تزامن التحرّك السياسي الإيراني باتجاه لبنان مع تصعيد في مواقف نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" ضدّ الاتفاق الإطاري، وسط تأكيد طهران أن احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه يشكّل شرطًا أساسيًا لاستدامة أي تفاهم يتعلق بإنهاء الحرب.
وفي وقت بحث رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري التطورات اللبنانية، جدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعم بلاده للاستقرار والأمن والحوار في المنطقة، معربًا عن أمله في التزام جميع الأطراف بتعهداتها.
كما شددت وزارة الخارجية الإيرانية على أن ضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار أي تفاهم، فيما رفع مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية سقف الموقف، معتبرًا أن "حزب الله هو الحافظ الحقيقي لوجود لبنان واستقلاله"، في رسالة تعكس استمرار تمسك طهران بدور الحزب في المعادلة اللبنانية رغم الاتفاق الإطاري.
في المقابل، شنّ النائبان حسن فضل الله وحسن عز الدين هجومًا حادًا على الاتفاق والسلطة اللبنانية، معتبرين أنه يمس بالسيادة ويضع لبنان أمام مرحلة سياسية وميدانية شديدة الحساسية، وذلك بالتزامن مع إعلان قيادة الجيش الإسرائيلي تمسكها الكامل بالاتفاق.
اتّصال بين قاليباف وبرّي
بزشكيان يدعو إلى الالتزام بالتّعهّدات
في سياق متّصل، أكّد الرّئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان دعم بلاده "الاستقرار والأمن والحوار في المنطقة"، معربًا عن أمله في أن "تلتزم جميع الأطراف بتعهّداتها بموجب الاتّفاقات". وقال بزشكيان إنّ "توجيهات المرشد أسهمت في تحقيق إنجازات، من بينها إرساء حالة من الهدوء النّسبيّ في لبنان وتحقيق انفراجات اقتصاديّة".
ويعكس موقف الرّئيس الإيرانيّ حرص طهران على تقديم نفسها طرفًا داعمًا للتّهدئة الإقليميّة، بالتّوازي مع تمسّكها بدورها في الملفّ اللّبنانيّ وبعلاقاتها مع حزب الله وحلفائه.
من جهتها، أكّدت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة أنّ "ضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه شرط أساسيّ لاستدامة أيّ تفاهم يتعلّق بإنهاء الحرب".
فضل الله: السّلطة وقّعت "صكّ استسلام"
في موقف منفصل، قال عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النّائب حسن فضل الله إنّ قدر مجتمعه وبيئته أن يبقيا "ثائرين ومقاومين للاحتلال والظّلم"، معتبرًا أنّ تاريخ التّضحيات يهدف إلى ضمان العيش بعزّة وكرامة وحرّيّة.
وأضاف فضل الله أنّ المقاومة اضطُرّت إلى حمل السّلاح دفاعًا عن وجودها وتحرير أرضها، في ظلّ غياب دولة تتحمّل مسؤوليّاتها وتؤدّي واجباتها.
وأشار إلى أنّ الدّولة وقفت، في بعض المراحل، إلى جانب الاحتلال، مستشهدًا بما جرى عام 1982.
ورأى فضل الله أنّ لبنان لا يمتلك اليوم دولة، بالمعنى الحقيقيّ، قادرة على طمأنة شعبها وحمايته، بل سلطة غلّب بعض أركانها، وفق تعبيره، ولاءاتهم الخارجيّة على مصالح اللّبنانيّين.
واعتبر أنّ السّلطة وقّعت ما وصفه بـ"صكّ استسلام" يتناقض مع مفهوم الدّولة ذات السّيادة الوطنيّة.
اتّهامات بالتّفريط بالجنوب
اتّهم فضل الله السّلطة بالتّفريط بالجنوب وأهله، وتبرئة إسرائيل من جرائمها، والتّنصّل من الدّستور والميثاق الوطنيّ ومخالفة القوانين.
كما اتّهمها بممارسة "النّفاق السّياسيّ والكذب وتزوير الحقائق والمحاضر"، معتبرًا أنّها تحاول، بدعم أميركيّ، ضرب التّوازنات الوطنيّة وتغييب طائفة بأكملها.
وقال إنّ الهدف من هذا المسار هو التّلاعب بمصير الجنوب وتقديمه "هديّة مجّانيّة" لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ومنحه غطاءً لاستمرار الاحتلال وسفك الدّماء، مقابل تعهّد بنزع سلاح المقاومة.
شدّد فضل الله على أنّ نزع سلاح المقاومة يشبه "حلم إبليس بالجنّة"، معتبرًا أنّ المسؤولين في السّلطة لا يملكون، وفق تعبيره، سوى الموافقة على ما يُملى عليهم.
وأضاف أنّ نتنياهو نفسه، لو تولّى صياغة الاتّفاق، لما تمكّن من وضع نصّ أفضل بالنّسبة إلى المصالح الإسرائيليّة ممّا صاغه المسؤولون في السّلطة مع الجانب الأميركيّ.
وخلص إلى أنّ السّلطة لم تحصل، في المقابل، سوى على إشادات إسرائيليّة وتصفيق من الجهات المؤيّدة للتّطبيع.
عزّ الدّين: الاتّفاق أسوأ من 17 أيّار
بدوره، شنّ عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النّائب حسن عزّ الدّين هجومًا حادًّا على الاتّفاق الإطاريّ والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
وقال عزّ الدّين، في مقابلة ضمن برنامج "نيوز ميكر" عبر قناة "RT"، إنّ "الاتّفاق يشكّل صكّ استسلام، وهو أسوأ من اتّفاق 17 أيّار، ولا يساوي الحبر الذي كُتب به".
وأكّد أنّ حزب الله لا يزال لاعبًا أساسيًّا في الصّراع مع إسرائيل، مشدّدًا على أنّ المقاومة "لن تتخلّى عن دورها وحقّها المشروع في الدّفاع عن الأرض والشّعب والحقوق والثّروات".
انتقد عزّ الدّين السّلطة اللّبنانيّة بسبب مسار المفاوضات المباشرة، معتبرًا أنّها "ارتكبت جريمة بجلوسها مع العدوّ الإسرائيليّ".
وقال إنّ حالة العداء بين لبنان وإسرائيل لا تزال قائمة، وتؤكّدها القوانين اللّبنانيّة، معتبرًا أنّ الاتّفاق الإطاريّ يفرّط بسيادة لبنان وأرضه لمصلحة إسرائيل.
ولفت إلى أنّ الاتّفاق لم يتضمّن جدولًا زمنيًّا واضحًا لانسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي المحتلّة، وهو ما يفتح، وفق موقفه، الباب أمام بقاء الاحتلال لمدّة غير محدّدة.
اعتراض على "المناطق التّجريبيّة"
اعتبر عزّ الدّين أنّ الحديث عن "المناطق التّجريبيّة" يمثّل "إهانة للبنان"، مشيرًا إلى أنّ هذه المناطق هي، بحسب قوله، مواقع عجزت إسرائيل عن الوصول إليها والتّمركز فيها.
ورأى أنّ تحويل هذه المناطق إلى ساحات لاختبار التّرتيبات الأمنيّة يقلّل من شأن السّيادة اللّبنانيّة، ويمنح إسرائيل دورًا في تحديد آليّة انتشار الجيش اللّبنانيّ داخل أراضيه.
كما اعتبر أنّ شطب البند السّابع من الاتّفاق يشكّل "إهانة للبنان ومحاولة لوضع الجيش في مواجهة المقاومة وشعبها".
في ملفّ السّلاح، قال عزّ الدّين إنّ سلاح المقاومة يمثّل "أهمّ ورقة تخلّت عنها السّلطة"، مؤكّدًا أنّ دوره يتمثّل في الدّفاع عن الوطن والشّعب عندما تعجز الدّولة عن أداء هذه المهمّة.
وأضاف أنّ إدراج الملفّ اللّبنانيّ ضمن مفاوضات إسلام آباد جاء بعدما اعتبرت طهران أنّ بيروت تحظى بأولويّة في التّفاهمات.
وشدّد على أنّ "ما بُني على باطل يبقى باطلًا ولا يسقط مع الزّمن"، في إشارة إلى رفض الحزب الاعتراف بشرعيّة الاتّفاق أو الالتزام بمندرجاته.
تنسيق مرتقب مع حركة أمل
أشار عزّ الدّين إلى أنّ حزب الله سيجري، بالتّنسيق مع حلفائه، ولا سيّما حركة أمل، تقييمًا شاملًا للاتّفاق، بهدف تحديد آليّات التّعامل مع المرحلة المقبلة.
ويشير هذا الموقف إلى أنّ الثّنائيّ الشّيعيّ يتّجه إلى بلورة مقاربة مشتركة للاتّفاق، تشمل الموقف السّياسيّ والدّستوريّ، إضافة إلى آليّات التّحرّك الشّعبيّ والميدانيّ.
ووصف عزّ الدّين التّحرّكات الشّعبيّة التي أعقبت توقيع الاتّفاق بأنّها "طبيعيّة"، معتبرًا أنّها تعكس انعدام ثقة المواطنين بالسّلطة.
كما أكّد أنّ حزب الله يمتلك قاعدة شعبيّة تُعدّ من الأكبر بين القوى السّياسيّة في لبنان.




