس للتفوق الأخلاقي، ومن التفوق الأخلاقي إلى مطالبة ضمنية بالتفوق السياسي. وهذا التفوق يُستثمر في الهيمنة، وفي إسكات الآخرين، وفي ابتزازهم أخلاقيًا، وفي إخضاعهم لمنطق يقول إن من ضحّى أكثر يملك حقًا أكبر في القرار. غير أن هذه القفزة من الشرعية الأخلاقية إلى الشرعية السياسية لا تستند إلى أي أساس فلسفي أو سياسي. فالمقاومة ضد عدو خارجي، مهما كانت مشروعة، لا تمنح شرعية مفتوحة لإدارة المجتمع، ولا تتحول تلقائيًا إلى تفويض دائم لتقرير مصير الدولة. القدرة على خوض الحروب ليست هي القدرة على بناء السلام، ولا تساوي بالضرورة امتلاك رؤية لإدارة دولة، أو بناء مؤسساتها، أو إنقاذ اقتصادها، أو تنظيم تعدديتها السياسية. هذه مجالات مختلفة تمامًا، ولكل منها شرعيتها ومعاييرها الخاصة. ولهذا فإن الاعتراف بتضحيات أي جماعة لا يقتضي التسليم لها بقيادة المجتمع، كما أن احترام من قاوم لا يعني تعليق المحاسبة السياسية.

 

قد تدفع المعاناة الإنسان إلى الدفاع عن العدالة، وإلى السعي لمنع الآخرين من اختبار الألم نفسه. لكن في خطاب حزب الله، لا تبقى المعاناة مجرد تجربة إنسانية تستحق الاحترام، بل تُعاد صياغتها بوصفها مصدرًا لشرعية أخلاقية خاصة، يُراد من خلالها إنتاج شعور بالتفوق الرمزي، وإقناع المجتمع بأن من دفع الكلفة الأكبر يملك دينًا أخلاقيًا على الآخرين.

ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته بهرمية المعاناة؛ نظام رمزي تُرتب فيه الجماعات لا وفق حقوقها المتساوية كمواطنين، بل وفق مقدار الألم الذي تدّعي أنها تحملته. غير أن القيمة الأخلاقية للتضحية لا تكمن في حجم الألم الذي احتملته، بل في الغاية التي تنتهي إليها. فالتضحية تبلغ معناها عندما تتحول إلى التزام بحماية المجتمع من تكرار المأساة، كون المعيار الأخلاقي الحقيقي ليس عدد الضحايا الذين سقطوا، بل عدد الضحايا الذين حالت تلك التضحيات دون سقوطهم في المستقبل. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث