ليس أخطر على الأوطان من أن تُحاصَر بين مشروعَين يتنازعانها من خارج مفهوم الدّولة. حين يتحوّل القرار الوطني إلى رهينة خيارات عابرة للحدود من جهة، وإلى ضحيّة ابتزازٍ دائم يُمارَس باسم الواقعيّة أو الاستقرار أو التوازنات الهشّة من جهة أخرى، تصبح الدّولة نفسها موضوع نزاع، ويغدو الدستور تفصيلاً قابلاً للتأجيل، وتتحوّل السّيادة إلى مادّة تفاوض بين أصحاب المصالح لا بين أصحاب القضايا. هذا هو واقع لبنان اليوم. هو يواجه كمّاشتين متلازمتين ومتقاطعتين في آنٍ معاً. كمّاشة استبلشمنتٍ رَهَنَ خياراته وموقعه ووظيفته السياسيّة لمشاريع تتجاوز الحدود الوطنيّة وتُخضع لبنان لحسابات إقليميّة ودوليّة لا تشبه مصالح اللبنانيّين ولا أولويّاتهم. وكمّاشة استبلشمنتٍ آخر خضع تدريجاً لمنطق الابتزاز، فاستبدل المواجهة بالتكيّف، والإصلاح بالترقيع، وبناء الدّولة بإدارة الانهيار. في الحالتين، النتيجة واحدة. إضعاف الدّولة، تقويض الدستور، تشويه مفهوم السّيادة، وتعميم ثقافة العجز الوطني.
الاستبلشمنت المرتهن لا يرى في لبنان وطناً نهائيّاً لمواطناته ومواطنيه، بل منصّة وظيفيّة ضمن مشروع أوسع منه. لذلك يُعيد تعريف السّيادة وفق مقتضيات الارتباط الخارجي، ويُعيد تفسير الأمن القومي وفق أولويّات غير لبنانيّة، ويَختَزِلُ المصلحة الوطنيّة بمقدار انسجامها مع مصالح القوى الراعية لذلك الارتباط. أمّا الاستبلشمنت الخاضع للإبتزاز، فقد بنى ثقافته السياسيّة على الخوف الدائم. الخوف من المواجهة، والخوف من التغيير، والخوف من تحمّل مسؤوليّات القرار. من هُنا بات يكتفي بإدارة الأزمات بدلاً من حلّها، وبإنتاج التسويات المؤقّتة بدل بناء الحلول المستدامة. وهو إذ يفعل ذلك، يعتقد أنّه يحمي الاستقرار، فيما يساهم فعليّاً في تمديد عمر الأزمة البنيويّة التي تهدّد الكيان والدّولة معاً.
لا تكمن المشكلة فقط في وجود هاتين الكمّاشتين، بل في تحالف نتائجهما الموضوعيّة ضدّ أيّ فرصة تاريخيّة للنهوض الوطني الدَّولتيّ. لبنان يقف اليوم أمام لحظة تاريخيّة نادرة. التحوّلات الجيو-سياسيّة الكبرى في الشرق الأوسط، إعادة رسم التوازنات الإقليميّة، تراجع أدوار بعض القوى التقليديّة، تصاعد منطق الدّولة في عدد من البيئات العربيّة، وتنامي الاهتمام الدولي باستقرار لبنان، كلّها عوامل تفتح نافذة استثنائيّة لإعادة تأسيس الدّولة اللبنانيّة على قاعدة الدستور والسّيادة والعدالة. لكنّ الكمّاشتين معاً تعملان على إجهاض هذه الفرصة. الأولى تخشى قيام دولة سيّدة لأنّ السّيادة تُنهي الوظيفة التي قامت عليها. والثانية تخشى قيام دولة فعّالة لأنّ الفعاليّة تُسقط منطق التكيّف والابتزاز الذي اعتادت عليه. لذلك تتقاطع مصالحهما عند نقطة واحدة، منع انتقال لبنان من دولة معلّقة إلى دولة مكتملة.
من هنا نفهم أسباب الهجوم المستمر على أيّ خطاب دستوري، وأيّ مشروع إصلاحي، وأيّ دعوة إلى احتكار الدولة وحدها للقرار السيادي والعسكري والأمني. قيام دولة الدستور لا يُهدّد المواطنين/ات، بل يُهدّد المنظومات التي تعيش على حساب المواطنين. لذلك أيضاً يُعاد إنتاج السرديّات نفسها كلّما اقترب لبنان من فرصة إنقاذ حقيقيّة. تارةً عبر تخويف اللبنانيّين/ات من الحرب الأهليّة، وطوراً عبر تسويق أوهام الانتصارات الوهميّة، وأحياناً عبر تصوير أيّ مطلب سيادي على أنّه استهداف لفئة أو مكوّن. والغاية واحدة. إبقاء المجتمع أسير الخوف بدل أن يصبح شريكاً في صناعة المستقبل.
إنّ أخطر ما تواجهه الجمهوريّة اللبنانيّة اليوم ليس فقط الأزمة السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الماليّة، بل الأزمة المعرفيّة التي تُنتجها ماكينة بروباغندا منظّمة وممنهجة.البروباغندا لم تعد مجرّد أداة إعلاميّة. لقد أصبحت صناعة متكاملة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي. وهي تقوم على قلب المفاهيم، وتشويه الوقائع، وإنتاج حقائق بديلة، وإحلال العاطفة مكان العقل، والانتماء الأعمى مكان المواطنة الواعية. تعمل هذه البروباغندا على غسل العقول بصورة يوميّة، ليس بهدف الإقناع فقط، بل بهدف الاستتباع. هي تسعى إلى تحويل المواطن/ة من صاحب/ة رأي إلى متلقٍّ سلبي، ومن شريك/ة في القرار إلى تابعٍ/ة لسرديّات جاهزة. والأخطر أنّها تستهدف الهويّة الحضاريّة للبنان نفسها. لبنان ليس مجرّد جغرافيا. إنّه مشروع حضاري قائم على التعدّديّة والحرّيّة والانفتاح والشراكة والمواطنة. وعندما تُستبدل هذه القيم بثقافة الغلبة أو الانغلاق أو الارتهان أو الخوف، يصبح الاعتداء على الهويّة أخطر من الاعتداء على الحدود.لذلك فإنّ مواجهة الكمّاشتين لا يمكن أن تتمّ عبر ردود فعل موسميّة أو بيانات سياسيّة عابرة. المطلوب بناء ديناميّات وطنيّة مستدامة تتقاطع حول هدف استراتيجي واحد. قيام دولة الدستور السيّدة الحرّة العادلة والمستقلّة. تقوم هذه المواجهة على ثلاث ديناميّات متكاملة.
أوّلاً- ديناميّة النّخب
لقد أثبتت التجارب أنّ غياب النّخب أو استسلامها يفتح المجال أمام الشعبويّات والدوغمائيّات لتحتكر الفضاء العام. لذلك تقع على النّخب الفكريّة والأكاديميّة والمهنيّة والإعلاميّة مسؤوليّة تاريخيّة في استعادة المعنى الحقيقي للمواطنة والسّيادة والدستور.المطلوب من النّخب أن تنتقل من موقع التشخيص إلى موقع التأثير، ومن توصيف الأزمة إلى قيادة مسارات الخروج منها. الدّولة لا تُبنى بالشعارات، بل بإنتاج الأفكار والسياسات والبدائل والقيادات الجديدة القادرة على تحويل القيم إلى مؤسّسات.
ثانياً- ديناميّة الاغتراب
يمثّل الاغتِراب اللبناني أحد أهمّ عناصر القوّة الوطنيّة غير المستثمرة بما يكفي. المغتربون/ات اللبنانيّون/ات ليسوا خزّاناً ماليّاً فقط، بل قوّة ضغط سياسي ودبلوماسي وثقافي هائلة.إنّ دور الاغتراب يتجاوز تحويل الأموال أو دعم العائلات. إنّه شريك أساسي في معركة استعادة الدّولة. الجاليات اللبنانيّة المنتشرة في العالم قادرة على التأثير في مراكز القرار، وعلى بناء شبكات دعم للبنان السيّد الحرّ المستقِلّ، وعلى نقل القضيّة اللبنانيّة من موقع الاستجداء إلى موقع الشراكة. كلّما تنظّمت هذه القوّة ضمن أطر مؤسّسيّة واضحة، ازدادت قدرتها على مواجهة مشاريع الارتهان والابتزاز معاً.
ثالثاً- ديناميّة الدبلوماسيّة العامّة
لقد انتهى زمن احتكار الدّول للعلاقات الدوليّة، وأصبحت مراكز الفكر والجامعات والمجتمع المدني والاغتراب والإعلام جزءاً من منظومة التأثير العالمي. من هنا تبرز أهميّة الدبلوماسيّة العامّة كأداة استراتيجيّة للدفاع عن لبنان وقضيّته. المعركة لم تعد عسكريّة أو سياسيّة فقط، بل معركة رواية وسرديّة وصورة ذهنيّة أيضاً. يحتاج لبنان إلى دبلوماسيّة عامّة تنطلق من الدستور، وتدافع عن السّيادة، وتشرح حقيقة أزمته، وتواجه البروباغندا المضادّة، وتعيد تثبيت هويّته الحضاريّة في الوعي العربي والدولي.
إنّ تلاقي هذه الديناميّات الثلاث يشكّل المدخل الحقيقي لإنتاج كتلة تاريخيّة وطنيّة عابرة للطوائف والمصالح الضيّقة. كتلة تؤمن بأنّ لبنان لا يُنقَذ بالارتهان، ولا يُحمى بالابتزاز، ولا يُبنى بالترقيع. المرحلة الراهنة ليست مرحلة إدارة الانهيار، بل مرحلة حسم الخيارات. إمّا دولة دستوريّة سيّدة حرّة عادلة ومستقلّة، وإمّا استمرار دوران البلاد داخل حلقة مفرغة من التبعيّة والتعطيل والاستنزاف. لقد أثبت التاريخ اللبناني أنّ كلّ رهان على الخارج ينتهي إلى خيبة، وأنّ كلّ تسوية تقوم على الخوف تتحوّل إلى أزمة مؤجّلة. أمّا الرهان الوحيد القابل للحياة فهو الرهان على الدّولة. دولة تحتكر الشرعيّة، وتحمي التعدّديّة، وتصون الحرّيّات، وتفرض سيادة القانون، وتستعيد ثقة المواطنين/ات والمجتمعين العربي والدولي معاً.
بين كمّاشة الارتهان وكمّاشة الابتزاز يقف لبنان اليوم أمام امتحان وجودي. الجواب لن يأتي من المنظومات التي صنعت الأزمة، بل من اللبنانيّين/ات القادرين على صناعة البديل. إنّها لحظة وعي ومسؤوليّة ونضال. لحظة استعادة الدستور من خاطفيه، والسّيادة من مصادريها، والحقيقة من بروباغندا قتلها اليومي. الدّول لا تموت حين تُحاصَر، بل حين تستسلم. ولبنان، إذا أحسن قراءة لحظته التاريخيّة، قادرٌ على كسر الكمّاشتين معاً والانطلاق نحو قيامته الدستوريّة والسياديّة المنشودة.




