شكراً لبنان

أحمد جابرالسبت 2026/06/27
يافطة شكراً إيران في الضاحية الجنوبية (Getty)
لبنان الداخل ملعب للخارج (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شكراً لبنان. لا شكر لأي أجنبي إلاّ إذا أتى لبنان بما يستحقّ الشكران.

شكراً لبنان، البلد الذي تضمر رغبة بنائه أكثرية أبنائه. البلد الذي صار موضوعاً للشتيمة وللسخرية أحياناً، وللشماتة أحياناً أخرى، هو المرغوب في مقام "السباب"، وهو المستدعى في مقام الغياب.

 

لكن من نشكر في لبنان؟

من عانى فصَبَر، وكل من خسر فتعالى على خسارته، وكل من أحاقت به بلوى الحرب وويلاتها، من أقصى جنوب البلد إلى أقصى شماله. هؤلاء هم المنزّحون من الديار، وغيرهم المقتلع من ربيع الأعمار، وغيرهم المطرود من مسقط الرأس إلى ديار الغربة... كل أولئك هم الذين لم تأخذهم المحنة إلى الفتنة، ولم توقعهم "العصبيَّة" الطائفية أو المذهبية في شقاق أو انشقاق، ولم يمنعهم انفراد فئة طائفية بسياسات من فوق رأس المجموع، من دون الوقوف على هواجسه، من الثبات على سياسة فتح الحوار، وعلى الكتابة بقلم "المناصحة"، وعلى التشبُّث بدعوة اللقاء حول "طاولة" سواء.

من "شكراً لبنان" إلى السجال مع مقالات ومقولات وكلمات، تقفز من فوق مأساة الواقع لتزيّنه بشحن عاطفي فئوي، ولتغلّف اعتذارها المطلوب بفوقيّة افتراضية فيها أكثر من "لو"، وفيها أكثر من لهجة آمرة، وفيها أكثر من تهديد، قليله مبطَّن وأكثره معلن.

الإدلاء بكلام مخالف، من الإشارة الصغيرة إلى المسألة الكبيرة، واجب عام، على كل من يقول شكراً لبنان. التعليق على خطاب بخطاب غير مجدٍ، ففي هكذا ممارسة تعميم لخطاب وجهته الأساسية فئة من محبِّذيه، لذلك يصير الأجدى حبس الفئوية في سياقها الذي أرادته، وتقييدها بالمفيد ممّا يخالف منطلقاتها، وتبيان وشرح مغالطاتها ودعواتها وادعاءاتها، والعناية القصوى بما يتجاوز ضيق "أفقها" من شرح وتعليل ومن اقتراحات، تنطلق من الواقع الواقعي وتبني على ضروراته وعلى ممكناته.

في السياق، يقف لبنان على مفترق مصير سياسي خطير. سلاح هذا "اللبنان" رهانه على شيء من الفهم الدولي والإقليمي لقلَّة حيلته "التكوينية"، ورهانه على الكثير من فهم سكانه لخطورة التلاعب بمقومات وحدته الهشّة، وعلى تفهمهم لخطورة الانزلاق نحو ما يهدّد هذه الوحدة. في معرض هذه المخاطرة، لا بأس من ذكر ما قاله أمين عام حزب الله، عن أن "لبنان بمكوّناته، وليس بمناصبه" لنستطرد فنقول للأمين العام:

هذا صحيح، وتلك هي الحال، وعليه، فإن لبنان بمكوّناته، وليس "بسلاح" فئة من فئاته". هذا لنظلّ على جادة القول: هذا حقّ يُراد به الحق، وليس قولاً يراد به الباطل.

 

السيرة التي تُعيب على الحكم وليس الدولة، التفاوض مع العدو الإسرائيلي، لا تعيد الاعتبار آليّاً إلى تعويم خيار "الكفاح" المسلح ضد إسرائيل. خلاصة السيرة التحذيرية، أو ذات الصفات "الأخلاقية"، الدعوة إلى تزكية سياسات قتالية ما زالت مستمرة منذ سنة التحرير عام 2000. حصيلة السيرة لا تزكّيها وطنيّة عموميّة، ولا تزكّيها مساهمة في بنية النظام الذي صارت "السلاحيّة" طرفاً من أطرافه.

ومن دون التأفّف من تكرار المقولة السلاحية، يظل الأجدى دعوة أصحاب المقولة إلى نقاش مخاطر التفاوض على المحصلة الوطنية اللبنانية، ودعوتهم، بالتالي، إلى تقديم دعمهم لإقالة عثرات المفاوض الرسمي، من مدخل المزاوجة بين الأداء الذي يستطيعه الرسمي، ولا يستطيع مغادرته، والأداء الذي يستطيعه "السلاحي"، بحيث تكون ازدواجية الأداء ممرّاً إلى كسب وطني عام، وباباً يدخل منه النسق الرسمي إلى التشدّد المفهوم، حيث يجب، وإلى المرونة اللازمة حيث تدعو الحاجة. هكذا ازدواجية تقوم على ركيزة التفاهم الوطني، وحول الأولويات العامة، وتنعقد حول هدف تمتين وتعزيز الوحدة الداخلية، التي أنهكتها "حروب الآخرين على أرضنا"، مثلما أنهكتها أدوات هذه الحروب الداخلية. هنا يتقدم السؤال: ألا تستحق السلاحيّة "تثمين" فهمها، ومباركة أدائها، لو كانت ظلاًّ خلفيّاً للازدواجية؟ الجواب بلى؟ هل تستحق السلاحية الشكر؟ الجواب بالنفي، لأن ما تقدم عليه حينها، هو الواجب الوطني الذي يجب أن يكون هادياً لكل الفئات، ولكل السياسات، ما كان منها سلميّاً وما كان منها حربيّاً.

نتابع داخلياً للقول، إن تتمة الخطاب "السلاحي" مكتوبة بقلم الخطاب "السيادوي". الخطابان ينجزان الإغلاق على فتح ممرّات نحو الوحدة التي يناديان بها، ونحو الإنقاذ الذي "يتاجران" به، ودائماً في صيغة قطع "مفهومي" تعزّزه يقينيّة سياسية منتشية، تنطوي على "نكدٍ" سجالي، مثلما تتعجّل ركوب مراكب مغامرات خارجية، فتعقد رهانها على نتائجها، وتتفاءل بتوظيف النتائج في عملية انقلاب تخالف وتتجاوز ما هو قائم من معادلات داخلية. هو استقواء خارجي، تنعاه السيادية على السلاحية، وتردّ هذه الأخيرة على "السيادية" بتحية التبعية والانبطاح والاستسلام.

الداخل ملعب للخارج، ربما كان "طاقم" الحكّام خارجياً كلّه، لكن اللاعبين كلهم من أزقة لبنان ومن حاراته الطائفية.

 

على صعيد الخارج، نفرز ولا نطيل:

نسأل عن إيران التي شكرتها الشيعية، ونجيب بما هو ضروري، ومن دون اعتماد أسباب الشاكرين. لقد وظَّفت إيران "الساحة" اللبنانية، مثلما وظَّفت ساحات عربيّة أخرى. جَنَى التوظيف قطفته إيران. كان من الطبيعي أن تدفع إيران كلفة الزرع وأجور الزرّاع... إذن لماذا نشكر من حرث حقلنا لحسابه؟

على جادة معاكسة، على إيران أن تشكر لبنان، كل لبنان، وأن تردَّ له الجميل من "كيس" جناه، وعلى الساسة الإيرانيين واجب الاتصال بأركان الحكم الثلاثة وإبلاغهم بأنها مع الشكر، ستبذل ما في وسعها دعماً لاستقلالية القرار اللبناني، وتعزيزاً لمؤسساته، وترسيخاً لوحدة أبنائه، ونزعاً لكل أسباب القلق والاضطراب التي ما زالت تحيق بالمصير اللبناني. عندها سنقول شكراً، لإيران في إيران، وشكراً لإيران داعمة لبنان، وسنرفض كل عدوان يطال الأرض الإيرانية، مثلما سنرفض كل تدخل في الشأن الإيراني الداخلي، وسندافع عن حقوقها المشروعة كدولة إقليمية لها ثقلها المعترف به دوليّاً.

السؤال الإيراني صار عاملاً داخليّاً، لذلك يستوجب وقفة وشرحاً، أما السؤال عن إسرائيل فلا يتطلب أكثر من كلمات قليلة: إسرائيل عدوّ مزمن، وعدوانها المتمادي منذ ما بعد طوفان الأقصى، أقصى سؤال التطبيع معها عشرات الأعوام. لقد أطاحت إسرائيل بمناخ عربيّ تنامى بعد اتفاق كمب ديفيد مع مصر، وبعد اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية... هذا المناخ تبدّد اليوم وانهار، وحلَّت محلّه موجة من الكراهية العميقة التي تركت آثارها على الأداء السياسي لبعض من الدول العربية وغير العربية. هذه الواقعة، يجب أن يضعها الحكم اللبناني في اعتباره، وعليه، يجب أن يكون مفهوماً لديه الحذر الذي يبديه "مكوّن" لبناني أو أكثر، فالحذر ليس مفتعلاً، والكراهية حقيقية، وما تعرّض له لبنان، وما حصل في غزّة، يشحن كل دليل على ردّة الفعل الكارهة بمزيد من الأمثلة الواقعية.

 

خارج كل خارج إقليمي، ماذا عن الولايات المتحدة الأميركية؟ حتى إثبات واقعي مخالف ملموس، سيظل عنوان المرحلة الحالية، لبنانيّاً وفلسطينيّاً، أن ما تعرض له البلدان جاء في سياق هجمة استعمارية أميركية جديدة، كان للقاعدة الإسرائيلية فيها دور أساسي، وعليه، فإن إسرائيل وُظِّفت وما زالت كذراع وهراوة لهذه الهجمة الأميركية. هل يفضي بنا ذلك إلى اقتراح سياسة قطع مع "الراعي" الأميركي؟ ليت ذلك كان ممكناً. لكن، وعلى جادة الواقعية، لا بأس من الاستعانة بقول الشاعر:

ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده 

تصيده الضرغام فيما تصيّدا

نخشى على لبنان من سياسة "الضرغام"، لبنان الذي لا يقوى على صيد، هو الذي ما زال طريدة يلاحقها كل "الصيادين".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث