عاشوراء النبطية بين الخرائب: دمٌ حاضرٌ ومأساةٌ لا تنقضي

بتول يزبكالسبت 2026/06/27
Image-1782473122.Jpeg
إنها، إلى حد بعيد، عاشوراء شيعة لبنان. (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

لصوت ارتطام السّيف الحديديّ بأعلى ناصية الرأس؛ أي لذلك الطَّرْق المتعمَّد للحديد على عظم الجمجمة الهشّ، رنّةٌ رهيبة تجعل جلود أشدّ الناس خشونةً واعتيادًا على الفظاعة تقشعرّ.

إنّه العزاء الذي يبلغ في مغالاته حدًّا يجعله ثقيلًا، شديدًا، عنيفًا وحقيقيًّا. إنّه العزاء المديد، والحزن العميم، والتغوّل في القهر، والعنف اللصيق، الذي يمنح فعل حزّ الرأس، المُبالغ فيه أصلًا، إلى جانب اللطم وتعذيب الجسد، رمزيّتَه الواقعيّة: متابعةٌ للواقعة التي بدأت منذ ألف عام ونيّف، وامتدادٌ لما جرى للحسين وأهله.

إنّها، إلى حدّ بعيد، عاشوراء شيعة لبنان.

وإنّها النبطية، في السادس والعشرين من حزيران 2026، الموافق للعاشر من محرّم، يوم واقعة كربلاء، وبعد أيّام معدودة من محاولة جديدة، لعلّها السادسة، ولكن مَن يَعُدّ؟، للتوصّل أو الاستجداء من أجل وقف إطلاق النار.

إنّها النبطية التي باتت شوارعها هجينةً، مشوّهةً ومهجورةً، بكلّ ما يمكن للهجر أن يحمله من قسوة.

ولرائحة الدم الذي يغطّي الوجوه ويلطّخ الأكفان البيضاء الملبوسة أمام النادي الحُسينيّ في ساحة عاشوراء بالنبطية، كما للونه، رهبةٌ أخرى.

فهناك فجيعةٌ حقيقيّة، وشعورٌ عميق بالقهر، وإحساسٌ جماعيّ بأنّ الأهالي يدفعون ضريبة دم باهظة جدًّا، في امتدادٍ لكربلاء بوصفها جزءًا من هويّتهم الحاضرة، لا مجرّد حدث تاريخيّ يستعيدونه. إنّهم يشعرون اليوم بأنّهم يُضرَبون بالسّيف، ويُعطَّشون، ويُجوَّعون، ويُساء إليهم، ويُهجَّرون. لذلك، لا ينبع هذا الشعور من إحياء ذكرى تاريخيّة فحسب، بل من واقع يعيشونه الآن. عاشورائهم الّتي تنوء بما تحمله بين الخرائب، عاشوراء بوصفها تجربةً حاضرةً للفقد والقهر والدم، لا مجرّد استذكارٍ لمأساة وقعت في الماضي.

Image-1782473206.Jpeg

 

النبطية: المدينة من فوق ومن تحت

يجب أن تُرى النبطية من بعيد أوّلًا، من طريق مرتفعة، أو من إحدى التلال المشرفة على المدينة، حيث تبدو الأبنية متجاورةً كما كانت، ويصعب على مَن لا يعرفها أن يميّز البيت الذي بقي قائمًا من البيت الذي لم يبقَ منه سوى جداره الأماميّ.

من هناك تبدو المدينة كاملةً تقريبًا. لا يظهر الغبار الذي ملأ الغرف، ولا الزجاج الذي فرش الأرصفة، ولا الأبواب التي صارت تُفتح على لا شيء. وربّما يظنّ مَن ينظر إليها من تلك المسافة أنّ الحرب مرّت من حولها، أو أنّها لم تجد إلى داخلها سبيلًا.

لكن، لكي تظلّ النبطية على هذه الصورة، ينبغي محاذرة الاقتراب. ينبغي أن نبقى في الأعلى، وأن نكتفي بما تتيحه العين من ذلك البعد: أسطح البيوت، وقباب المساجد، والطرق التي تتلوّى بين الأحياء، والساحة التي لا يظهر منها إلّا موضعها.

من هناك يمكن القول إنّ المدينة ما زالت في مكانها، وإنّ أهلها عادوا إليها، وإنّ المواكب ستخرج في العاشر من محرّم كما خرجت في الأعوام السابقة. ويمكن أيضًا القول إنّ الحياة أقوى من الحرب، وإنّ الناس أعادوا فتح الطرق، ورفعوا الرايات السوداء، ونصبوا الخيام، واستعدّوا لإحياء عاشوراء.

لكنّ الاقتراب يدحض المسافة التي تجعل الأشياء ضئيلةً. فمن الأسفل، لا تبدو المدينة هي نفسها التي رأيناها من فوق.

Image-1782473174.Jpeg

 

احتشام الفجيعة

يمشي أهل النبطية في شوارعهم باحتشام أيضًا. والحقّ أنّ المرء لا يدري إن كان "الاحتشام" هو الكلمة المناسبة لوصف مَن يعود إلى مدينته بعد خرابها، فينظر إلى ما بقي من منزله، ثمّ يقول إنّ الأضرار مادّيّة، وإنّ المهمّ هو سلامة العائلة.

لكنّهم يقولون ذلك.

ربّما لأنّ الكلام، حين تكون الخسارة أكبر من أن تُروى، يصير أقلّ ممّا ينبغي. وربّما لأنّ أهل المدينة اعتادوا أن يُبقوا شيئًا من الحزن لأنفسهم، وألّا يقدّموه كاملًا إلى مَن يسألهم عنه.

لعلّ الكلام يكون هكذا في مدينة أصابت المأساة أكثر أهلها. كلّ واحد منهم يخشى، إذا بدأ روايته، ألّا يجد الموضع الذي ينبغي أن ينتهي عنده. فالخراب ليس في المنزل وحده. إنّه في الطريق المؤدّية إليه، وفي الجار الذي لم يَعُد، وفي السوق التي تغيّرت، وفي الأسماء التي تُقرأ على صور الضحايا. وهو أيضًا في ذلك التردّد القصير الذي يسبق جواب المرء حين تسأله إن كان قد عاد نهائيًّا. كأنّ العودة نفسها لم تَعُد فعلًا مكتملًا، بل إقامةً مؤقّتةً في مكان دائم الخطر.

 

عاشوراء في مدينة لم تدفن موتاها

ثمّ يأتي العاشر من محرّم، بعد أن استبقه الجيش الإسرائيليّ بغارتين على النبطية الفوقا، في محاولة لترهيب السكّان. يبدأ السواد من مداخل المدينة: الرايات المرفوعة على الأعمدة، والأقمشة التي تغطّي جوانب الطرق، وصور الضحايا الذين اختلطت أسماؤهم بأسماء أبطال الواقعة القديمة.

Image-1782473262.Jpeg

والحقّ أنّ المرء لا يستطيع أن يميّز إن كانت المدينة قد ارتدت السواد لهذه المناسبة، أم إنّها كانت غارقةً فيه قبل حلولها. وربّما لا يعرف أهلها ذلك أيضًا. فقد جاءت عاشوراء هذه المرّة إلى مدينة لم تنتهِ من دفن موتاها، ولم تُحصِ بيوتها بعد، ولم يتّفق أهلها على ما إذا كانوا قد نجوا، أم أنّهم أُمهلوا قليلًا فحسب.

وإذ تشقّ المواكب الّتي أصابها شحّ الناس، الطرق التي أصابها القصف، ويتقدّمها حملة الرايات، ثمّ الرجال الذين يضربون صدورهم بإيقاعٍ يعرفونه، وآخرون يحملون السيوف ويرتدون الأكفان، في مشهدٍ يتكرّر كلّ عام، لكنّه لم يعد كما كان.

هذا الطقس، الذي صار جزءًا من صورة عاشوراء في النبطية، لم يكن دائمًا على هذه الهيئة. فقد دخل إلى المدينة مع أفراد من الإيرانيّين الذين استقرّوا في جبل عامل، وكانوا يعملون في الوساطات التجاريّة بين مرفأي حيفا وصيدا. ومن بينهم السيّد ميرزا حسين، والد الدكتور بهجت الميرزا، الذي ارتبط اسمه ببدايات هذا التحوّل.كان للسيّد ميرزا وابنه دورٌ بارز في إدخال هذه الشعائر إلى النبطية، وكان السيّد ميرزا يجرح بنفسه، بالموسى، رؤوس الشبّان المرتدين الأكفان، في فعلٍ جمع بين الطقس والتمثيل، وبين الرمز والجسد.

لم يمرّ ذلك من دون اعتراض. فقد احتجّ السيّد حسن يوسف مكّي الحبوشي، الذي كان يقيم في النبطية، واستعان بقائم مقام صيدا لمنع هذه الممارسة. لكنّ الإيرانيّين تدخّلوا لدى والي بيروت العثمانيّ، فصدر أمرٌ يقضي بعدم التعرّض لهم في إقامة "الشبيه" وجرح الرؤوس بالقامات، فتكرّس هذا الطقس، وصار مع الوقت جزءًا من المشهد الذي لا يُفصل عن عاشوراء في المدينة.

 

وقع اللطم في مدينة ناقصة

لصوت اللطم في النبطية وقعٌ آخر هذه السنة. ربّما لأنّه يرتدّ عن أبنية ناقصة، أو لأنّ الفراغ صار أكبر بين بيت وبيت. وربّما لأنّ الذين يضربون صدورهم لا يستعيدون حزنًا قديمًا وحده.

إنّهم يعرفون القتلى الذين يحملون صورهم، ويعرفون النساء اللواتي غادرن البيوت ليلًا، والأطفال الذين تعلّموا أسماء الطائرات قبل أن يتعلّموا أسماء الأشجار.

وحين يردّدون حكاية العطش والحصار والاقتلاع، لا تبدو الكلمات بعيدةً عن حياتهم كما كانت في أزمنة أكثر طمأنينةً.

أمّا المُطبِّرون، فيخرجون بالأكفان البيضاء والسيوف اللامعة. وينبغي أن يُرَوا من بعيد هم أيضًا، لكي يظلّ المشهد طقسًا مكتملًا: صفوفٌ متوازية، وأكفانٌ بيضاء، ورؤوسٌ خفيضة قبل أن ترتفع السيوف.

من تلك المسافة، يبدو الدم جزءًا من ترتيب الموكب، لونًا زاهيًا أُضيف إلى الأسود والأبيض، وعلامةً يعرف الجميع موضعها ومعناها.

أمّا من قرب، فيُسمع الحديد وهو يطرق العظم.

رنّةٌ قصيرة وثقيلة، لا تشبه صوتًا آخر. ثمّ يظهر الشقّ في الرأس، وينزل الدم على الوجه، فيغطّي الجبين والحاجبين، ويصل إلى الكفن الأبيض.

بعض الرجال يمشون بثبات، وبعضهم يسند بعضًا. ومن حولهم، يسارع آخرون إلى مسح الدم، أو رشّ الماء، أو فتح الطريق.

لا فوضى في الظاهر. لكلّ واحد مكانه، ولكلّ حركة وقتها، كأنّ الألم نفسه تعلّم أن ينتظم.

غير أنّ الدم هذه السنة لا يظلّ رمزًا مكتملًا. لا يعود من السهل النظر إليه بوصفه استعادةً لدم كربلاء وحده.

فأهل النبطية رأوا الدم في مواضع أقلّ استعدادًا له: على عتبات البيوت، وتحت الركام، وفي السيّارات التي لم تبلغ مقصدها. رأوه من دون رايات أو مواكب، ومن دون أن يكون في مقدور أحد أن يحدّد له بدايةً أو نهايةً.

لذلك، يبدو الدم الذي يسيل في العاشر من محرّم أقرب ممّا ينبغي إلى دم لم يتحوّل بعد إلى ذكرى.

Image-1782473290.Jpeg

حدادٌ أوسع من المناسبة

كانت النبطية، في الماضي، تصنع مشهد عاشوراء، ثمّ تعود، بعد انتهائه، إلى أسواقها وبيوتها. ينفض الناس السواد تدريجيًّا، وتُفكّ الخيام، وتُطوى الرايات إلى العام التالي، إنّها مُناسبة لم يطوها التقادم، عند شيعة جبل عامل.

أمّا الآن، فلا يبدو واضحًا ما الذي يمكن طيّه.

فالحداد أوسع من المناسبة، والخراب باقٍ بعد انفضاض المواكب، وصور "الشهداء" ليست كلّها آتيةً من تاريخ بعيد.

تبدو مأساة النبطية كأنّها عودة المدينة إلى زمن كانت تظنّه محفوظًا في المجالس والكتب. كأنّ القتل والهدم والاقتلاع من البيوت لا يحدث مرّةً واحدة، بل يجد في كلّ زمن أدوات جديدةً لكي يُعاد. كأنّ أهل المدينة، وهم يحيون عاشوراء في ذروة الخراب الجهنميّ، لا يستعيدون مأساةً وقعت في الماضي فحسب، بل يحاولون أن يمنحوا مأساتهم اسمًا قديمًا، اسمًا يعرفون كيف يبكونه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث