ملف السلاح دخل المرحلة الأخطر: الجيش على محكّ القرار السياسي

بتول يزبكالجمعة 2026/06/26
Image-1772712356
تتحدث أوساط سياسية عن ضغوط أميركية ودولية لتسريع الخطوات المتصلة بحصر السلاح. (ء(
حجم الخط
مشاركة عبر

يدخل لبنان مرحلةً لن يعود فيها النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة مجرّد خلافٍ على المبدأ، بل سيتحوّل إلى صراعٍ على التوقيت والآليّة والجهة التي ستتحمّل الكلفة السياسيّة والأمنيّة للتنفيذ. فالقرار الذي يبدو واضحًا في البيانات الرسميّة، يصبح أكثر تعقيدًا عند الانتقال إلى الميدان، حيث الاحتلال الإسرائيليّ مستمرّ، والانقسام الداخليّ يتّسع، والضغوط الخارجيّة تدفع في اتّجاه تحميل المؤسّسة العسكريّة مهمّةً لم تُستكمل شروطها السياسيّة بعد.

في هذا المناخ، تزايدت الضغوط السياسية على الجيش والانتقادات له على لسان نواب ومسؤولين يعتبرون أنه لا يلتزم بالقرارات السياسية للدولة، وفي السياق علمت "المدن" أنه قبل أيام، عقد عدد من النوّاب اجتماعًا لمناقشة أداء الجيش اللبنانيّ في تطبيق قرار حصر السلاح. 

 

ضغطٌ نيابيّ وخطّة غير مكتملة

وبحسب المعلومات، عبّر المجتمعون عن ملاحظات على وتيرة العمل، وطالبوا قيادة الجيش بتقديم مقاربة أكثر وضوحًا للمرحلة المقبلة، بما ينسجم مع قرارات السلطة السياسيّة ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخليّ.

يرى هؤلاء النوّاب أنّ القرار الحكوميّ يحتاج إلى ترجمة عمليّة، وجدولٍ يحدّد الأولويّات والمراحل الممكنة. فالمؤسّسة العسكريّة، بوصفها الجهة المعنيّة بالتنفيذ الميدانيّ، مدعوّة إلى مواكبة القرار السياسيّ بخطّة قابلة للتطبيق، لا أن يبقى الملفّ معلّقًا بين التصريحات والانتظار.

لكنّ المسألة ليست تقنيّة. فالجيش لا يعمل في فراغ، ولا يستطيع التعامل مع السلاح بوصفه ملفًّا أمنيًّا منفصلًا عن الاحتلال الإسرائيليّ، والمفاوضات، والتوازنات الداخليّة، وموقف "حزب الله". وأيّ انتقال من جنوب الليطاني إلى شماله يفتح بابًا على صراعٍ سياسيّ وأمنيّ أوسع، في ظلّ رفض الحزب مناقشة سلاحه خارج إطار تسوية شاملة تنهي الحرب وتضمن الانسحاب الإسرائيليّ.

لذلك، لا يقتصر الخلاف على سرعة الجيش أو بطئه. الخلاف الحقيقيّ يدور حول طبيعة المهمّة التي يراد إسنادها إليه، وهل تتوافر لها مظلّة سياسيّة وطنيّة، أم أنّ المؤسّسة العسكريّة تُدفع إلى واجهة مواجهةٍ لم تحسمها الدولة سياسيًّا.

 

الجيش في مواجهة الشروط المتناقضة

تتحدّث أوساط سياسيّة عن ضغوط أميركيّة ودوليّة لتسريع الخطوات المتّصلة بحصر السلاح، وإظهار التزامٍ لبنانيّ عمليّ بالقرارات الرسميّة. ويُنظَر إلى هذا الالتزام بوصفه شرطًا لتحسين موقع لبنان التفاوضيّ، والحصول على دعمٍ أوسع للجيش، وإعادة الإعمار، ومؤسّسات الدولة.

غير أنّ المشكلة تكمن في أنّ إسرائيل تتمسّك بحرّيّة الحركة العسكريّة، وتربط أيّ انسحابٍ أو ترتيبٍ أمنيّ بشروط إضافيّة، بينما يُطلب من لبنان تقديم خطوات مسبقة. وهنا يصبح الجيش بين مهمّتين متناقضتين، حماية الاستقرار الداخليّ من جهة، وتنفيذ مطالب سياسيّة وأمنيّة قد تدفعه إلى صدامٍ داخليّ من جهة أخرى.

المؤسّسة العسكريّة تحتاج إلى غطاءٍ سياسيّ واضح، وإلى توافقٍ يمنع استخدامها في تصفية الحسابات الداخليّة. كما تحتاج إلى ضمانات متعلّقة بالانسحاب الإسرائيليّ، ووقف الاعتداءات، ودعم قدراتها اللوجستيّة والميدانيّة. أمّا مطالبتها بوضع خطّة كاملة من دون أن تحسم السلطة السياسيّة شروط التنفيذ، فتعني عمليًّا نقل الأزمة من الحكومة إلى قيادة الجيش.

وقد وصلت بعض المداولات النيابيّة إلى طرح مسؤوليّة قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، في حال استمرّ غياب تصوّر تنفيذيّ واضح. لكنّ الدعوات إلى إقالته لا تزال محدودة، ولم تتحوّل إلى مسارٍ سياسيّ رسميّ. في المقابل، تدعو أوساط نيابيّة إلى تجنّب شخصنة النقاش، والتركيز على خطّة وطنيّة مشتركة بين الحكومة والجيش والقوى السياسيّة المعنيّة.

 

بين بناء الدولة واستخدام الجيش

تكشف الحركة النيابيّة في بيروت أنّ ملفّ السلاح دخل مرحلةً أكثر خطورة. فالتوافق النظريّ على حصره بيد الدولة لا يكفي، ما لم تُحسم العلاقة بين هذا القرار والانسحاب الإسرائيليّ، ومستقبل المفاوضات، ودور الجيش، والضمانات المطلوبة لمنع الانزلاق إلى صدامٍ داخليّ.

لا يمكن إعفاء الجيش من مسؤوليّته في تقديم تصوّرٍ تنفيذيّ، لكن لا يمكن أيضًا تحميله وحده تبعات قرارٍ سياديّ بهذا الحجم. فالسلطة السياسيّة مطالبة بتحديد الهدف والمرحلة والحدود، وتأمين الغطاء الداخليّ والدعم الخارجيّ، بدل تحويل المؤسّسة العسكريّة إلى ساحةٍ جديدة للصراع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث