في وقتٍ تصف فيه إسرائيل الاتّفاق الموقَّع مع لبنان والولايات المتّحدة بأنّه إنجازٌ سياسيّ قد يفتح الباب أمام مرحلةٍ جديدة، تؤكّد التّقديرات الإسرائيليّة أنّ التّحدّي الحقيقيّ يبدأ بعد التّوقيع، وسط اعتقادٍ بأنّ "حزب الله" سيحاول إفشال الاتّفاق، فيما يبقى نزع سلاحه، وفق الرّؤية الإسرائيليّة، شرطًا أساسيًّا لتحقيق أيّ تقدّمٍ نحو سلامٍ دائم.
وبحسب تقريرٍ للصحافيّ عيدان كولر، نشره موقع "واللا" الإسرائيليّ، ترى إسرائيل أنّ الاتّفاق الإطاريّ الموقَّع بينها وبين لبنان والولايات المتّحدة يمثّل "إنجازًا سياسيًّا مهمًّا"، فيما تذهب بعض الأوساط الإسرائيليّة إلى وصفه بـ"التّاريخيّ".
لكنّ الاتّفاق، وفق التّقرير، يعكس في الوقت نفسه واقعًا تعتبره إسرائيل قائمًا منذ سنوات، ومفاده أنّ الطّريق إلى السّلام يمرّ عبر نزع سلاح "حزب الله"، الذي تعتقد أنّه "لا ينوي السّماح بذلك".
مخاوف من تعطيل المسار
يشير التّقرير إلى أنّ التّقديرات الإسرائيليّة لا تزال ترجّح أن يبذل "حزب الله" كلّ ما في وسعه من أجل "إخراج قطار السّلام عن مساره".
ووفق المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة، فإنّ الحزب ليس طرفًا في الاتّفاق، لكونه، بحسب توصيفها، "منظّمة إرهابيّة"، إلّا أنّ عدم مشاركته لا يحدّ من قدرته على تعطيل التّنفيذ أو عرقلة المسار السّياسيّ.
وتعتبر إسرائيل أنّ الاتّفاق أُبرم بين دولتين ذواتي سيادة، هما لبنان وإسرائيل، تعترف كلٌّ منهما بالأخرى، وترغبان في العيش بسلام. غير أنّ الاختبار الفعليّ، بحسب التّقرير، يكمن في قدرة الدّولة اللبنانيّة على فرض سيادتها على أقوى تنظيمٍ موجودٍ على أراضيها.
نزع السّلاح وتعزيز دور الجيش
ينصّ الاتّفاق، من النّاحية النّظريّة، على نزع السّلاح من جنوب لبنان، وتجريد "حزب الله" وسائر التّنظيمات غير التّابعة للدّولة من أسلحتها، إلى جانب تعزيز دور الجيش اللبنانيّ.
لكنّ التّقرير يقرّ، في المقابل، بأنّ الدّولة اللبنانيّة لم تتمكّن، طوال عقود، من تنفيذ هذه المهمّة أو بسط سيطرتها الكاملة على جميع أراضيها.
وفي هذا السّياق، تشدّد إسرائيل على استخدام مصطلح "إعادة انتشار" بدلًا من "الانسحاب"، مشيرةً إلى أنّ كلمة "انسحاب" لا ترد أصلًا في نصّ الاتّفاق، وفق الرّواية الإسرائيليّة.
منطقتان لاختبار التّنفيذ
بحسب مصادر إسرائيليّة، حدّد الجيش الإسرائيليّ منطقتين يمكن أن تشكّلا نموذجًا أوّليًّا لتطبيق التّرتيبات الجديدة، بحيث يعيد انتشار قوّاته فيهما، مقابل دخول الجيش اللبنانيّ وتفكيك ما تصفه إسرائيل بالبُنى التّحتيّة التابعة لـ"حزب الله".
وتشمل هذه البُنى، وفق المصادر نفسها، الأنفاق والمواقع والوسائل العسكريّة، على أن يُثبت الجيش اللبنانيّ قدرته على السّيطرة على المنطقتين ومنع عودة الحزب إليهما.
ويضيف التّقرير أنّ إسرائيل لن تبحث في تنفيذ مراحل إضافيّة من إعادة الانتشار إلّا بعد أن تُثبت الوقائع الميدانيّة نجاح التّجربة الأولى.
لا جدول زمنيًّا لإعادة الانتشار
لا تلتزم إسرائيل، بحسب التّقرير، بأيّ جدولٍ زمنيّ لتنفيذ عمليّة إعادة الانتشار، إذ تعتبر أنّ التّرتيب الجديد يختلف عن الاتّفاقات السّابقة.
فالمطلوب، وفق الرّؤية الإسرائيليّة، لم يعد انسحاب إسرائيل أوّلًا، ثمّ انتظار معالجة ملفّ "حزب الله"، بل بات التّسلسل يبدأ بنزع السّلاح، يليه الانتقال إلى إعادة الانتشار.
ونقل التّقرير عن مصدرٍ إسرائيليّ قوله: "ما دام ذلك لم يتحقّق، فعلى إسرائيل أن تبقى في منطقةٍ أمنيّة تحميها من حزب الله أو أيّ تنظيمٍ غير تابعٍ للدّولة".
اعترافٌ متبادل دون تطبيعٍ كامل
يتناول التّقرير البُعد السّياسيّ للاتّفاق، مشيرًا إلى أنّه يتضمّن اعترافًا متبادلًا بحقّ كلٍّ من لبنان وإسرائيل في الوجود والعيش بسلام، بوصفهما دولتين جارتين ذواتي سيادة.
ويرى التّقرير أنّ إدراج هذه اللّغة في وثيقةٍ رسميّة بين الجانبين كان، حتّى وقتٍ قريب، أمرًا شبه مستحيل، وإن كانت الصّيغة المطروحة لا ترقى بعد إلى مستوى التّطبيع الكامل.
وفي المقابل، لا يحسم الاتّفاق مستقبل "حزب الله" السّياسيّ، ولا يصنّفه كيانًا غير قانونيّ. أمّا مسألة مشاركة ممثّليه في البرلمان والحكومة، فمن المفترض أن تُبحث لاحقًا ضمن مفاوضات اتّفاق السّلام النّهائيّ.
ويعني ذلك، بحسب التّقرير، أنّ الحزب سيبقى، حتّى بعد توقيع الاتّفاق، تنظيمًا عسكريًّا وحزبًا سياسيًّا وبنيةَ قوّةٍ وحليفًا لإيران في آنٍ واحد.
استعدادٌ إسرائيليّ لاحتمال التّصعيد
تؤكّد التّقديرات الإسرائيليّة أنّ المؤسّسة الأمنيّة تستعدّ لاحتمال تصعيدٍ من جانب "حزب الله"، وتتوقّع زيادة محاولات استهداف إسرائيل، معتبرةً أنّ هذا الاحتمال يعزّز الحاجة إلى مواصلة استهداف قدرات الحزب والعمل على نزع سلاحه.
كما تشير التّقديرات إلى أنّ إيران ستواصل محاولة استخدام "حزب الله" في مواجهة إسرائيل، على الرّغم من أنّ الاتّفاق يسعى، وفق التّقرير، إلى إبعادها عن المشهد.
وتشدّد إسرائيل على أنّها ليست طرفًا في أيّ اتّفاقٍ أميركيّ مع إيران، وأنّ التزامها يقتصر على الاتّفاق الموقَّع مع الحكومة اللبنانيّة.
ونقل التّقرير رسالةً إسرائيليّة مفادها أنّه "إذا استهدف حزب الله إسرائيل، فسيتعرّض لضرباتٍ أشدّ"، وأنّه إذا قرّرت إيران مهاجمة إسرائيل، فقد يكون ذلك، وفق التّهديد الإسرائيليّ، "خطأها الأخير".
بداية مسارٍ واختبارٌ للسّيادة
يخلص التّقرير إلى أنّ الاتّفاق الموقَّع في واشنطن لا يمثّل نهاية المسار، بل بدايته، إذ يمنح لبنان فرصةً لاستعادة سيادته، ويوفّر لإسرائيل آليّةً تدريجيّة لإعادة الانتشار، كما يمنح الولايات المتّحدة دورًا محوريًّا في تدريب الجيش اللبنانيّ والإشراف على أدائه.
غير أنّ الاتّفاق يضع جميع الأطراف أمام اختبارٍ حقيقيّ، يتمثّل في تحديد ما إذا كانت بنوده قابلةً للتّنفيذ على أرض الواقع، أم أنّه سيبقى مجرّد وثيقةٍ سياسيّة تصطدم بتعقيدات الميدان وتوازنات القوّة في لبنان والمنطقة.




