أميركا وإسرائيل: عندما بدأت السياسة تتغلب على العقيدة (4/2)

خلدون الشريفالاثنين 2026/06/29
تظاهرة مؤيدة لفلسطين في نيويورك (Getty)
التحول تجاه إسرائيل يحدث داخل المجتمع الأميركي نفسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يعد القلق داخل إسرائيل مصدره إيران أو حزب الله أو غزة وحدهم، بل واشنطن نفسها.

ففي المؤتمر الذي نظمته وكالة الأنباء اليهودية (JNS) في القدس قبل أيام، طغى سؤال واحد على معظم النقاشات: هل بدأ التحالف الأميركي- الإسرائيلي يدخل مرحلة جديدة؟ ولم يكن من قبيل المصادفة أن يجد السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي نفسه مضطراً إلى طمأنة الحضور بأن العلاقة بين البلدين ما زالت "متينة ولا تنفصم"، فيما سارع عدد من أبرز مؤيدي دونالد ترامب إلى الدفاع عنه أمام جمهور إسرائيلي بدا قلقاً بصورة غير مألوفة.

هذا القلق لا يتعلق فقط بمذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن مع إيران، ولا بطلب الإدارة الأميركية وقف إطلاق النار في لبنان، ولا حتى بالخلافات العلنية مع بنيامين نتنياهو. بل يتعلق بشعور متزايد داخل إسرائيل بأن أحد أهم ثوابتها الاستراتيجية؛ أي العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة، بدأ يدخل مرحلة مختلفة.

فمنذ قيام الدولة العبرية، قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فرضية تكاد تكون ثابتة: قد تختلف الإدارات الأميركية مع الحكومات الإسرائيلية، لكنها لا تختلف على إسرائيل نفسها. أما اليوم، فقد بدأ هذا الافتراض يخضع لأول اختبار جدي منذ عقود.

 

ترامب يقرأ ناخبيه

المفارقة أن هذا التحول لا يظهر داخل الحزب الديمقراطي وحده، بل بدأ يظهر أيضاً داخل البيئة السياسية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

فترامب الذي قدّم نفسه خلال ولايته الأولى باعتباره أكثر الرؤساء الأميركيين دعماً لإسرائيل، يتحدث اليوم بلغة مختلفة. وكذلك يفعل نائبه جي دي فانس وعدد متزايد من رموز التيار الشعبوي الجمهوري.

لا يعني ذلك أنهم أصبحوا أقل تأييداً لإسرائيل، بل إنهم أصبحوا أكثر حساسية تجاه أولويات الناخب الأميركي.

فترامب الأول سعى إلى تسجيل إنجازات تاريخية لإسرائيل: الاعتراف بالقدس عاصمة لها، والاعتراف بسيادتها على الجولان، ورعاية اتفاقات أبراهام. أما ترامب اليوم، فيقيس السياسة الخارجية بمعيار مختلف: كيف يتجنب الحروب الطويلة؟ وكيف يمنع استنزاف الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط؟ وكيف يترجم ذلك إلى مكاسب انتخابية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي؟

وفي هذا السياق، رأى الباحث السويدي-الأميركي من أصل إيراني تريتا بارسي أن تصريحات ترامب وفانس لا تعكس مجرد خلاف مع حكومة نتنياهو، بل قد تشير إلى بداية إعادة تعريف العلاقة الأميركية- الإسرائيلية نفسها؛ أي الانتقال من علاقة استثنائية تقوم على التزام شبه مطلق، إلى علاقة أكثر طبيعية تخضع، مثل غيرها من العلاقات الدولية، لحسابات المصالح والكلفة والعائد.

 

أميركا التي تتغير

غير أن التحول الأهم لا يجري داخل البيت الأبيض، بل داخل المجتمع الأميركي نفسه.

فالأجيال التي شكلت لعقود قاعدة الدعم التقليدي لإسرائيل تتقدم في السن، فيما تدخل الحياة السياسية والإعلامية والجامعية أجيال جديدة تنظر إلى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من زاوية مختلفة.

وبالنسبة إلى كثير من هؤلاء، لم تعد الحرب الباردة، أو ذاكرة المحرقة، أو حرب عام 1967 المرجعيات الوحيدة لفهم إسرائيل، بل أصبحت صور غزة، وقضايا حقوق الإنسان، والاحتلال، جزءاً أساسياً من تشكيل مواقفهم السياسية.

وقد وصف الكاتب الأميركي إزرا كلاين هذا المسار بأنه "تحول هادئ" داخل النخب الليبرالية الأميركية، حيث لم تعد كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة مع إسرائيل تحظى بالإجماع الذي تمتعت به طوال عقود.

ولم يعد هذا التحول محصوراً في الجامعات أو استطلاعات الرأي، بل بدأ ينعكس داخل صناديق الاقتراع نفسها. فقد حملت الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك مؤشرات سياسية لافتة، بعدما حقق ثلاثة من المرشحين المحسوبين على الجناح التقدمي، والقريبين سياسياً من زهران ممداني، نتائج بارزة في دوائر كانت تُعد من أكثر البيئات حساسية تجاه أي انتقاد لإسرائيل.

ولا تكمن أهمية هذه النتائج في أسماء الفائزين بقدر ما تكمن في الرسالة السياسية التي حملتها. فقد بدأت تتصدع ثلاث مسلمات حكمت الحياة السياسية الأميركية لعقود: أن انتقاد إسرائيل يشكل كلفة انتخابية، وأن دعم المنظمات المؤيدة لها يكفي لضمان الفوز، وأن الحرب في غزة تبقى قضية خارجية لا تؤثر في سلوك الناخب الأميركي.

 

وتعزز هذه المؤشرات ما أظهرته استطلاعات الرأي التي نشرها مركز Pew Research Center في شهر نيسان/ أبريل 2026، والتي سجلت تراجعاً ملحوظاً في مستويات التأييد لإسرائيل بين الشباب الأميركي، بما في ذلك داخل أوساط الشباب الجمهوري والشباب اليهود.

ولم يقتصر الأمر على استطلاعات الرأي. فقد كشفت المراجعة الداخلية التي أجراها الحزب الديمقراطي بعد انتخابات 2024، والتي كشف عنها موقع Axios، أن سياسة إدارة جو بايدن تجاه الحرب في غزة اعتُبرت، بحسب المشاركين في إعداد التقرير، «عاملاً سلبياً صافياً» في الأداء الانتخابي للحزب، بعدما ساهمت في خسارة جزء مهم من دعم الشباب والتقدميين. والأكثر دلالة أن هذه الخلاصة بقيت طي الكتمان لأشهر، في مؤشر إلى مدى حساسية التحول الذي أحدثته القضية الفلسطينية داخل السياسة الأميركية نفسها.

وهكذا، لم تعد السياسة الأميركية هي التي تتغير أولاً، بل المجتمع الأميركي الذي ينتج هذه السياسة.

 

هل انتهت الوظيفة التاريخية؟

هذا التحول لا يقتصر على المزاج الشعبي أو الحسابات الانتخابية.

فداخل الولايات المتحدة بدأت تظهر أسئلة لم تكن مطروحة بهذا الوضوح من قبل: هل ما تزال إسرائيل تؤدي الوظيفة الاستراتيجية التي جعلتها تحظى بهذا الموقع الاستثنائي داخل السياسة الأميركية؟

خلال الحرب الباردة، كانت إسرائيل تُقدَّم بوصفها قاعدة متقدمة للمصالح الأميركية في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت شريكاً رئيسياً في الحرب على الإرهاب.

أما اليوم، ومع انتقال مركز الثقل الأميركي نحو آسيا، وتصاعد المنافسة مع الصين، وعودة النزعات الانعزالية داخل المجتمع الأميركي، فقد بدأت تُطرح أسئلة جديدة حول كلفة هذا الارتباط، وحول ما إذا كانت إسرائيل ما تزال تحقق المردود الاستراتيجي نفسه الذي حققته في العقود السابقة.

ولذلك، فإن النقاش داخل واشنطن لم يعد يقتصر على حدود الدعم لإسرائيل، بل بدأ يطال الأساس الذي قام عليه هذا الدعم.

 

عندما يدق الإسرائيليون ناقوس الخطر

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا النقاش لم يعد محصوراً داخل الولايات المتحدة، بل أصبح يتردد داخل إسرائيل نفسها.

ففي بودكاست نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، قدم رئيس المعهد اللواء السابق تمير هايمان واحدة من أكثر القراءات صراحة لنتائج الحرب.

اعترف هايمان بأن إسرائيل حققت إنجازات عسكرية مهمة ضد إيران، لكنه شدد على أن هذه الإنجازات لم تتحول إلى مكاسب استراتيجية دائمة. فالنظام الإيراني ما زال قائماً، والمعرفة النووية لم تختفِ، كما أن القدرة على إعادة بناء النفوذ الإقليمي لا تزال موجودة.

لكن الأخطر في حديثه كان اعترافه بوجود فجوة متزايدة بين أهداف إسرائيل وأهداف إدارة ترامب. فبينما أرادت إسرائيل مواصلة الضغط العسكري على إيران وتقليص نفوذها الإقليمي، كانت واشنطن تبحث عن إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة، وتحقيق إنجاز سياسي داخلي.

ثم جاءت ملاحظته الأكثر دلالة. فقد اعتبر أن إسرائيل فقدت عملياً تأييد الحزب الديمقراطي، وبدأت تخسر تدريجياً أجزاء من دعم الحزب الجمهوري، وحتى بعض الأوساط الإنجيلية التي شكلت طوال عقود إحدى أهم ركائز الدعم الأميركي لها.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

 

فإذا كانت العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب قامت تاريخياً على ثلاثة أعمدة: الديمقراطيين، والجمهوريين، والإنجيليين، فإن اهتزاز هذه الأعمدة معاً لا يعني مجرد خلاف مع إدارة أميركية، بل يطرح سؤالاً حول مستقبل العلاقة نفسها.

ولم يقتصر هذا القلق على هايمان. ففي افتتاح جولة المفاوضات الأخيرة الخاصة بلبنان، والتي أنتجت اتفاق إطار ليس هنا مجال الحديث عنه، حذر السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر من أن "القطار يتجه نحو الخروج عن السكة"، معتبراً أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا تتحركان نحو الوجهة نفسها. وأصر على أن الهدف الأساسي يجب أن يبقى تفكيك حزب الله، معرباً عن خشيته من أن تمنح التفاهمات الجديدة إيران وحلفاءها فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

ولم يكن أقل دلالة من ذلك ما قاله بنيامين نتنياهو نفسه، حين دعا إلى بناء منظومة تسليح إسرائيلية أكثر استقلالاً، وإلى "التحرر من التبعية" للولايات المتحدة.

هذه ليست ثلاث تصريحات منفصلة: إنها ثلاثة وجوه لقلق إسرائيلي واحد.

 

عندما تتغلب السياسة على العقيدة

قد يكون من المبكر الحديث عن انقلاب في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، كما أنه من الخطأ الاعتقاد أن التحالف بين البلدين يقترب من نهايته.

لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن العلاقة دخلت مرحلة جديدة.

فالجدل الدائر اليوم في واشنطن لم يعد يقتصر على حجم الدعم الذي ينبغي تقديمه لإسرائيل، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ما هي الكلفة السياسية الداخلية لهذا الدعم؟ وعندما تصبح العلاقة مع إسرائيل موضوعاً للمراجعات الانتخابية داخل الحزبين، فإنها تكون قد خرجت من دائرة المسلمات التاريخية إلى دائرة الحسابات السياسية.

فالسؤال الذي كان يُعدّ حتى وقت قريب من المحرمات داخل واشنطن: "هل تستحق العلاقة الخاصة مع إسرائيل كل هذه الكلفة؟" لم يعد يُطرح على هامش النقاش، بل بدأ يجد طريقه إلى قلبه.

وطوال نصف قرن، افترضت إسرائيل أن التحالف مع الولايات المتحدة ثابت، بصرف النظر عن هوية الرئيس أو الحزب الحاكم. أما اليوم، فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه داخل إسرائيل لم يعد كيف تُدار العلاقة مع إدارة أميركية معينة، بل كيف يمكن الحفاظ على علاقة استثنائية في وقت تتغير فيه الولايات المتحدة نفسها.

لذلك، قد لا يكون التحول الأهم الذي أفرزته هذه الحرب ما جرى في طهران أو غزة أو جنوب لبنان، بل ما بدأ يتشكل بهدوء داخل واشنطن. فهناك، حيث كان الدعم لإسرائيل أقرب إلى العقيدة السياسية، بدأت السياسة تستعيد مكانها.

أما في أوروبا، فتسير النقاشات في اتجاه مشابه، لكن بصعوبة أكبر وبأدوات مختلفة. وهذا ما سنتناوله في الحلقة المقبلة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث