لم يكد الجدل حول "المناطق التّجريبيّة" في جنوب لبنان يبدأ، حتّى ظهرت ثغرةٌ أساسيّة في الصّيغة المتداولة: المنطقتان اللّتان وقع عليهما الاختيار لبدء التّجربة، زوطر الغربيّة وفرون، ليستا واقعتين أصلًا تحت الاحتلال الإسرائيليّ المباشر.
والحقّ فإنّ هذه المعطيات تمسّ جوهر التّجربة ووظيفتها. فإذا كانت الغاية المعلنة اختبار جدّيّة إسرائيل في الانسحاب، فكيف يمكن اختبار هذا الانسحاب في قريتين لا توجد فيهما قوّات إسرائيليّة حاليًّا؟ هنا، تنتقل المسألة من سؤال الانسحاب إلى سؤال آخر: هل صُمّمت المناطق التّجريبيّة لاختبار التزام إسرائيل فعلًا، أم لاختبار الجيش اللّبنانيّ و"حزب الله" وحدهما؟
أربع مسائل يُفترض أن تختبرها التّجربة
يقول الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، لـ"المدن"، إنّ ما يمكن استخلاصه من الاتفاق الإطاريّ هو أنّ المناطق التّجريبيّة وُضعت لاختبار أربع مسائل أساسيّة.
تتعلّق المسألة الأولى بمدى جدّيّة جيش الاحتلال الإسرائيليّ في الانسحاب، والثّانية بمدى جاهزيّة الجيش اللّبنانيّ للانتشار وتفكيك البنية التّحتيّة العسكريّة. أمّا الثّالثة، فتتّصل بمدى تجاوب "حزب الله" مع التّرتيبات الجديدة، فيما ترتبط الرّابعة بعودة السّكّان وبدء عمليّة إعادة الإعمار.
لكنّ اختيار زوطر الغربيّة وفرون، وفق جوني، جاء مفاجئًا، لأنّ القريتين ليستا محتلّتين حاليًّا. وبالتّالي، لا يمكن استخدامهما لقياس مدى جدّيّة الجيش الإسرائيليّ في الانسحاب، فيما تبقى الاختبارات الثّلاثة الأخرى قائمةً، وفي مقدّمها قدرة الجيش اللّبنانيّ على الانتشار ومدى تجاوب "حزب الله".
بهذا المعنى، تبدأ المرحلة التّجريبيّة باختبار لبنان، من دون أن تضع إسرائيل أمام اختبار موازٍ. فالجيش اللّبنانيّ سيكون مطالبًا بالانتشار والتّفتيش وضبط المنطقة، و"حزب الله" سيكون مطالبًا بإثبات تجاوبه، فيما لا يترتّب على جيش الاحتلال، في هاتين القريتين تحديدًا، تنفيذ انسحاب فعليّ يمكن قياسه أو الحكم على جدّيّته.
لماذا زوطر الغربيّة وفرون؟
قد يكمن تفسير اختيار القريتين في موقعهما الجغرافيّ والعسكريّ. فهما تقعان عند تخوم ما يُسمّى "الخطّ الأصفر"، وليستا بعيدتين عن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أو تنشط فيها عسكريًّا.
كما تُعدّان جزءًا من نطاق العمليّات العسكريّة، وقد شهدت زوطر الغربيّة، على وجه الخصوص، مناورات إسرائيليّة. ولذلك، يمكن أن يشكّل الانتشار فيهما اختبارًا لقدرة الجيش اللّبنانيّ على تثبيت حضوره في منطقة شديدة الحساسيّة، ولقدرة الدّولة على منع إعادة بناء أيّ بنية عسكريّة خارج سلطتها.
لكنّ هذه الاعتبارات لا تلغي المفارقة الأساسيّة: التّجربة التي يُفترض أن تختبر انسحاب الاحتلال تبدأ من أرض غير محتلّة فعليًّا. وهذا ما يجعلها أقرب إلى اختبار أمنيّ داخليّ للبنان، لا إلى خطوةٍ متوازنة تفرض التزاماتٍ متقابلةً على الطّرفين.
والأخطر أنّ نجاح التّجربة أو فشلها قد يُبنى عليه مستقبل الانسحاب من مناطق أخرى. فإذا اعتبرت إسرائيل أنّ الجيش اللّبنانيّ لم يحقّق الشّروط المطلوبة، يمكنها وقف الانتقال إلى مراحل إضافيّة، والإبقاء على احتلالها في المناطق التي توجد فيها قوّاتها بالفعل.
هكذا، تصبح زوطر الغربيّة وفرون بوّابةً لاختبار أداء لبنان، وممرًّا إلزاميًّا نحو أيّ انسحاب إسرائيليّ لاحق، من دون أن يبدأ المسار بانسحاب إسرائيليّ حقيقيّ، وفق جوني.
ملحقٌ أمنيّ مجهول
لا تقتصر المشكلة على اختيار المنطقتين، بل تتّصل أيضًا بآليّة التّحقّق وبالملحق الأمنيّ المفترض أن ينظّم تنفيذ الاتفاق.
حتّى الآن، لا يزال مصير هذا الملحق غير واضح. فلا يُعرف ما إذا كان قد أُنجز وبقي سرّيًّا، أم أنّه لم يصدر بعد، أو أنّه لم يُعَدّ أصلًا بانتظار اجتماعات واتّصالات إضافيّة.
ووفقًا لما يورده جوني، يُفترض أن يحدّد الملحق المناطق التّجريبيّة الأخرى، بالتّوافق بين الجيش اللّبنانيّ وجيش الاحتلال الإسرائيليّ. كما يُفترض أن يضع آليّة التّحقّق وكيفيّة تنفيذها، وأن يتضمّن تفاصيل إجرائيّة تتعلّق بالانتشار والتّفتيش وتقييم نتائج المرحلة الأولى.
لكنّ غياب الملحق عن العلن يترك الأسئلة الأكثر خطورة بلا أجوبة. فمن يقرّر أنّ المنطقة أصبحت خاليةً من عناصر "حزب الله" ومن بنيته العسكريّة؟ وما هي المعايير المعتمدة؟ وهل يكفي أن تعلن إسرائيل عدم اقتناعها بنتائج الانتشار كي تتوقّف عمليّة الانسحاب؟
الأهمّ من ذلك، هل يمنح الملحق جيش الاحتلال حقّ العودة إلى المناطق التّجريبيّة إذا اعتبر أنّ الجيش اللّبنانيّ لم ينجح في تنفيذ المطلوب؟
يرى جوني أنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تبقى مستحيلةً قبل الاطّلاع على مضمون الملحق الأمنيّ. لكنّ مجرّد بقاء هذه الصّلاحيّات المحتملة طيّ السّرّيّة يجعل لبنان أمام اتفاقٍ لا يعرف بالكامل حدود الالتزامات التي يرتّبها عليه، ولا حجم الحقوق التي قد يمنحها للطّرف الإسرائيليّ.
الأميركيّ مراقبًا وضامنًا
بحسب جوني للاتفاق، ستقع مسؤوليّة التّحقّق، بصورة أساسيّة، على الجانب الأميركيّ، وتحديدًا الجيش الأميركيّ. لكنّ إسناد هذه المهمّة إلى واشنطن لا يبدّد الغموض تلقائيًّا، ما لم تكن آليّة التّحقّق واضحةً ومعلنةً وملزمةً لجميع الأطراف.
فالفارق كبير بين آليّةٍ دوليّة تتحقّق من التزام الطّرفين، وآليّةٍ تتحوّل عمليًّا إلى فحصٍ مستمرّ لمدى تنفيذ لبنان الشّروط الأمنيّة الإسرائيليّة.
وفي حال بقيت إسرائيل صاحبة الحقّ في الاعتراض على نتائج التّحقّق، أو في إعلان فشل التّجربة، فلن يكون الدور الأميركيّ ضمانةً كافيةً. بل قد يصبح وسيطًا في إدارة اعتراضات إسرائيل، بدل أن يكون ضامنًا لانسحابها.
من هنا، لا يعود السّؤال محصورًا بالجهة التي ستراقب، بل بالمعايير التي ستعتمدها، وبالطّرف الذي يملك القرار النّهائيّ عند وقوع خلاف. فإذا احتفظت إسرائيل بحقّ العودة أو التّدخّل بالنّيران، فإنّ الانتشار اللّبنانيّ سيبقى محكومًا بوصايةٍ أمنيّة غير معلنة، مهما كان شكل آليّة التّحقّق.
انسحابٌ مؤجّل بشروط مفتوحة
تزداد الشّكوك في طبيعة المسار مع إصرار إسرائيل على ربط أيّ انسحاب أوسع بنزع سلاح "حزب الله" في لبنان كلّه، لا في المنطقة الواقعة جنوب نهر اللّيطانيّ وحدها.
فهذا الرّبط ينقل الاتفاق من ترتيبات ميدانيّة قابلة للقياس إلى شرطٍ سياسيّ وأمنيّ واسع، لا يملك جدولًا زمنيًّا واضحًا، ولا يمكن حسمه ضمن مرحلة تجريبيّة محدودة.
وعندما يصبح الانسحاب الإسرائيليّ مرتبطًا بملفّ السّلاح في كلّ لبنان، تفقد المناطق التّجريبيّة وظيفتها المرحليّة. إذ تستطيع إسرائيل الانتقال في أيّ وقت من تقييم الوضع داخل قريةٍ أو نطاق جغرافيّ محدّد، إلى القول إنّ الخطر لا يزال قائمًا في بيروت أو البقاع أو أيّ منطقة أخرى.
بهذه الطّريقة، يتحوّل الانسحاب من التزامٍ إلى مكافأة، ومن حقّ لبنانيّ إلى خطوةٍ تقرّر إسرائيل توقيتها وشروطها وحدودها. كما يتحوّل الاحتلال من وضعٍ يفترض إنهاءه إلى أداة ضغط مرتبطة بملفّات الدّاخل اللّبنانيّ.
لبنان أمام الاختبار وحده
تؤكّد المعطيات الجديدة أنّ المأزق لا يكمن في مبدأ انتشار الجيش اللّبنانيّ، وهو مطلب سياديّ لا خلاف عليه، بل في الصّيغة التي يُراد وضع هذا الانتشار ضمنها.
فلبنان مطالبٌ بإثبات قدرة جيشه، وضبط حركة "حزب الله"، وتفكيك البنى العسكريّة، وتأمين عودة السّكّان، وإطلاق الإعمار. في المقابل، لا يزال التزام إسرائيل بالانسحاب غامضًا، فيما تحتفظ بالسّيطرة بالنّيران، وتربط أيّ خطوةٍ إضافيّة بشروطٍ متحرّكة.
وبذلك، تصبح إسرائيل المراقب والحَكَم في الوقت نفسه. تراقب أداء الجيش اللّبنانيّ، وتقيّم تجاوب "حزب الله"، وتقرّر نجاح المرحلة أو فشلها، ثمّ تختار ما إذا كانت ستنسحب من مناطق إضافيّة أم ستُبقي احتلالها قائمًا.
أمّا لبنان، فيتحرّك بين خيارين أحلاهما مُرّ. فرفض المناطق التّجريبيّة قد يُستخدم ذريعةً لإدامة الاحتلال والتّصعيد، فيما قد يؤدّي قبولها من دون ضماناتٍ وآليّات واضحة إلى تكريس صيغةٍ تمنح إسرائيل حقّ الإشراف الأمنيّ والتّدخّل المستمرّ.
قد تكون التّجربة مقدّمةً لانتشار الجيش اللّبنانيّ، لكنّها، بصيغتها الحاليّة، لا تقدّم دليلًا موازيًا على استعداد إسرائيل للانسحاب. وبدل أن تبدأ باستعادة أرضٍ محتلّة، تبدأ باختبار السّلطة اللّبنانيّة فوق أرضٍ لبنانيّة، فيما يبقى الاحتلال الفعليّ خارج نطاق الاختبار، بانتظار نتائج تملك إسرائيل وحدها حقّ تفسيرها.




