اتفاق واشنطن وتقاطعات المصالح: احتمالات التعثّر ليست قليلة

مانشيت - المدنالاثنين 2026/06/29
اسرائيل على الحدود (غتي)
بعد أيام قليلة على توقيع الاتفاق، حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفه. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في اللحظات الباكرة من انطلاقته، يعيش الاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة اختبارًا حرجًا على أرض الواقع، نتيجة تناقض المصالح وتقاطعها ومحاولات التعطيل الموازية. ولكن، على الرغم من هذا التحدّي، يتحرّك قطار التنفيذ بصعوبة. وهنا برز الاجتماع الذي عقده قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، مع قائد القيادة المركزية الأميركية في المنطقة الوسطى، الجنرال براد كوبر، والذي ناقش سبل تعاطي المؤسّسة العسكرية اللبنانية مع الاتفاق، بالتعاون مع الجانب العسكري الأميركي، وهو المحكّ الذي تترقّبه إسرائيل، على الأرجح، باعتباره معيارًا للتطبيق من الجانب اللبناني.

ووفق ما يُسرَّب إعلاميًّا من تل أبيب، تشترط الرؤية الإسرائيلية تسلسلًا تنفيذيًّا يبدأ بتفكيك البنى التحتية لـ"حزب الله" ونزع سلاحه، بدءًا من المنطقتين اللتين حدّدهما الجيش الإسرائيلي نموذجًا أوّليًّا، كشرط مسبق لأيّ خطوة تالية. وترفض إسرائيل الالتزام بجدول زمنيّ محدّد لخروجها من لبنان، مستبدلة مصطلح "الانسحاب" بعبارة "إعادة الانتشار"، مع تمسّكها بالبقاء في ما تسمّيه "المنطقة الأمنية"، حتى تثبت الوقائع الميدانية قدرة الجيش اللبناني على منع عودة الحزب. وهذا يضع لبنان في مأزق خطِر على أرض الواقع. فـ"الحزب" يرى في بنود الاتفاق المتمثّلة بنزع السلاح تهديدًا وجوديًّا له، وهذا ما يدفعه إلى العمل لإجهاض الاتفاق بكلّ الوسائل المتاحة، دستوريًّا وعلى أرض الجنوب.

وأمّا الدولة اللبنانية، فيضعها الاتفاق أمام اختبار تاريخيّ لبسط السيادة الكاملة، مستفيدةً من زخم دوليّ وإقليميّ، برز خصوصًا في الترحيب اللافت من دول مجلس التعاون الخليجي بهذا الاتفاق، والذي يمنحها غطاءً عربيًّا وازنًا يدعم شرعيّتها في ممارسة السيادة. لكنّ الإشكالية تكمن في قدرة الدولة على تجاوز عقود مضت أظهرت فيها عجزها عن أداء دورها، نتيجة توازنات القوى الداخلية المعقّدة. كلّ ذلك وسط هواجس تصعيد عسكريّ جديد محتمل في الإقليم، قد يتيح استخدام جبهة لبنان في المواجهة مجدّدًا، ما يجعل الميدان اللبناني مرشّحًا لجولات أخرى من العنف. وفي أيّ حال، لم يعش الجنوب لحظة هدوء منذ توقيع الاتفاق. فالغارات والتهديدات وأعمال التفجير لم تتوقّف، وأبرزها تفجير نفق مجدل زون ليل أمس.

لذلك، قد يكون اتفاق واشنطن في بداية مسار شديد التعقيد. وإذا كان اجتماع هيكل وكوبر يعكس جدّيّة المساعي الأميركية واللبنانية لبدء التطبيق، وإذا كان الترحيب الخليجي يمنحه غطاءً عربيًّا وازنًا، فإنّ التنفيذ يبقى معلّقًا بين مطرقة شروط إسرائيل بربط تحرّكاتها بنزع السلاح أوّلًا، وسندان سعي "حزب الله" إلى إسقاط مفاعيل الاتفاق لحماية ما بقي من قدراته العسكرية.

 

بري يفتح مواجهة سياسية مع الاتفاق

بعد أيام قليلة على توقيع الاتفاق، حسم رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفه، مطلقًا عمليًّا رصاصة سياسية على الصيغة التي أُنجزت في واشنطن. لم يتعامل بري مع الاتفاق بوصفه تسوية قابلة للتحسين، بل باعتباره مجموعة "إملاءات" تنتقص من حقوق لبنان، وتؤسّس لاختلال طويل الأمد في موازين السيادة والأمن.

وصف بري الاتفاق بأنّه أسوأ بعشر مرّات من اتفاق 17 أيار، محذّرًا من أنّه قد يتحوّل إلى فتنة تهدّد وحدة اللبنانيين. وتكمن خطورة هذا الموقف في أنّه لا يصدر عن قوّة اعتراضية عادية، بل عن رئيس السلطة التشريعية والمرجعية السياسية الأبرز داخل البيئة الشيعية. وهذا يعني أنّ الاتفاق دخل، منذ لحظته الأولى، في أزمة شرعية داخلية تتجاوز الاعتراض على بعض البنود إلى رفض المسار السياسي الذي أنتجها.

لكنّ بري حرص، في المقابل، على ضبط الاعتراض داخل المؤسّسات، رافضًا تحرّكات الشارع التي قد تدفع البلاد نحو الفوضى. وأكّد مشاركة وزراء حركة "أمل" في جلسات مجلس الوزراء لمواجهة الاتفاق سياسيًّا من داخله، في محاولة للفصل بين إسقاط الاتفاق وإسقاط الدولة. كما رسم خطًّا أحمر حول الجيش، محذّرًا من المساس بقيادته أو زجّه في الصراع السياسي، لأنّ أيّ اهتزاز يصيب المؤسّسة العسكرية سيحوّل الخلاف على الاتفاق إلى مواجهة بين مكوّنات الدولة نفسها.

أمّا إعلانه انقطاع العلاقة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، فيكشف أنّ الأزمة لم تعد محصورة بين مؤيّدي الاتفاق ومعارضيه، بل بدأت تضرب رأس السلطة. فغياب التواصل بين بعبدا وعين التينة في لحظة وطنية بهذه الحساسية يعني تعطّل واحدة من أهمّ قنوات إدارة التوازنات اللبنانية.

 

ملحق أمنيّ يقيّد الانسحاب ويمنح إسرائيل اليد العليا

المشكلة الأكثر خطورة لا تكمن في النصّ المعلن وحده، بل في ما تسرّب عن ملحق أمنيّ سرّي احتفظت به الأطراف بعيدًا من النقاش اللبناني العام. ووفق الرواية الإسرائيلية، يكرّس الملحق حرّيّة عمل الجيش الإسرائيلي داخل ما تسمّيه تل أبيب "الخطّ الأصفر"، ويتيح له تنفيذ عمليات ضدّ أيّ تهديد تعتبره ناشئًا أو مباشرًا.

إذا صحّت هذه التسريبات، فإنّ الاتفاق لا يحدّد نهاية واضحة للاحتلال، بل يحوّل الانسحاب إلى قرار إسرائيلي مشروط بالتقييم الميداني. وبذلك تصبح إسرائيل الطرف الذي يحدّد مستوى التزام لبنان، ويقرّر نجاح انتشار الجيش أو فشله، ويختار توقيت إعادة الانتشار وحدودها.

هذا الترتيب يقلب معادلة التنفيذ رأسًا على عقب. فبدل أن تنسحب إسرائيل ثمّ تتولّى الدولة اللبنانية مسؤولياتها، يصبح على لبنان أن ينزع سلاح "حزب الله" ويفكّك منشآته ويمنع عودته، قبل أن تبحث إسرائيل في أيّ خطوة مقابلة. وبذلك تحصل تل أبيب على الالتزام اللبناني مسبقًا، من دون أن تمنح لبنان ضمانة بانسحاب كامل أو جدول زمنيّ ملزم.

 

الجيش أمام امتحان يتجاوز قدراته العسكرية

زيارة الجنرال براد كوبر إلى بعبدا واليرزة لم تكن بروتوكولية. فهي تعكس انتقال الولايات المتحدة من رعاية الاتفاق سياسيًّا إلى إدارة تطبيقه ميدانيًّا. ويبدو الجيش اللبناني في قلب هذه العملية، لأنّ نجاح الاتفاق أو سقوطه سيُقاسان بقدرته على تسلّم المنطقتين التجريبيتين، وتفكيك البنى العسكرية غير الشرعية، ومنع إعادة تشكيلها.

غير أنّ المهمة ليست عسكرية فقط. فالجيش سيعمل داخل بيئة اجتماعية وسياسية مرتبطة بـ"حزب الله"، وتحت ضغط إسرائيلي متواصل، ومن دون إجماع لبناني واضح حول الاتفاق. وهذا يضعه بين خطرين، الاصطدام بالحزب إذا نفّذ الشروط الإسرائيلية، أو اتّهامه بالعجز والتواطؤ إذا لم ينفّذها بالسرعة المطلوبة.

لذلك، يصبح الدعم الأميركي للجيش عاملًا ضروريًّا، لكنّه غير كافٍ. فالمؤسّسة العسكرية تحتاج إلى قرار سياسيّ موحّد وغطاء داخليّ، لا إلى معدّات وتدريب فحسب. ومن دون هذا الغطاء، قد تتحوّل المناطق التجريبية إلى اختبار استنزاف للجيش، بدل أن تكون نموذجًا لبسط السيادة.

 

إسرائيل تستخدم النار لتفسير الاتفاق

ميدانيًّا، لم تتصرّف إسرائيل كطرف دخل مرحلة تهدئة، بل كقوّة ترى أنّ الاتفاق يمنحها شرعية إضافية لمواصلة عملياتها. تفجير نفق وادي حسن في مجدل زون، والغارات على النبطية وميفدون وفرون ودير سريان والطيبة، ونسف المنازل في الخيام، كلّها رسائل تؤكّد أنّ تل أبيب لا تفصل بين التفاوض والضغط العسكري.

الإعلان الإسرائيلي عن تدمير نفق بطول مئتي متر وعمق يتجاوز خمسة وعشرين مترًا يهدف إلى تثبيت رواية مفادها أنّ خطر "حزب الله" لا يزال قائمًا، وأنّ استمرار العمليات ضرورة أمنية لا خرقًا للاتفاق. وهكذا تتحوّل كلّ منشأة تكتشفها إسرائيل إلى ذريعة لتأجيل الانسحاب، وكلّ تأخير لبناني إلى مبرّر لتوسيع المنطقة العازلة.

في المقابل، يتمسّك "حزب الله" بحقّه في الردّ، معتبرًا الغارات والتفجيرات انتهاكًا فاضحًا لوقف إطلاق النار. لكنّ هذا الموقف لا يخلو من مأزق. فالردّ العسكري قد يمنح إسرائيل الذريعة لإسقاط الاتفاق وتوسيع الحرب، فيما يؤدّي الامتناع عن الردّ إلى إضعاف صورة الحزب داخل بيئته، ويكرّس خسارته التدريجية لحرّيّة الحركة في الجنوب.

 

واشنطن تضبط الحرب ولا تمنح لبنان ضمانات

تكشف تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن دور أميركيّ حاسم في ضبط إيقاع العمليات. فبحسب كاتس، أدّى ربط الجبهة اللبنانية بمسار المواجهة مع إيران إلى وقف عمليات إسرائيلية في بيروت، ومنع انهيار "حزب الله". كما تحدّث عن خمس مكالمات بين بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتهت الأخيرة منها بفرض قيود على التصعيد الإسرائيلي.

تكشف هذه الرواية أنّ واشنطن لا تتعامل مع لبنان كملفّ مستقلّ، بل كورقة داخل تفاوض إقليميّ أوسع. وهذا يمنحها القدرة على كبح إسرائيل، لكنّه يجعل الاستقرار اللبناني رهينة تحوّلات العلاقة الأميركية الإيرانية. فإذا تبدّلت الأولويات، قد تسقط القيود نفسها التي منعت توسيع الحرب.

 

سلام مشروط أم إدارة طويلة للصراع؟

تقدّم إسرائيل الاتفاق بوصفه مدخلًا إلى السلام، لكنّ تصريحات مسؤوليها تجعل هذا السلام مشروطًا بنزع سلاح "حزب الله" وإنهاء النفوذ الإيراني وضمان الأمن الإسرائيلي. ويعني ذلك أنّ التطبيع ليس نتيجة مباشرة للاتفاق، بل جائزة مؤجّلة مرتبطة بإعادة تشكيل ميزان القوى داخل لبنان.

عمليًّا، لا يبدو اتفاق واشنطن تسوية نهائية، بل إطارًا لإدارة صراع طويل تحت رقابة أميركية. إسرائيل تريد منطقة أمنية وحرّيّة عمل عسكري، و"حزب الله" يريد حماية ما بقي من قدراته، والدولة تريد استعادة السيادة من دون حرب أهلية، فيما تسعى واشنطن إلى منع انفجار الجبهة ضمن حساباتها مع إيران.

وبين هذه المشاريع المتناقضة، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان تحويل الاتفاق إلى فرصة لبناء دولة صاحبة قرار، أم يتحوّل الاتفاق إلى مظلّة جديدة لاحتلال متحرّك وصراع داخلي مفتوح؟ الإجابة لن تُكتب في البيانات الدبلوماسية، بل في قدرة السلطة على توحيد موقفها، وفي أداء الجيش، وفي حدود الضغط الأميركي على إسرائيل، وفي قرار "حزب الله" بين الاندماج في الدولة أو مواجهة مسار قد يهدّد بنيته العسكرية والسياسية معًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث