لم يكد يجف حبر "اتفاق الإطار" الموقّع في واشنطن، حتى بدأت التداعيات الميدانية والسياسية تفرض واقعاً شديد التعقيد، كاشفةً عن فجوة هائلة بين التفاهمات الدبلوماسية التي تم إبرامها والوقائع الساخنة على الأرض. وبينما ينزلق الجنوب نحو المزيد من التصعيد، يواجه لبنان انقساماً عمودياً حاداً بين منطقين سياسيين يحددان مصير البلد. ووصفت صحيفة "إسرائيل هيوم" مسار تنفيذ الاتفاق بأنه "طويل ومليء بالعقبات"، معتبرة أن فرص نجاحه ليست كبيرة بالنظر إلى التعقيدات المحيطة به. وأما القناة الـ15 الإسرائيلية فقد فجّرت قنبلة سياسية بكشفها أن "الملحق الأمني" المرفق بالاتفاق الإطاري يتضمن بنداً يسمح للجيش الإسرائيلي بالدخول مجدداً إلى "المناطق التجريبية" في حال رصد أي تهديد، وهو ما يفرغ فكرة الانسحاب من مضمونها السيادي واقعياً، ويجعلها خطوة معلّقة. ويتقاطع هذا الطرح مع موقف وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الذي أكد صراحة أن أمن الحدود الشمالية يبقى مرهوناً بالهدف الاستراتيجي المتمثل في "نزع سلاح حزب الله".
وهذا الخلل جرت ترجمته ميدانياً اليوم، حيث بدا الجنوب اللبناني وكأنه في معزل تام عن الأجواء التفاؤلية التي رافقت ولادة الاتفاق، إذ شهد يوماً صاخباً أمنياً تخللته غارات جوية وقصف مدفعي واشتباكات عنيفة. وفي تطور بارز، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد ضباطه خلال مواجهة مباشرة مع عنصر من حزب الله في بلدة دير سريان. وهذه السخونة الميدانية تؤكد أن مفاعيل "إعلان النيات" لم تترجم تهدئة ميدانية حتى الساعة.
أما على المقلب الداخلي، فرفع حزب الله سقفه السياسي إلى الحد الأقصى، متوعداً بمواجهة أي آليات لتنفيذ هذا الاتفاق على أرض الواقع. وبالتزامن مع هذا التصعيد، سُجّل حراك دبلوماسي لافت تمثل في اتصال هاتفي بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ونظيره الإيراني محمد باقر قاليباف، تركز حول مقاربة الملف اللبناني وتداعيات الاتفاق الأخير، ما يعكس الأبعاد الإقليمية الحاضرة بقوة في مركز القرار.
إذاً، يمر لبنان اليوم بمرحلة هي الأدق في تاريخه الحديث، حيث يتنازع مشهده الداخلي منطقان لا يلتقيان:
منطق المقاومة والإسناد الإقليمي الذي يمثله حزب الله وحلفاؤه، ويرى أن الخيار الوحيد القادر على ردع إسرائيل هو الاستمرار في القتال والمواجهة الميدانية، رافضاً مبدأ التفاوض المباشر بالشروط الراهنة، إلا إذا أديرت الخيوط عبر القوة الإقليمية الحليفة، أي إيران.
منطق السلطة التنفيذية و"الواقعية السياسية" الذي تمثله الدولة اللبنانية، وينطلق من قراءة لواقع الخسائر المتراكمة التي أفرزتها الحرب، إذ أدى القتال المستمر إلى قضم متواصل للأرض وتهجير واسع للسكان، متدرجاً من الخطوط الأمامية (النقاط الخمس) وصولاً إلى حدود نهر الليطاني، ثم حدود نهر الزهراني. وتحذر السلطة من أن المضي في هذا المسار قد يدفع الاحتلال إلى التمدد نحو حدود نهر الأولي وما بعده.
وفي ضوء هذه الرؤية الحكومية، ليس هناك مخرج عملي لإنهاء الاحتلال سوى التفاوض برعاية الولايات المتحدة، بصفتها القوة الدولية الوحيدة القادرة على الضغط الفعلي على إسرائيل والتأثير في قراراتها. فهذا الخيار يبقى هو "الأقل كلفة" لإنقاذ ما تبقى، لكن شرطه الأساسي يبقى اقتناع حزب الله بالتعاون مع الدولة وتسليمها السلاح ليكون قوة سياسية محلية تخضع لآليات القانون والمؤسسات الدستورية، كأي مكون آخر في البلد، ولو تم ذلك ضمن تسوية سياسية متكاملة، تحظى برعاية عربية وإقليمية ودولية.
إطارٌ سياسيّ بلا ضمانات تنفيذيّة
المشكلة الجوهريّة في الاتّفاق ليست في المبادئ التي يعلنها، بل في المساحات الرماديّة التي يتركها مفتوحة. فالنصّ يتحدّث عن استعادة السيادة، وانتشار الجيش اللّبنانيّ، وانسحاب إسرائيليّ تدريجيّ، لكنّه لا يقدّم جدولًا زمنيًّا واضحًا، ولا يحدّد بدقّة الجهة التي تملك حقّ تقرير نجاح كلّ مرحلة أو فشلها.
وهنا يتحوّل الغموض من عيبٍ تقنيّ إلى أداة سياسيّة. فإسرائيل تستطيع ربط أيّ انسحاب بتقديرها الخاصّ لمستوى التهديد، فيما تستطيع واشنطن تأجيل الضغط بحجّة انتظار نتائج "الاختبار الميدانيّ"، ويجد لبنان نفسه مطالبًا بإثبات قدرته على تنفيذ التزامات ثقيلة، من دون أن يحصل مسبقًا على ضمانة بانسحاب كامل ونهائيّ.
الأخطر أنّ الحديث عن "مناطق تجريبيّة" يضع السيادة اللّبنانيّة في موقع الاختبار، كأنّ استعادة الأرض ليست حقًّا ثابتًا، بل مكافأة مشروطة بحسن الأداء. وبذلك، لا يعود الانسحاب نتيجة طبيعيّة لإنهاء الاحتلال، بل يصبح جزءًا من عمليّة تفاوضيّة متدرّجة تملك إسرائيل إمكان تعطيلها متى رأت أنّ شروطها الأمنيّة لم تتحقّق.
الملحق الأمنيّ يفرغ الانسحاب من مضمونه
إذا صحّت المعلومات المتداولة بشأن الملحق الأمنيّ، فإنّ الاتّفاق يمنح إسرائيل حقًّا عمليًّا في العودة إلى المناطق التي تنسحب منها عند رصد ما تسمّيه "تهديدًا". وهذه الصيغة لا تؤسّس لانسحاب سياديّ، بل لإعادة انتشار قابلة للعكس.
فالانسحاب الحقيقيّ يعني انتقال السلطة الأمنيّة كاملةً إلى الدولة اللّبنانيّة، أمّا الإبقاء على "حرّيّة الحركة" الإسرائيليّة فيعني استمرار الوصاية الميدانيّة، ولو من خارج القرى والبلدات. ومن هنا، تبدو إسرائيل كأنّها تريد الاحتفاظ بحقّ التدخّل من دون تحمّل كلفة الاحتلال المباشر، أي السيطرة بالنار والمراقبة والضربات الانتقائيّة، مع تحميل الجيش اللّبنانيّ مسؤوليّة الإدارة اليوميّة.
هذه المعادلة تمنح تل أبيب أفضليّة مزدوجة: فهي تستطيع تسويق الانسحاب دوليًّا بوصفه تنازلًا، ثمّ الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدرتها على العودة أو القصف متى اعتبرت أنّ الترتيبات الأمنيّة لا تخدم مصالحها.
الجيش اللّبنانيّ أمام مهمّة تتجاوز قدراته السياسيّة
يراهن الاتّفاق على الجيش اللّبنانيّ بصفته الأداة الشرعيّة الوحيدة القادرة على تسلّم المناطق وإحلال سلطة الدولة مكان سلطة السلاح غير الشرعيّ. لكنّ هذا الرهان يتجاهل أنّ المعضلة ليست عسكريّة فقط، بل سياسيّة واجتماعيّة وطائفيّة.
فالجيش يستطيع الانتشار، وإقامة الحواجز، وضبط الطرقات، ومصادرة أسلحة ظاهرة، لكنّ تفكيك البنية العسكريّة لحزب الله يتطلّب قرارًا سياسيًّا جامعًا، لا أوامر ميدانيّة منفردة. وأيّ محاولة لفرض هذا المسار بالقوّة، من دون تسوية وطنيّة، قد تضع المؤسّسة العسكريّة في مواجهة جزء واسع من بيئتها الاجتماعيّة، وتحوّلها من ضامن للاستقرار إلى طرف في صراع داخليّ.
لهذا، فإنّ تحميل الجيش وحده مسؤوليّة التنفيذ يهدّد بتحويله إلى الحلقة الأضعف في الاتّفاق. فإذا نجح، ستُطالب الدولة بخطوات إضافيّة، وإذا تعثّر، ستستخدم إسرائيل ذلك ذريعة لتجميد الانسحاب أو توسيع عمليّاتها.
حزب الله خارج التوقيع وفي قلب التنفيذ
غياب حزب الله عن الاتّفاق لا يعني أنّه خارج معادلته، بل يجعله الطرف الأكثر قدرة على تعطيلها. فالاتّفاق يطال بصورة مباشرة سلاح الحزب وانتشاره ودوره الإقليميّ، من دون أن يكون شريكًا في صياغته أو ملتزمًا بنتائجه.
ويتعامل الحزب مع النصّ باعتباره محاولة لانتزاع ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه عسكريًّا، أي تفكيك بنيته المسلّحة بضغط أميركيّ وقرار لبنانيّ داخليّ. لذلك، يربط رفضه للاتّفاق بالدفاع عن السيادة، فيما ترى السلطة أنّ استمرار السلاح خارج الدولة هو الذي يوفّر لإسرائيل ذريعة الاحتلال والضربات.
هذا التناقض يعيد إنتاج الدائرة المغلقة نفسها: إسرائيل ترفض الانسحاب قبل نزع السلاح، وحزب الله يرفض نزع السلاح قبل الانسحاب. وفي غياب آليّة تفصل بين المسارين أو تفرض تزامنهما، يستطيع كلّ طرف تحميل الآخر مسؤوليّة التعطيل.
انقسام دستوريّ يخفي صراعًا على القرار
النقاش بشأن توصيف الوثيقة، أهي "اتّفاق إطار" أم "إعلان نيّات" أم اتّفاق ملزم، ليس تفصيلًا قانونيًّا. إنّه تعبير عن صراع أعمق حول الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم والتفاوض ورسم السياسة الخارجيّة.
فإذا كان الاتّفاق يرتّب التزامات سياديّة، يصبح عرضه على المؤسّسات الدستوريّة ضرورة لا يمكن تجاوزها. أمّا إذا جرى التعامل معه بوصفه إعلانًا سياسيًّا مرنًا، فقد تتمكّن السلطة من تفادي بعض القيود الإجرائيّة، لكنّها ستواجه أزمة شرعيّة داخليّة أوسع.
ويبدو أنّ كلّ فريق يستخدم الدستور لتعزيز موقعه السياسيّ: السلطة لتكريس حقّ الدولة في التفاوض، والثنائيّ الشّيعيّ للطعن في مسار يعتبره متجاوزًا للتوازنات الوطنيّة. وهكذا، يتحوّل الخلاف القانونيّ إلى واجهة لصراع على هويّة لبنان وموقعه الإقليميّ.
واشنطن راعية الاتفاق والحَكَم غير المحايد
تعوّل السلطة اللّبنانيّة على الولايات المتّحدة بوصفها الطرف الوحيد القادر على الضغط على إسرائيل. غير أنّ الرعاية الأميركيّة لا تعني بالضرورة ضمان المصالح اللّبنانيّة، لأنّ واشنطن تنطلق من أولويّة أمن إسرائيل، ثمّ تبحث في كيفيّة مواءمة هذه الأولويّة مع استقرار لبنان.
لذلك، قد يتحوّل الدعم الأميركيّ إلى وسيلة ضغط على بيروت أكثر ممّا يكون ضمانة في مواجهة تل أبيب. فلبنان سيُطالب بإثبات تقدّم عمليّ في ملفّ السلاح والانتشار، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيليّة مرتبطة بتقديرات أمنيّة فضفاضة.
كما أنّ تشابك الملفّ اللّبنانيّ مع المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة يجعل التنفيذ عرضة لمساومات إقليميّة لا يملك لبنان تأثيرًا حاسمًا فيها. وقد يصبح توقيت الانسحاب، وحجم إعادة الإعمار، ومستوى الضغط على حزب الله، أوراقًا ضمن تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران.
من إدارة الصراع إلى خطر الاستنزاف
لا يوحي الاتّفاق بأنّ المنطقة تتّجه إلى تسوية نهائيّة، بل إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع. فبدلًا من خطوط مواجهة ثابتة، قد تنشأ مناطق انتقاليّة، وانسحابات جزئيّة، وضربات محدودة، واختبارات أمنيّة متكرّرة.
هذه الصيغة قد تخفّض مستوى الحرب الشاملة، لكنّها لا تمنع حرب الاستنزاف. فوجود قوّات إسرائيليّة داخل الجنوب، ولو في نطاق محدود، سيبقيها أهدافًا محتملة، فيما ستستخدم إسرائيل أيّ عمليّة ضدّها لتبرير توسيع القصف أو العودة إلى مناطق انسحبت منها.
وبذلك، يصبح الاتّفاق مظلّة لإدارة النار، لا لإطفائها، ويغدو الاستقرار رهينة تفسير كلّ طرف لمفهوم "التهديد الفوريّ".
تسوية السلاح شرط الإنقاذ لا نتيجة الإكراه
لا يمكن معالجة سلاح حزب الله بقرار خارجيّ أو بمواجهة داخليّة، كما لا يمكن إبقاؤه إلى أجل غير محدّد خارج سلطة الدولة. والحلّ الواقعيّ يمرّ بتسوية سياسيّة متكاملة تربط الانسحاب الإسرائيليّ الكامل، وإعادة الإعمار، وضمان أمن الجنوب، بإستراتيجيّة دفاعيّة تنقل تدريجيًّا قرار السلاح إلى المؤسّسات الشرعيّة.
أيّ محاولة للقفز فوق هذه التسوية ستقود إلى واحد من احتمالين: إمّا انفجار داخليّ يهدّد السلم الأهليّ، وإمّا اتفاق شكليّ يُنفّذ جزئيًّا ويبقى معلّقًا لسنوات.
ولذلك، يبدو لبنان في حاجة إلى صيغة تمنع إسرائيل من تحويل الأمن إلى ذريعة لاحتلال دائم، وتمنع القوى الداخليّة من تحويل المقاومة إلى سلطة موازية للدولة. وبين هذين الشرطين، يتحدّد مصير الاتّفاق: إمّا مدخل لاستعادة السيادة، وإمّا حقل ألغام جديد ينفجر عند أوّل اختبار.




