لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة في واشنطن

فراس العريضيالأربعاء 2026/06/24
ترامب
الأولوية الأميركية في السياسة الخارجية عادة ما تحكمها المصالح الاستراتيجية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في عالم السياسة الدولية، ثمة مبدأ واحد يبقى ثابتاً لا تزعزعه الأيديولوجيات ولا تهزّه الشعارات: مبدأ المصلحة. وواشنطن، أكثر من أي عاصمة أخرى في العالم، تجسّد هذا المبدأ بامتياز. فلا حليف دائم ولا عدو أبدي، والمصلحة الأميركية هي البوصلة التي تحكم التوجهات.

الأولوية الأميركية في السياسة الخارجية عادة ما تحكمها المصالح الاستراتيجية التي تأخذ أحياناً شكل تفاهمات غير معلنة وتسويات ضمنية لا ترقى إلى مستوى الاتفاقيات الرسمية، لكنها تكون أكثر فاعلية في أحيان كثيرة. ولا يعني ذلك انتقال هذه القوى إلى خانة الحلفاء، بل يكفي أن تتقاطع المصالح مرحلياً لتحقيق أهداف محددة ومؤقتة.  والتاريخ مليء بالتحولات المدهشة التي يصعب فهمها بمعزل عن هذا المنطق.

 

نماذج من الواقع: من العدو إلى الشريك

لعل أبرز الأمثلة على هذه البراغماتية الأميركية ما جرى في أفغانستان، من خلال التفاوض مع حركة طالبان التي طالما صنّفتها «إرهابية»، وانتهى المطاف بإبرام اتفاق الدوحة عام 2020. 

وفي سوريا، لم تتردد الولايات المتحدة في التعاون مع فصائل كانت في أصلها قريبة من تنظيم القاعدة، حين وجدت فيها أداةً تخدم توجهاتها. وفي العراق، تعاملت مع تيارات شيعية مسلحة كانت حتى تستهدف قواتها، حين باتت هذه التيارات لاعبةً رئيسية في المعادلة السياسية العراقية. أما في اليمن، فقد شهدنا مفاوضات أميركية غير مباشرة مع الحوثيين لإدارة أزمة الملاحة في البحر الأحمر. 

وفي جميع هذه الحالات لم يتعلق الموضوع بطبيعة هذه القوى أو توصيفها السياسي، بل بمدى قدرتها على التأثير في مسار الأحداث وخدمة أهداف أميركية محددة في لحظة معينة.

 

ترامب وحزب الله: إشارات أم تمهيد لصفقة؟

في هذا السياق تحديداً يجب قراءة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة حول الاتصالات مع حزب الله  لوقف إطلاق النار في لبنان. ورغم النفي القاطع الذي أطلقه الحزب لهذه الاتصالات، فإن إصرار ترامب على تكرار هذا الموضوع في أكثر من مناسبة ومحفل لا يمكن اختزاله بمجرد خطأ أو مبالغة.

فهل يكون ذلك إشارةً مقصودةً موجّهةً إلى حزب الله، توحي باستعداد واشنطن للدخول في تفاهمات معه؟ 

ما يعزز هذه الفرضية، التصعيد الذي رافق قصف الضاحية والرد الإيراني في العمق الإسرائيلي بما يحمله من رسائل، أولها إن حزب الله يشكل جزءاً أساسياً في المنظومة العسكرية الإيرانية، وثانياً فرض قواعد اشتباك جديدة تغير موازين القوى في المنطقة. ورغم ذلك جاء الموقف الأميركي ضاغطاً على إسرائيل لوقف النار وتعليق العمليات العسكرية في طهران.

فهل يُمهّد ذلك لإبرام صفقة ضمنية تُعيد رسم خريطة النفوذ في لبنان؟

واشنطن اعتادت إدارة الأزمات عبر تفاهمات مرحلية مع قوى الأمر الواقع، والسؤال ليس عن إمكانية تواصل واشنطن مع حزب الله، بل ما هو سقف هذا التواصل والضمانات التي يمكن أن تنتج عنه؟

 فهل تستعد واشنطن للقبول بدور محوري لحزب الله في مفاصل الدولة اللبنانية مقابل ضمانات معينة تخدم المصالح الأميركية في المنطقة؟ 

طبعا إن أي صفقة ضمنية تُعنى بترتيب الأوضاع في لبنان، لن تمر إلا عبر قنوات الجمهورية الإسلامية الإيرانية كجزء من مقايضة أوسع، ما يجعل حزب الله، في حسابات واشنطن، جزءاً من سلة تفاوضية إقليمية أشمل، تضم منظومة كاملة، وليس مجرد فصيل محلي قائم بذاته.

إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن انعكاساتها على الداخل اللبناني ستكون بالغة العمق والتعقيد. فمن جهة، قد يُفضي وجود تفاهم يضم واشنطن - طهران - حزب الله، إلى استقرار أمني واحتواء للتصعيد العسكري في المرحلة المقبلة. ومن جهة أخرى، سيثير هذا السيناريو قلقاً بالغاً لدى العديد من القوى السياسية اللبنانية التي طالما جاهرت برفضها لهيمنة الحزب على قرار السلم والحرب، وطالبت بسحب سلاحه. وسيجد اللبنانيون أنفسهم أمام معادلة مألوفة: قرارات مصيرية تُتّخذ فوق رؤوسهم وخارج حساباتهم. 

 

 هل تخضع تل أبيب للضغوط؟

لعل الطرف الأكثر حساسيةً تجاه هذا المشهد هو إسرائيل. فحزب الله يُشكّل على مدار عقود الهاجس الأمني الأول لتل أبيب، وأي تفاهم أميركي - إيراني في هذا الإطار، حتى لو كان تكتيكياً ومحدوداً، سيُعدّ في الحسابات الإسرائيلية ضربةً للأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية.

غير أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية، رغم متانتها التاريخية، لم تكن يوماً خاليةً من التوتر حين تتعارض الحسابات. 

وقد أثبتت التجارب أن الدعم الأميركي لإسرائيل، على أهميته وثباته الاستراتيجي، لا يلغي وجود تباينات في بعض الملفات عندما تتعارض الأولويات التكتيكية مع الحسابات الإسرائيلية المباشرة، وهذا ما رأيناه في غزة، فهل تتكرر الصورة في لبنان؟

المرجح أن إسرائيل لن تقبل بأي صفقة تُبقي على بنية حزب الله العسكرية سليمةً ومتجذّرةً في جنوب لبنان. غير أن التاريخ يُشير إلى أن تل أبيب قبلت سابقاً بتسويات لم تكن في حسبانها، حين وجدت نفسها أمام ضغط أميركي مباشر مقرون بضمانات أمنية بديلة. فالسؤال ليس إن كانت إسرائيل ستقبل، بل بأي ثمن؟

 

كثيراً ما تركت السياسة الخارجية الأميركية الباب مواربًا أمام الخيارات التي تخدم مصالحها مهما بدت مستبعدة في لحظة معينة. لذلك، مهما علا هدير الطائرات ودوي الانفجارات، يبقى المبدأ في واشنطن ثابتاً: لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث