إسرائيل تزرع طاولة المفاوضات "استعراضات انسحابية".. بلا رصيد

مانشيت - المدنالخميس 2026/06/25
الجنوب ركام علم حزب الله (Getty)
موقف الكتلة لا يقتصر على الاعتراض على شكل التفاوض، بل يقدم قراءة مغايرة لموازين القوى.. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدأ الوفدان اللبناني والإسرائيلي، في واشنطن، مفاوضات اليوم الثالث من الجولة الخامسة، بمشاركة أميركية مباشرة، وسط معطيات واضحة عن لجوء إسرائيل إلى أساليب المناورة في وجه مطالب لبنان بتثبيت وقف النار والانسحاب الكامل. فهي تملأ الإعلام بأخبار الاستعداد للانسحاب من الجنوب، ولو بخطوات محدودة، لكنها في الواقع تماطل وترفض تقديم جداول زمنية واضحة للانسحاب الكامل، وتتذرع بسلاح حزب الله ودعم إيران العسكري والمالي له، لتبرير استمرار عملياتها ومواصلة السيطرة على معظم مناطق الجنوب. وأعلن الإسرائيليون بوضوح أن لا انسحاب من لبنان إلا بعد نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني. وهذا الشرط يعني أن طريق المماطلة طويل جدًّا. وفي هذه المناخات، يبدو أن ما يُشاع عن انسحابات جزئية أو "مناطق تجريبية" ليس سوى خطوات استعراضية لامتصاص الضغط الدولي وإسكات الرأي العام، من دون أي فاعلية حقيقية على الأرض. وفي أي حال، أشار اليوم ضبّاط إسرائيليون ميدانيون إلى عدم تلقّيهم أيّ أوامر بالإخلاء من الجنوب.

في المقابل، وعلى رغم امتلاك المفاوض اللبناني تصوّرًا تنفيذيًّا للانتشار جنوب الليطاني، فإنّه يفتقر إلى أوراق القوّة الفاعلة. فلا هو قادر على إجبار إسرائيل على الجلاء، ولا هو يملك القدرة على دفع حزب الله إلى التجاوب في ملفّ السلاح، خصوصًا مع انتعاش طموحات المحور الإيراني بفضل الصفقات المحتملة مع واشنطن.

وبالتزامن مع المحادثات، يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته جنوباً. وفيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي أوقف مساعيه للسيطرة على المنشأة "الاستراتيجية" التابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، وأن نفق حزب الله في بلدة مجدل زون جنوبي لبنان لا يزال قائمًا، استمرت العمليات. واستهدفت إسرائيل اليوم سيارة على طريق ميفدون، ما أدّى إلى سقوط ثلاثة شهداء وجريح، كما أقدمت على إحراق عدد من المنازل في عين عرب. وتوصلت عمليات التمشيط، كما في كفرتبنيت، ما يؤكّد غياب التوجّه الفعلي للانسحاب. 

لذلك، تواجه المفاوضات خطر التعثّر، إذ تستبدل إسرائيل الانسحاب الشامل بترتيبات موضعيّة لا قيمة فعليّة لها، مستغلّةً غياب الضغوط الحقيقيّة عليها وضبابيّة الموقف الأميركي.

 

تفاوض على الانسحاب أم تفاوض على شروط بقائه؟

دخلت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة المباشرة يومها الأخير في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، بعد ثلاثة أيّام من الاجتماعات السياسيّة والعسكريّة المكثّفة. لكنّ كثافة الجلسات لم تنعكس تقدّمًا موازِيًا في جوهر الملفّ، أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وترسيخ وقف إطلاق النار.

المشكلة الأساسيّة أنّ الطرفين لا يتفاوضان انطلاقًا من تعريف واحد للمهمّة. لبنان يذهب إلى واشنطن على أساس أنّ الانسحاب الإسرائيلي التزام يجب تنفيذه، فيما تتعامل إسرائيل معه بوصفه مكافأة مشروطة بسلسلة إجراءات لبنانيّة تسبق الجلاء. وبهذا المعنى، تحاول تل أبيب قلب المعادلة، من انسحاب تفرضه موجبات وقف النار والسيادة اللبنانيّة، إلى مسار أمنيّ مفتوح تُمسك هي بتوقيته وشروطه وحدوده.

إعلان الحكومة الإسرائيليّة أنّ "نزع سلاح حزب الله شرط أساسيّ لانسحاب قوّاتنا من جنوب لبنان" لا يشكّل تفصيلًا تفاوضيًّا، بل يرفع سقف المفاوضات إلى مستوى يعرف الإسرائيليون مسبقًا أنّ الدولة اللبنانيّة لا تستطيع حسمه سريعًا. فملفّ السلاح يتجاوز الانتشار العسكري جنوب الليطاني، ويمتدّ إلى توازنات داخليّة وإقليميّة معقّدة، ما يتيح لإسرائيل تحويل الشرط إلى ذريعة دائمة للبقاء.

 

المناطق التجريبيّة فخّ سياسيّ بواجهة أمنيّة

قدّم الوفد اللبناني، وفق المعلومات المتداولة، أكثر من عشرة اقتراحات تتعلّق بما يسمّى "المناطق التجريبيّة"، بعضها بالتنسيق مع الأميركيين. إلّا أنّ إسرائيل رفضت المقترحات التي تمنح لبنان مكسبًا أمنيًّا أو سياديًّا واضحًا، وأصرّت على اختيار نقاط محدودة يمكن الانسحاب منها إعلاميًّا، من دون أن يؤثّر ذلك في بنيتها العسكريّة أو قبضتها على المنطقة الحدوديّة.

هنا تكمن خطورة الطرح. فالمناطق التجريبيّة قد تتحوّل من خطوة أولى نحو الانسحاب الكامل إلى بديل دائم منه. وقد يجد لبنان نفسه أمام مشهد تُخلي فيه إسرائيل مساحة هامشيّة، ثم تطالب الجيش اللبناني بإثبات قدرته على ضبط الأرض، وتدقيق عناصره، ومنع أيّ حضور لحزب الله، قبل الانتقال إلى مرحلة ثانية لا موعد محدّدًا لها.

بهذه الصيغة، يصبح لبنان تحت الاختبار، فيما لا تخضع إسرائيل لأيّ اختبار مماثل. عليها فقط أن تنسحب جزئيًّا، أمّا الدولة اللبنانيّة فعليها أن تنفّذ التزامات أمنيّة وسياسيّة واسعة، تحت رقابة أميركيّة وإسرائيليّة، ومن دون ضمانة بأن يقابل ذلك انسحاب كامل.

 

واشنطن تدير الأزمة ولا تحسمها

التناقض بين تصريحات المسؤولين الأميركيين يعكس طبيعة الدور الذي تؤدّيه واشنطن. وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو تحدّث عن تقدّم "جيّد جدًّا"، وعن اقتراب الطرفين من "التزام نوايا"، فيما حذّر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى من أنّ القضيّة أعقد من مجرّد وقف لإطلاق النار.

هذا التباين ليس لغويًّا فقط. الولايات المتّحدة تبدو راغبة في إنتاج إعلان سياسيّ يمنع انهيار المحادثات، لكنّها لا تظهر استعدادًا لفرض جدول زمنيّ ملزم على إسرائيل. وهي بذلك تضغط على لبنان لإنجاز ترتيبات أمنيّة قابلة للقياس، فيما تكتفي من إسرائيل بإشارات مرنة أو خطوات توصف بأنّها "بادرات حسن نيّة".

حتى الحديث الأميركي عن انسحاب إسرائيلي من جزء من المنطقة العازلة اصطدم بنفي إسرائيلي وميداني لبناني. فالجيش الإسرائيلي أعلن أنّه لم يتلقَّ أوامر بالإخلاء، وأكّدت مصادر عسكريّة لبنانيّة أنّ قوّات الاحتلال لا تزال في مواقعها. وهذا يكشف أنّ واشنطن تحاول أحيانًا تسويق التقدّم قبل تحقّقه، للحفاظ على زخم التفاوض ومنع إعلان الفشل.

 

إسرائيل تفاوض بالنار وتثبّت حرّيّة الحركة

بينما كانت الجلسات منعقدة في واشنطن، واصلت إسرائيل غاراتها وعمليات التمشيط والتحليق المكثّف للطائرات المسيّرة، بما في ذلك فوق بيروت. ولم يكن ذلك منفصلًا عن التفاوض، بل جزءًا منه. فإسرائيل تريد أن تقول إنّ وقف إطلاق النار لا يعني تقييد قدرتها على الضرب، وإنّ وجود المفاوضات لا يمنعها من فرض قواعد ميدانيّة أحاديّة.

إعلان رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو أنّ "المهمّة في لبنان لم تنتهِ" يقدّم التفسير السياسيّ لهذا السلوك. إسرائيل لا تبحث فقط عن ضمانات حدوديّة، بل عن تكريس نموذج يمنحها حقّ التدخّل العسكري متى ادّعت وجود تهديد. وهذا النموذج أخطر من الاحتلال الثابت، لأنّه يحوّل السيادة اللبنانيّة إلى سيادة مشروطة بالتقييم الأمنيّ الإسرائيلي.

الغارات على كفررمان وميفدون وإحراق المنازل، بالتوازي مع الحديث عن الانسحاب، تؤكّد أنّ إسرائيل تحاول الجمع بين صورتين: دولة تتفاوض تحت الرعاية الأميركيّة، وقوّة احتلال توسّع هامشها الميداني. وهي تستخدم الصورة الأولى لاحتواء الضغط الدولي، والثانية لتحسين شروطها على الطاولة.

 

حزب الله يرفض المسار ويتمسّك بالمظلّة الإيرانيّة

في الداخل اللبناني، يزيد موقف كتلة الوفاء للمقاومة تعقيدات المشهد. فالكتلة أعلنت رفضها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ورفض أيّ تفاهمات أو التزامات قد تصدر عنها، محذّرةً من تحويل "المناطق التجريبيّة" إلى مدخل لمنح إسرائيل مكاسب على حساب السيادة.

لكنّ موقف الكتلة لا يقتصر على الاعتراض على شكل التفاوض، بل يقدّم قراءة مغايرة لموازين القوى. فهي ترى أنّ الدعم الإيراني أسهم في فرض وقف إطلاق النار وفي بناء معادلة إقليميّة جديدة، وتدعو السلطة إلى الاستفادة منه بدل تقديم ما تصفه بـ"التنازلات المجانيّة".

هذا الخطاب يعني عمليًّا أنّ ملفّ السلاح لن يدخل مسار المعالجة تحت الضغط الإسرائيلي، وأنّ حزب الله يريد حصر النقاش في الانسحاب ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى، على أن تبقى القضايا الأخرى شأنًا داخليًّا. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم هذا الرفض تحديدًا لتأكيد روايتها بأنّ الدولة اللبنانيّة عاجزة عن تنفيذ التزاماتها، فتتحوّل المواقف المتقابلة إلى حلقة مغلقة يستفيد منها الاحتلال.

 

الدولة بين خطاب الوحدة ومحدوديّة القدرة

يحاول رئيس الجمهوريّة جوزاف عون تثبيت معادلة داخليّة تقوم على وحدة اللبنانيين باعتبارها "أقوى سلاح"، بالتوازي مع التحضير لمرحلة إعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة الحركة السياحيّة والاقتصاديّة. لكنّ هذه الأولويّات تبقى مرتبطة بشرط لم يتحقّق بعد، هو ثبات وقف إطلاق النار.

الدولة تمتلك خطّة للانتشار جنوب الليطاني، وتستطيع تعزيز حضور الجيش والمؤسّسات، لكنّها لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم كاملًا، ولا قدرة عسكريّة تتيح لها فرض الانسحاب على إسرائيل. كما أنّها تخشى أن تتحوّل أيّ مواجهة داخليّة حول السلاح إلى انقسام يبدّد ما تبقّى من عناصر القوّة الوطنيّة.

لذلك، يدخل لبنان المفاوضات محكومًا بمعادلة شديدة القسوة: مطلوب منه تقديم ضمانات لا يستطيع تنفيذها دفعة واحدة، في مقابل انسحاب إسرائيلي غير مضمون. أمّا واشنطن فتبحث عن صيغة تمنع الانفجار، لا عن تسوية تعيد السيادة كاملةً.

 

بيان نوايا أم وثيقة لإدارة المماطلة؟

قد تنتهي الجولة الخامسة بإصدار "بيان نوايا" يحدّد مبادئ المرحلة المقبلة، لكنّ قيمة أيّ بيان لن تقاس بعباراته، بل بثلاثة عناصر واضحة: جدول زمنيّ للانسحاب، وقف فعليّ للاعتداءات، وضمانة تحول دون تحويل الترتيبات المؤقّتة إلى احتلال دائم.

من دون ذلك، سيصبح البيان غطاءً دبلوماسيًّا لإدارة النزاع، وستتحوّل "المناطق التجريبيّة" إلى وسيلة لتجزئة السيادة اللبنانيّة. فإسرائيل تريد انسحابًا قابلًا للتراجع، وانتشارًا لبنانيًّا خاضعًا لشروطها، وحقًّا مفتوحًا في التدخّل. أمّا لبنان، فيريد انسحابًا كاملًا، لكنّه يفاوض من دون أوراق ضغط كافية.

وعليه، لا تكمن عقدة واشنطن في اختيار قرية تنسحب منها إسرائيل أو نقطة ينتشر فيها الجيش اللبناني، بل في السؤال السياسيّ الأكبر: هل تُلزم الولايات المتّحدة إسرائيل بإنهاء احتلالها، أم تمنحها الوقت لإعادة صياغته تحت عناوين أمنيّة جديدة؟ حتى الآن، توحي الوقائع بأنّ النار في الجنوب أكثر وضوحًا من الوعود على طاولة التفاوض.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث