حجم الخط
مشاركة عبر
تحت ضغط هائل، لبنان وإسرائيل موضوعان وجهاً لوجه على طاولة الخارجية الأميركية. وقد دخلت المفاوضات مرحلة حرجة من الترقب والتحدي مع تمديدها يوماً إضافياً بضغط أميركي مباشر، إثر جولة شاقة أمس استمرت 11 ساعة من دون تحقيق خرق. وتسعى الإدارة الأميركية جاهدة لانتزاع "بيان نوايا"، وسط تباين حاد يضع الوفد اللبناني أمام ضغوط استثنائية في وجه لمناورات الإسرائيلية.
الخلاف الجوهري ينصب على "المناطق التجريبية" أو "النموذجية"، حيث ترفض تل أبيب بشكل قاطع إدراج أي عبارات تشير إلى الانسحاب من جنوب لبنان في النص. وبدلاً من ذلك، هي تحاول فرض معادلة أمنية تقضي بانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي لا تزال خاضعة لنفوذ حزب الله، والتي لا تحتلها إسرائيل حالياً، مع الإصرار على دفع الجيش اللبناني إلى دخول مواقع استراتيجية كعلي الطاهر لإحكام السيطرة عليها، بما يخدم مصلحة تل أبيب في نزع سلاح الحزب.
في مقابل التصلب الإسرائيلي، برز تطور سياسي لبناني لافت يتمثل في تفويض مجلس الوزراء- بموافقة وزراء حركة أمل وحزب الله- رئيسي الجمهورية والحكومة لمنح الوفد العسكري المفاوض صلاحية صياغة الاتفاقات. وعلى رغم أن هذا التفويض يمنح المفاوض اللبناني مرونة وسقفاً رسمياً مدعوماً، إلا أنه محكوم بشرط حاسم وهو وجوب عودة الاتفاق إلى مجلس الوزراء للموافقة عليه قبل إبرامه، ما يضع كوابح داخلية تمنع تقديم تنازلات تمس بالسيادة أو تتجاوز الخطوط الحمر المبدئية.
ويعكس السجال داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي غياب النوايا الحقيقية للانسحاب الكامل. فبينما تتحدث تقارير استخبارية عن حتمية "انسحاب جزئي" مغاير للمواقف المعلنة، يصر الموقف السياسي والعسكري لنتنياهو وكاتس على منح الجنود حرية حركة كاملة للرد على أي تهديد، مع إعلان الأخير أن القوات الإسرائيلية ستبقى في لبنان وسوريا وغزة " من دون حد زمني"، بالتوازي مع استمرار الخروقات في شكل حاد ودموي يومياً.
جلسة "الأعصاب المشدودة"
إذاً، الجميع في لبنان ينتظر ما ستخرج به الجلسة الرابعة من جولة التفاوض الخامسة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، بعد تمديد الجولة ليوم إضافي. وحتى اللحظة لا معطيات إيجابية، فيما أفادت معلومات أنّ "إسرائيل لم توافق على أن يتضمن نص إطار العمل أي عبارات حول الانسحاب من جنوب لبنان"، كما تحدثت معلومات أن "إعلان النيات متعثّر حتى الساعة بسبب المناطق النموذجيّة وإسرائيل تريد أن ينتشر الجيش اللبناني في المناطق التي لا تحتلّها أي في المناطق التي ينتشر فيها حزب الله".
في المقابل، يتمسّك لبنان بأن يتضمّن أي إعلان أو تفاهم عناصر واضحة تتعلّق بتثبيت السيادة اللبنانية، وتكريس دور الجيش اللبناني كجهة شرعية وحيدة، مع ربط أي ترتيبات تتعلّق بالمناطق النموذجية بانسحاب إسرائيلي مقابل. وفي هذا الإطار، أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون الوفد اللبناني المفاوض ضرورة عدم القبول بأي صيغة أو بند يمكن أن يُفسَّر على أنه انتقاص من السيادة اللبنانية. وقالت الوزيرة الإسرائيلية غيلا غامليئيل عن جولة المفاوضات الأخيرة: "نحن نتعاون مع حكومة لبنان. ترامب لا يزال معنا في هذه المصلحة - هو أيضاً يريد أن يتم نزع سلاح حزب الله".
الانسحاب "رمزي".. ووقف النار كذلك
وتطرح إسرائيل مقاربة تقوم على الحصول على ضمانات أمنية، وتدفع باتجاه منع إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله، إلى جانب توسيع انتشار الجيش اللبناني في المناطق غير الخاضعة لسيطرتها، وخصوصاً في المناطق التي تشهد حضوراً للحزب. ونقلت شبكة "سي إن إن" عن مصدر إسرائيلي أن إسرائيل تدرس تنفيذ انسحاب رمزي من مناطق في لبنان، في إطار ما وصفه بـ"مبادرة حسن نية" خلال مسار المفاوضات الجارية. في المقابل، أكد مصدر لبناني عدم ملاحظة أي تحركات إسرائيلية تؤشر إلى أي انسحاب، بل على العكس فقد سُجل توغل اليوم لآليات إسرائيلية باتجاه بلدة حاريص وآلية واحدة على الأقل دخلت إلى البلدة. كما ذكرت معلومات أنّ الإسرائيليين كانوا قد أبلغوا الميكانيزم بأنهم وسّعوا الخط الأصفر ليشمل برعشيت والمنصوري ومجدل زون. وتوغلت آليات عسكرية وجرافات من بلدة حداثا باتجاه مشارف بلدة حاريص في قضاء بنت جبيل وتمركزت في منزل ابراهيم حجازي. وقامت بعملية تمشيط واسعة للمنطقة وسط تحليق كثيف للطيران المسير والاستطلاعي، فيما تم إلقاء مناشير فوق المنصوري. وشنت إسرائيل غارتين على النبطية. وأفيد عن إصابة جنود إسرائيليين أمس بعد اشتباكات مع حزب الله في بيت ياحون التي أغار عليها الطيران الإسرائيلي.
عون يتطلع إلى صيغة دولية
نوه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بما صدر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية من موقف داعم للبنان وشعبه في مواجهة التحديات الراهنة، والذي يعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع لبنان بدول المجلس. ونوه بتأكيد دول مجلس التعاون على أهمية الحفاظ على أمن لبنان واستقراره ووحدة أراضيه، وحرصها على دعم مسار الإصلاحات وتعزيز مؤسسات الدولة، بما يلبّي تطلعات اللبنانيين إلى دولة قوية وقادرة وعادلة.
كما أعرب عون عن بالغ الامتنان لاستعداد دول الخليج العربي لمواصلة دعم لبنان إنسانياً وتنموياً، بما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للشعب اللبناني، مؤكدا أن لبنان سيبقى حريصاً على أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى تطويرها في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار في المنطقة.
من جهة ثانية، رحب رئيس الجمهورية بالإعلان الذي صدر عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني امس في شأن السعي إلى تشكيل تحالف دولي حول آلية ما بعد القوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل" . ورأى عون في هذه المبادرة "تعبيراً صادقاً عن الالتزام الدولي بدعم سيادة لبنان واستقراره، وتثمينا حقيقياً للدور الذي تضطلع به القوات المسلحة اللبنانية في حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لا سيما في المناطق الحدودية الجنوبية". كما أعرب عون عن تقديره للتأكيد الإيطالي الفرنسي المشترك على ضرورة عدم ترك أي فراغ خطير في مرحلة ما بعد "اليونيفيل" ، إذ يتطابق هذا التوجه مع الرؤية اللبنانية الثابتة القائلة بأن الجيش اللبناني هو الضمانة الوحيدة والحقيقية لأمن الجنوب وصون سيادته.
وأكد رئيس الجمهورية أن لبنان يتطلع إلى أي صيغة دولية تُعزز قدرات قواته المسلحة وتصون وحدة أراضيه، وتحول دون تحوّل أرضه إلى ساحة للتصعيد أو التجاذبات الإقليمية، مُجدِّداً انفتاح لبنان على التنسيق مع شركائه الدوليين بما يخدم مصلحة الشعب اللبناني ويُرسّخ الاستقرار في المنطقة.
قاسم والمرتكزات الخمسة
وأما حزب الله فحدد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم 5 مرتكزات:
• انسحاب اسرائيلي كامل من دون قيد أو شرط "ولا يحق لأحد أن يقدم شيئاً، والسقف هو سيادة لبنان واتفاق 27 تشرين الثاني 2024".
• ايقاف العدوان جواً براً وبحراً
• المقاومة مستمرة بوجودها وإمكاناتها وقرارها، "وهي هذا الشعب وهذه الأرض".
• على السلطة السياسية أن "تجمع الكلمة ووحدة الصف بمواجهة العدو وتتوقف عن تنفيذ املاءات الوصاية، فنحن جاهزون ونمد اليد إذا سرتم في طريق سيادة لبنان وبناء الدولة، وإعادة أموال المودعين، وإعادة الإعمار".
• جاهزون بعد الانسحاب الإسرائيلي لدراسة الاستراتيجية الوطنية للدفاع.
مستقبل الجنوب
وبذلك، تتعدى محادثات واشنطن الحالية إطار السعي لإنتاج "بيان نوايا"، لتبدو كمعركة صياغة لمستقبل الجنوب اللبناني وهويته الأمنية. فمقترحات تل أبيب حول "الانسحابات الرمزية" أو "مبادرات حسن النية" لا تعدو كونها مناورة تضليلية، إذ يقابلها على الأرض توسيع للخط الأصفر وتوغل مستمر في عمق البلدات الجنوبية. ويسعى الاحتلال صراحة إلى تفريغ الاتفاقات من بند "الانسحاب الكامل"، وتحويل الجيش اللبناني إلى أداة لضبط مناطق نفوذ حزب الله دون مقابل سيادي، في ظل ضغط أميركي غير واضح الاتجاه. وفي الواقع، تضع واشنطن المفاوض اللبناني في عنق زجاجة زمني لانتزاع إعلان النوايا في نهاية جلسة اليوم. غير أن هذا المسعى يصطدم برغبة إسرائيلية في تجيير الاتفاق لفرض واقع أمني يحجّم حزب الله، من دون التزام انسحاب حقيقي، وهو ما يجعل صيغة التفاوض المشروط، و"التفويض المشروط" اللبنانية، خط الدفاع الأخير لمنع تحول التفاهمات الأمنية المؤقتة إلى احتلال دائم مقنع.




