في موازاة النقاش الداخلي والسجال المفتوح حول دور الجيش اللبناني، زار وفدٌ سياسيّ لبنانيّ العاصمة البلجيكية، بروكسيل، وعقد سلسلة لقاءات مع مؤسّسات الاتحاد الأوروبيّ، وجهاز العمل الخارجيّ، والجهات المعنيّة بآليّة السلام الأوروبيّة الداعمة للجيش اللبنانيّ "EPF"، إضافةً إلى عدد من أعضاء البرلمان الأوروبيّ ومسؤولين في حلف شمال الأطلسيّ.
وضمّ الوفد النوّاب وضّاح الصادق ونجاة صليبا وإبراهيم منيمنة، إضافةً إلى الأمين العامّ لحزب الكتلة الوطنيّة. وركّزت اللقاءات على دعم حصر السلاح بيد الدولة، وتحقيق الانسحاب الإسرائيليّ الكامل، ومساندة المفاوضات الهادفة إلى إنهاء حالة الحرب، فضلًا عن دعم الجيش ومؤسّسات الدولة.
التحرّك لا ينفصل عن محاولة لبنانيّة للبحث عن هامشٍ أوروبيّ في ظلّ ثقل الدور الأميركيّ، وتراجع قدرة فرنسا على فرض مبادرات مستقلّة. فالاتحاد الأوروبيّ، على الرغم من محدوديّة تأثيره المباشر، يبقى قادرًا على توفير دعمٍ سياسيّ وماليّ للمؤسّسات اللبنانيّة، وعلى لعب دورٍ أكثر توازنًا في مقاربة العلاقة بين السلاح والانسحاب الإسرائيليّ.
منيمنة: إعادة لبنان إلى الاهتمام الأوروبيّ
وقال النائب إبراهيم منيمنة، في حديث إلى "المدن"، إنّ الهدف من الزيارة كان عرض الموقف اللبنانيّ مباشرةً، وتوضيح طبيعة التطوّرات الداخليّة، والتعرّف إلى مواقف الكتل الأساسيّة داخل البرلمان الأوروبيّ.
وأوضح: "حاولنا شرح الموقف الرسميّ اللبنانيّ الجديد، ولا سيّما ما يتعلّق بحصر السلاح بيد الدولة، والانسحاب الإسرائيليّ، وموقف لبنان من هذه القضايا، إضافةً إلى ما تقوم به الحكومة في هذا المجال".
وأضاف أنّ الاجتماعات تناولت سبل دعم رئيس الجمهوريّة في المفاوضات التي يقودها، وكيف يمكن للاتحاد الأوروبيّ مساعدة لبنان سياسيًّا، إضافةً إلى بحث ملفّات الإغاثة والمساعدات والنازحين، ودعم مؤسّسات الدولة والجيش.
وعن الأولويّات التي طرحها الوفد، قال منيمنة: "ركّزنا أوّلًا على ضرورة استعادة لبنان سيادته كاملةً، ودعم قرارات الحكومة المتعلّقة بحصر السلاح بيد الدولة، وتثبيت سلطتها على كامل الأراضي اللبنانيّة، إلى جانب ضرورة انسحاب إسرائيل".
وأشار إلى أنّ الموقف الأوروبيّ بدا "متوازنًا وإيجابيًّا إلى حدٍّ كبير"، وأنّ معظم الكتل التي التقاها الوفد أبدت تفهّمًا للموقف اللبنانيّ. لكنّه لفت إلى أنّ الملفّ اللبنانيّ لا يحظى حاليًّا بالاهتمام الكافي، نتيجة انشغال المجتمع الدوليّ بتطوّرات الشرق الأوسط والملفّ الإيرانيّ والمفاوضات المرتبطة به.
وقال: "كان التحدّي هو كيفيّة إعادة وضع الملفّ اللبنانيّ ضمن أولويّات النقاش، في ظلّ ازدحام الأجندة الإقليميّة والدوليّة".
دورٌ أوروبيّ مطلوب
ينفي منيمنة وجود تحفّظات أوروبيّة جوهريّة على أداء الحكومة أو على مسار معالجة ملفّ السلاح. لكنّه يشير إلى أنّ مسؤولين أوروبيّين عبّروا عن رغبتهم في مشاركة أوسع في النقاشات المتعلّقة بلبنان.
وأضاف: "شدّدنا على ضرورة حضور الاتحاد الأوروبيّ ومشاركته. ففرنسا تشارك أصلًا في آليّة مراقبة وقف إطلاق النار، وللاتحاد الأوروبيّ موقفٌ متوازن يمكن أن يكون مفيدًا، ولذلك دعونا إلى منحه دورًا ومساهمةً أكبر".
وعن اختيار أعضاء الوفد، أوضح منيمنة أنّ الأمر يعود إلى الجهة المنظّمة، مرجّحًا أن يكون الاختيار قد استند إلى شبكة الشخصيّات التي تتعاون معها المؤسّسة. وأشار إلى أنّ أعضاء الوفد تحرّكوا ضمن إطارٍ عامّ مشترك، مع احتفاظ كلّ منهم بوجهة نظره السياسيّة الخاصّة.
"فريدريش ناومان": فتح قنوات مباشرة
من جهتها، قالت مديرة البرامج في مؤسّسة "فريدريش ناومان للحرّيّة"، مكتب لبنان وسوريا، مي المصري، لـِ "المدن"، إنّ مكتب بيروت أعدّ البرنامج ونظّمه بهدف تعزيز التواصل بين المسؤولين اللبنانيّين ومؤسّسات الاتحاد الأوروبيّ.
وأوضحت أنّ المؤسّسة السياسيّة الألمانيّة افتتحت مكتبها في لبنان في العام 2017، وتعمل منذ ذلك الحين مع مؤسّسات الدولة والأحزاب والشخصيّات السياسيّة، ومن ضمن أنشطتها التواصل مع النوّاب في البرلمان اللبنانيّ.
وقالت المصري: "منذ بداية الحرب، رأينا ضرورة تعزيز الحوار وإقامة صلة مباشرة بين النوّاب وأصحاب القرار في لبنان وبين مؤسّسات الاتحاد الأوروبيّ، لتمكين المسؤولين اللبنانيّين من نقل صورة واضحة عن الأوضاع والتهديدات الراهنة، وشرح أوجه الدعم التي تحتاج إليها الدولة اللبنانيّة".
وأضافت أنّ أهمّيّة هذا التواصل ازدادت بعد انتخاب رئيسٍ للجمهوريّة وتشكيل الحكومة الجديدة، وفي ظلّ التطوّرات الأمنيّة في الجنوب، وبدء البحث في المرحلة التي ستلي المفاوضات والترتيبات الأمنيّة المحتملة.
وعن معايير اختيار المشاركين، أوضحت المصري أنّ المؤسّسة تعتمد على شبكةٍ من الشركاء الذين تتعاون معهم ضمن برامجها، وتسعى إلى دعم شخصيّات تحتاج إلى أدواتٍ وعلاقات تساعدها على تطوير حضورها السياسيّ، ولا سيّما في ظلّ التفوّق التنظيميّ الذي تتمتّع به الأحزاب الراسخة.
وشدّدت على أنّ أعضاء الوفد هم الذين حدّدوا الأولويّات السياسيّة التي طرحوها، فيما اقتصر دور المؤسّسة على تنظيم اللقاءات ومدّ قنوات التواصل. وقالت إنّ الرسائل الأساسيّة تمحورت حول دعم الدولة اللبنانيّة، ومساندة رئيس الجمهوريّة والحكومة في القرارات المتّصلة بحصر السلاح، ودعم المفاوضات الرامية إلى تحقيق الانسحاب الإسرائيليّ.
ووصفت أجواء الاجتماعات بأنّها "إيجابيّة جدًّا"، مشيرةً إلى أنّ المسؤولين الأوروبيّين أبدوا اهتمامًا بالاستماع مباشرةً إلى النوّاب والسياسيّين اللبنانيّين، بما يساعدهم على إعداد قرارات وتوصيات تستند إلى معلومات ومواقف صادرة عن شخصيّات موجودة داخل لبنان.




