إعلام إسرائيلي: لبنان غير غزة ..مَن يمكنه نزع سلاح حزب الله؟

المدن - سياسةالأحد 2026/06/28
Image-1782637900.Webp
لفت تقرير "معاريف" إلى أن حزب الله ليس طرفًا في الاتفاق. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتقاطع قراءتان نشرتهما صحيفتا "معاريف" و"يديعوت أحرونوت" الإسرائيليّتان بشأن الاتّفاق الإطاريّ بين لبنان وإسرائيل عند خلاصة واحدة: الاتّفاق قد يشكّل تطوّرًا سياسيًّا إيجابيًّا، لكنّه لا يقدّم ضمانات فعليّة لإنهاء الصّراع أو نزع سلاح حزب الله، بقدر ما يؤسّس لمرحلة انتقاليّة جديدة لإدارة المواجهة وتأجيل الحسم.

وفيما ركّزت "معاريف" على السّؤال الميدانيّ المتعلّق بالجهة القادرة على دخول القرى الشّيعيّة في جنوب لبنان ونزع سلاح الحزب، رأى المحلّل الإسرائيليّ رونين بيرغمان، في مقال نشرته "يديعوت أحرونوت"، أنّ قيمة الاتّفاق الحقيقيّة ستُقاس بما غاب عنه، لا بما تضمّنه من مبادئ وصياغات سياسيّة.


"معاريف": احتفال يخفي معضلة ميدانيّة

رأت صحيفة "معاريف" أنّ الاحتفاء بالاتّفاق الإطاريّ يخفي معضلة ميدانيّة وسياسيّة شديدة التّعقيد، تتعلّق بالجهة القادرة فعليًّا على دخول القرى الشّيعيّة في جنوب لبنان ونزع سلاح حزب الله.

وقالت الصّحيفة إنّ الاتّفاق يمنح رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إنجازًا دبلوماسيًّا، ويوفّر لإسرائيل غطاءً للبقاء في جنوب لبنان، لكنّه قد يتحوّل، ما لم يُنزَع سلاح الحزب، إلى آليّة جديدة لإدارة الاحتكاك بدلًا من إنهائه.

ويبدو الاتّفاق الموقّع في واشنطن، للوهلة الأولى، إنجازًا دبلوماسيًّا، إذ يتحدّث عن سيادة الدّولة اللّبنانيّة ونزع سلاح حزب الله وإنشاء آليّة للتّنسيق، فضلًا عن انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ من جنوب لبنان.

وبحسب "معاريف"، يتيح الاتّفاق لوزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو تقديمه بوصفه نجاحًا دبلوماسيًّا، ولنتنياهو تسويقه على أنّه إنجاز سياسيّ، فيما تستطيع الحكومة اللّبنانيّة القول إنّها لم تستسلم، بل حصلت على مسار لاستعادة سيادتها.

غير أنّ الصّحيفة أشارت إلى أنّ خلف هذه الصّياغات الاحتفاليّة يبرز السّؤال القديم نفسه، الذي تكرّر منذ اتّفاق الطّائف، مرورًا بقرار مجلس الأمن الدّوليّ 1701، وصولًا إلى وقف إطلاق النّار عام 2024: من سيدخل فعليًّا إلى قرية شيعيّة لنزع سلاح حزب الله؟

 

حزب الله خارج معادلة التّنفيذ

لفت تقرير "معاريف" إلى أنّ حزب الله ليس طرفًا في الاتّفاق، ولا يتصرّف على أنّه ملتزم به، بعدما سارع أمينه العامّ نعيم قاسم إلى مهاجمته، بالتّوازي مع صدور تحذيرات من أيّ محاولة لتفكيك بنية الحزب العسكريّة بالقوّة.

وتكمن المعضلة الأساسيّة، وفق الصّحيفة، في أنّ الاتّفاق يحمّل الحكومة والجيش اللّبنانيّين مهمّة عجزا عن تنفيذها طوال عقود، فيما يُفترض بهما اليوم إنجاز ما أخفقا فيه مرارًا، من دون توضيح العوامل التي ستجعل المحاولة الجديدة مختلفة عن سابقاتها.

ورأت أنّ الجيش اللّبنانيّ قادر على الانتشار وإقامة الحواجز ومصادرة بعض مستودعات الأسلحة، وربّما تحسين صورته في التّقارير الدّوريّة المرفوعة إلى الإدارة الأميركيّة، لكنّ نزع سلاح حزب الله بصورة شاملة يمثّل مسألة مختلفة تمامًا.

وعلى أرض الواقع، يعني هذا الخيار، بحسب التّقرير، مواجهة مع البيئة الشّيعيّة والنّظام السّياسيّ اللّبنانيّ وإيران، إضافة إلى تنظيم استطاع الحفاظ على قدرته على العمل والتّكيّف، رغم الضّربات والاغتيالات والخسائر التي أصابت قيادته وبنيته التّحتيّة.

 

شروط متبادلة ودائرة مغلقة

حذّرت "معاريف" من أن يؤدّي الاتّفاق إلى النّتيجة نفسها التي كان يُفترض أن يمنعها، أي إنشاء إطار لإدارة الاحتكاك المستمرّ بدلًا من إنهائه.

فإسرائيل تربط انسحابها بتفكيك القدرات العسكريّة لحزب الله، فيما يرفض الحزب نزع سلاحه ما دامت إسرائيل موجودة على الأراضي اللّبنانيّة، وربّما يواصل رفضه حتّى بعد انسحابها.

وبحسب هذه المقاربة، سيعلن الحزب انتصاره إذا انسحبت إسرائيل، أمّا إذا بقيت، فسيتمسّك بحجّة أنّ "المقاومة" لا تزال ضرورة. وهي دائرة أثبت مرارًا قدرته على الاستمرار داخلها.

كما يمنح تقسيم جنوب لبنان إلى مناطق تنفيذ ومراحل تطبيقيّة متدرّجة مختلف الأطراف مساحة لتأجيل الانتقال إلى المراحل اللّاحقة، بذريعة أنّ الظّروف الميدانيّة والسّياسيّة لم تنضج بعد.

 

غطاء لبقاء إسرائيل جنوبًا

اعتبرت الصّحيفة أنّ صياغة الاتّفاق تمنح إسرائيل أفضليّة على المدى القصير، إذ تتيح لجيشها البقاء في جنوب لبنان ما دام التّهديد قائمًا.

ومن منظور نتنياهو، يوفّر هذا الواقع تعويضًا سياسيًّا بعد حرب لم تحسم المواجهة مع إيران، ولم تُنهِ التّهديد الصّاروخيّ، ولم تقطع علاقة حزب الله بطهران.

وبذلك، يستطيع نتنياهو القول إنّ إسرائيل باقية في جنوب لبنان لأنّ الطّرف الآخر لم ينفّذ التزاماته. غير أنّ "معاريف" حذّرت من أنّ الجنود الإسرائيليّين لن يكونوا مجرّد خطوط مرسومة على خريطة، بل أهدافًا ميدانيّة مكشوفة.

 

مخاوف من حرب استنزاف جديدة

شدّد التّقرير على أنّ جنوب لبنان يختلف عن قطاع غزّة، إذ يعمل الجيش الإسرائيليّ في القطاع ضدّ خصم أُضعف إلى حدّ كبير، وفي مساحة يفرض فيها إيقاع العمليّات إلى حدّ بعيد.

أمّا حزب الله، فيمتلك خبرة طويلة في حروب الاستنزاف، ويستطيع تنفيذ عمليّات محدودة واستهداف القوّات الإسرائيليّة تدريجيًّا، ما قد يعيد شمال إسرائيل إلى حالة دائمة من التّوتّر وعدم اليقين.

ورأت الصّحيفة أنّ إقامة "منطقة أمنيّة" جديدة قد تبدو جذّابة في الخطابات والعروض السّياسيّة والحملات الانتخابيّة، إلّا أنّ التّجربة الإسرائيليّة السّابقة في جنوب لبنان تُظهر الكلفة العسكريّة والبشريّة الباهظة لهذا الخيار.

 

بيرغمان: قيمة الاتّفاق في بنوده الغائبة

في قراءة موازية، رأى المحلّل رونين بيرغمان، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أنّ وجود اتّفاق بين لبنان وإسرائيل يُعدّ أمرًا إيجابيًّا من حيث المبدأ، لأنّ وجود تفاهم مكتوب يبقى أفضل من غيابه، لكنّ قيمته الفعليّة ستُقاس بما لم يرد فيه، أكثر ممّا ستُقاس بما تضمّنه.

وأشار بيرغمان إلى أنّ الاتّفاق يكرّس مبادئ مهمّة، في مقدّمها حقّ كلّ دولة في العيش بسلام، وحصر المسؤوليّة الأمنيّة في جنوب لبنان بالدّولة اللّبنانيّة وجيشها، بدلًا من أيّ جهة مسلّحة أخرى.

كما اعتبر أنّ إنشاء منطقتين تجريبيّتين تنتقل فيهما المسؤوليّة الأمنيّة من الجيش الإسرائيليّ إلى الجيش اللّبنانيّ، يشكّل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدّولة على فرض سيادتها وإبعاد عناصر حزب الله.

 

نتنياهو يمهّد لتحميل الجيش المسؤوليّة

لفت بيرغمان إلى أنّ نتنياهو نفسه أظهر شكوكًا حيال فرص نجاح الاتّفاق، عندما شدّد على أنّ اختيار المنطقتين التّجريبيّتين جاء بناءً على توصية الجيش الإسرائيليّ.

ورأى الكاتب في هذا التّصريح تمهيدًا سياسيًّا لإلقاء المسؤوليّة على المؤسّسة العسكريّة في حال فشلت التّجربة أو تعذّر تطبيق الاتّفاق.

ويعكس هذا الموقف، بحسب بيرغمان، غياب الثّقة الكاملة بقدرة الحكومة اللّبنانيّة وجيشها على تنفيذ المهمّات المنوطة بهما، ولا سيّما إخراج حزب الله من المناطق التي يُفترض أن تعود إلى سلطة الدّولة وحدها.

 

شبح اتّفاق عام 1983

قارن بيرغمان الاتّفاق الحالي بالاتّفاق الذي أبرمته إسرائيل ولبنان عام 1983، معتبرًا أنّ التّشابه بينهما كبير من حيث الصّياغة والأهداف والتّعويل على الحكومة اللّبنانيّة.

لكنّ الاتّفاق السّابق انهار بفعل ضعف السّلطة المركزيّة اللّبنانيّة والتّدخّل السّوريّ آنذاك، ما يدفع إلى الخشية من تكرار السّيناريو نفسه، وإن اختلفت القوى والظّروف الإقليميّة المحيطة به.

وبحسب الكاتب، فإنّ النّصوص والضّمانات الخارجيّة لا تكفي وحدها لإنجاح الاتّفاق، ما لم تكن هناك سلطة لبنانيّة قادرة فعليًّا على تطبيقه وفرضه على الأرض.

 

أربعة عناصر أساسيّة غائبة

حدّد بيرغمان أربعة عناصر أساسيّة رأى أنّها غائبة عن الاتّفاق، أو لم تُعالج فيه بصورة واضحة.

أوّل هذه العناصر غياب جدول زمنيّ ملزم لتنفيذ البنود واستكمال المراحل، ما يتيح للأطراف تأجيل الاستحقاقات وربطها بشروط جديدة.

أمّا العنصر الثّاني، فيتمثّل في عدم معالجة وقف إطلاق النّار وآليّات مراقبته بصورة واضحة، بما يترك الباب مفتوحًا أمام استمرار الخروقات والعمليّات العسكريّة المتبادلة.

ويتعلّق العنصر الثّالث بالاعتماد على قدرة الحكومة اللّبنانيّة، رغم أنّ التّجارب السّابقة أظهرت محدوديّة قدرتها على نزع سلاح حزب الله أو مواجهته.

أمّا العنصر الرّابع، فهو غياب حزب الله عن الاتّفاق وإعلانه رفضه له، ما يثير شكوكًا جوهريّة بشأن إمكان تطبيق البنود المتّصلة بسلاحه ونفوذه الميدانيّ.

 

لبنان ضمن نمط إسرائيليّ أوسع

رأى بيرغمان أنّ اتّفاق لبنان لا يمثّل حالة منفردة، بل يندرج ضمن نمط أوسع في سياسة الحكومة الإسرائيليّة، يشمل التّعامل مع ملفَّي غزّة وإيران.

ففي غزّة، لم تؤدِّ التّرتيبات إلى تفكيك حركة حماس أو إنشاء سلطة بديلة قادرة على إدارة القطاع، بل اقتصرت على خطوات مرحليّة وترتيبات مؤقّتة.

وفي الملفّ الإيرانيّ، انتقلت إسرائيل، وفق قراءته، من الحديث عن إزالة التّهديد النّوويّ بصورة كاملة إلى مفاوضات ممتدّة، من دون معالجة حاسمة لملفّات الصّواريخ الباليستيّة والنّفوذ الإقليميّ.

وبذلك، يرى بيرغمان أنّ الحكومة الإسرائيليّة انتقلت عمليًّا من شعار "النّصر المطلق" إلى سياسة إدارة الصّراع من خلال اتّفاقات مرحليّة، لا تحقّق الحسم النّهائيّ.

 

صيغة واحدة للبنان وغزّة وإيران

بحسب الكاتب، تقوم التّرتيبات المتّصلة بلبنان وغزّة وإيران على منطق متشابه، يبدأ بوقف إطلاق النّار أو الانسحاب التّدريجيّ، ويمرّ بإنشاء آليّات للرّقابة والتّنفيذ، وينتهي بوعود مستقبليّة بنزع السّلاح أو تغيير الواقع.

لكنّ هذه الوعود لا تعني بالضّرورة تحقّقها على الأرض، ولا سيّما عندما يبقى الطّرف المسلّح الأساسيّ، مثل حزب الله أو حركة حماس، محتفظًا بجزء كبير من قوّته العسكريّة والتّنظيميّة.

ورأى بيرغمان أنّ العنوان السّياسيّ قد يتحدّث عن "انتصار"، فيما تكشف التّفاصيل أنّ ما تحقّق لا يتجاوز مرحلة انتقاليّة موقّتة، لا ترقى إلى مستوى التّسوية النّهائيّة.

 

تباينات أميركيّة وألغام ماليّة

توقّفت "معاريف" عند ما وصفته بالتّناقض داخل الإدارة الأميركيّة. فمن جهة، وقّع وزير الخارجيّة ماركو روبيو إطارًا يتعامل مع إيران وحزب الله على أنّهما خارج المعادلة، فيما تحدّث نائب الرّئيس الأميركيّ جي دي فانس عن تسوية إقليميّة تكون إيران جزءًا منها.

ويعكس ذلك، وفق الصّحيفة، تصوّرين متنافسين، يسعى الأوّل إلى تعزيز سيادة الدّولة اللّبنانيّة وعزل حزب الله، فيما ينطلق الثّاني من أنّ التّوصّل إلى ترتيبات إقليميّة مستدامة غير ممكن من دون إشراك طهران.

كما حذّرت الصّحيفة من ألغام ماليّة وقانونيّة في الاتّفاق، ولا سيّما البنود الهادفة إلى منع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلّحة أو الجهات المرتبطة بها.

ورأت أنّ حزب الله يمتلك شبكات تمويل عميقة ومرنة تتجاوز في تعقيدها الصّياغات القانونيّة الواردة في الوثيقة، فيما قد تُفسَّر البنود الرّامية إلى الحدّ من التّحرّكات العدائيّة في المحافل الدّوليّة على أنّها محاولة لتقييد المسارات القانونيّة ضدّ إسرائيل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث