وسط تغيرات إقليمية متسارعة قلبت المشهد السياسي رأساً على عقب، يفاوض لبنان السياسي والعسكري في واشنطن.
في مشهد اليوم بازل بصور كثيرة لكن غير مكتملة، من بينها الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في تشرين الاول الماضي وانتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني المقبل وأهمّها الاتفاق الأميركي-الإيراني الذي وضع وقف إطلاق النار في لبنان كأولوية وهو ما لا يتوافق وسياسة تل أبيب. فرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أكد أن قواته تمتلك حرية الحركة في جنوب لبنان وأن حكومته ترفض أي آلية لا تكون شريكة فيها، ذلكَ رداً على تشكيل خلية تنسيق بين لبنان وإيران وأميركا بوساطة قطرية، لمنع الاحتكاك.
مفاوضات شاقة على مدى ثلاثة أيام
على مدى ثلاثة أيام يخوض الوفدان السياسي والعسكري مفاوضات شاقة مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية في واشنطن. اليوم الأول طغى عليه الشقان السياسي والعسكري في اجتماع أول سياسي-عسكري مشترك واجتماعين لاحقين منفصلين، مع الإشارة إلى أن الوفد العسكري اللبناني الذي كان موجوداً رفض التقاط الصورة الافتتاحية الموسعة التي تضمه إلى الوفد الإسرائيلي في موقف مبدئي. فيما سيركز البحث في اليوم الثاني على الشق العسكري حصراً الذي قد يستكمل باجتماع آخر إذا اقتضت الحاجة، أما اليوم الثالث فسيركز على الجانب السياسي الصرف.
توجيهات رئيس الجمهورية للوفد واضحة ولا رجوع عنها، وهي أولاً تثبيت وقف إطلاق النار الذي سيشكل مساراً أساسياً في المفاوضات بشقيها العسكري والسياسي بمعزل عما تم الإتفاق عليه في إعلان النوايا الإيراني-الأميركي لاسيما في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية.
لكن في موازاة البحث عن تثبيت وقف النار الذي شكل بنداً أساسياً على جدول أعمال الجولات الأربع الماضية، الأساس في الجولة الخامسة هو استكمال مناقشة إعلان النوايا الذي أدخلت عليه تعديلات سابقة والذي لا يزال قيد النقاش على طاولة المفاوضات في واشنطن. الجانب اللبناني وبحسب معلومات "المدن" يتمسك من جهته بالثوابت الخمسة التي سبق أن حددها رئيس الجمهورية وهي وقف النار والإنسحاب الاسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، علماً أن الجانب الإسرائيلي يشدد من جانبه على ضرورة نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية وهو شأن داخلي بالنسبة للبنان.
هذا في الشق السياسي، أما عسكريّاً فتركز المفاوضات أيضاً على جدول الإنسحاب الاسرائيلي وطرح المناطق التجريبية الذي اقترحه الجانب الأميركي في الجولة الأخيرة. يومها وافق لبنان على بدء هذا النموذج من قلعة الشقيف وزوطر الشرقية والغربية وذلك بهدف الحفاظ على النقطة الاستراتيجية المتمثلة بقلعة الشقيف المرتفعة والواقعة على ضفة نهر الليطاني من جهة ولحماية النبطية من جهة أخرى. لكن هذا الطرح بات ساقطاً سياسياً وعسكرياً لكونه لم يلق ردّاً إسرائيليّاً ولأن النبطية سقطت تحت النيران الإسرائيلية المباشرة والتوغلات المحيطة بها. أما اليوم فتشير معلومات "المدن" إلى أن البحث في المناطق التجريبية قد بدأ في الاجتماع العسكري إلى حيث يحمل الجيش اللبناني خرائط وأكثر من طرح حول المناطق التجريبية المقبولة وهو منفتح على مناقشة مختلف الطروحات المتعلٌّقة بنطاق هذه المناطق مع أفضليّة توسعتها وذلك للإسراع في مهمة انسحاب الاحتلال الاسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني. الأساس بالنسبة للبنان هو الذهاب نحو خطوات عملية قابلة للتنفيذ من دون عراقيل من أي جهة أتت، وعليه يكمن الشرط الأساسي و هو تسليم الجيش اللبناني منطقة محتلّة من قبل الجيش الاسرائيلي، لا أن يتمّ طرح بقعة تجريبية ضمن منطقة لم يصل الإحتلال إليها أصلاً. فمفهوم المنطقة التجريبية يقتضي تسليم الجيش مساحة محتلّة في جنوب الليطاني ليقوم هو بتنظيفها من السلاح لا أن يتم اختبار الجيش كشرط مسبق للإنسحاب.
تقارب إسلام أباد صفعة للمفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية؟
لا شك في أن الوضع اللبناني يشكل محور اهتمام أميركي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب وهو ما تدلّ عليه الإتصالات المكثفة مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بما تحمله من رسائل تأكيد على دعم مواقفه لبسط سلطة الدولة الشرعية وتعزيز سيادتها الوطنية وآخرها كان الاتصال الذي تلقاه الرئيس عون بعد "ظهر الثلاثاء من نائب الرئيس الاميركي جي دي فانس ووزير الخارجية الاميركية ماركو روبيو. لكن أكثر ما كان لافتاً في بيان رئاسة الجمهورية حول الاتصال هو التشديد الأميركي على متابعة الولايات المتحدة الأميركية تنفيذ ما اتفق عليه في اجتماعات سويسرا ومنها تشكيل خلية من الولايات المتحدة ولبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان ومراقبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة بذلك، كما كان لافتاً تأكيد إجراء دراسة الترتيبات المتعلقة بعمل الخلية وطريقة تشكيلها. هذه المتابعة تعني عملياً التسليم بالدور الإيراني كراع أساسي لحزب الله وبضرورة إشراك إيران في اي تسوية لاحقة، لكن أكثر ما هو نافراً في تشكيل الخلية اللبنانية -الايرانية-الأميركية هو إبعاد إسرائيل عن هذه المشهدية وهو ما استدعى رداً قاسياً من السفير الإسرائيلي في واشنطن يحائيل لايتر في مستهل مفاوضات واشنطن.
ففي افتتاحية الجلسة قال لايتر "قبل أربع جولات، صعدنا جميعاً إلى القطار نفسه. جلسنا في العربة نفسها وانطلقنا نحو الوجهة ذاتها، فيما كانت الولايات المتحدة بمثابة القاطرة التي تجرّنا إلى الأمام. كان هذا القطار يتجه نحو هدف واضح جداً: سلام شامل بين بلدينا، ولبنان خالٍ من النفوذ الإيراني ومن تأثيره الخبيث، وتفكيك حزب الله، وتحقيق السلام والأمن لكل من لبنان وإسرائيل. أما اليوم فإن القطار مهدد بالخروج عن السكة وآمل أن نتمكن من إعادته إلى مساره الصحيح.
وأضاف لايتر، "كان الافتراض الأساسي أن إيران أصبحت خارج المعادلة، وأن القضية المركزية هي لبنان وحزب الله، لا مدى قدرة إيران على كبح حزب الله. فهذا ليس دور إيران. دور إيران هو مغادرة لبنان. أما مسؤولية الحكومة اللبنانية فهي ممارسة سيادتها. والسيادة تعني ألا يكون لإيران أي دور أو نفوذ سلبي في لبنان..
هناك خطر حقيقي يتمثل في أن يكون الحزب قد حصل على فرصة جديدة للحياة. ولا شك في أنه يشعر اليوم بجرأة وثقة أكبر مما كان عليه في السابق".
بناء عليه يبدو أن المصالح الإيرانية – الأميركية والتقارب المطلوب من أجل التوصل إلى تسوية إقليمية يفرضان تباعداً دبلوماسياً أميركياً إسرائيلياً في الوقت الراهن، لاسيما في ظل الضغط الداخلي الذي يواجه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من قبل اليمين المتطرف بشكل أساسي، الذي يعتبر أنه يجب على اسرائيل أن لا تنصاع لأميركا وأن الأولوية هي لأمن مواطني اسرائيل بغض النظر عن تأكيد تقديرهم لمواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
حزب الله وهاجس الاستسلام
" لولا التهديد الإيراني يوم السبت بالغاء اجتماع سويسرا في اليوم التالي لما كان أعلن يومها نتنياهو توجيهاته عن وقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان". هذا ما تؤكد عليه مصادر حزب الله لـِ "المدن"، التي تسأل عن جدوى التفاوض في واشنطن وتبدي خشيتها من أن تقدّم الدولة اللبنانية للجانب الاسرائيلي ما لم يتمكن من تحقيقه في الميدان. فوقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه هو بحسب المصادر نتيجة لمباحثات اسلام أباد ولما تحقّق في الميدان، أما الأهم فهو ما أكدته إيران لثنائي أمل-حزب الله وفق مصادر الثنائي لـِ "المدن" حول وجوب حصول الإنسحاب الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال فترة التسين يوماً من المفاوضات. وتضيف المصادر عينها أن إيران أبلغت الثنائي بأنها لن تقبل بتوقيع أي اتفاق مع أميركا حول السلاح النووي قبل الإنسحاب بشكل كامل من الأراضي اللبنانية وهو ما تمّ الاتفاق عليه ضمناً في البند الأول من مذكرة التفاهم التي نصت على "تأمين سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها". بناء على كل هذه المعطيات تجدد مصادر الثنائي رفضها للتفاوض المباشر في موازاة ورقة القوة التي تقدمها إيران في مفاوضات سويسرا مع الجانب الأميركي المستعجل لتحقيق إنجاز في الداخل وإنهاء الحرب.
أما بالنسبة لطرح المناطق التجريبية الذي يبحثه لبنان فتقول مصادر الثنائي أن الطرح المقبول بالنسبة اليها هو ما عبّر عنه الرئيس نبيه بري حول انسحابات على صعيد الأقضية ضمن فترة زمنية محدّدة، وهو ما يتلاقى إلى حدّ ما مع المهلة الزمنية الإيرانية. فالمصادر عينها تعتبر أن الإنسحاب التدريجي يجب أن يطال مساحات واسعة ضمن فترة زمنية قصيرة أما عكس ذلك فسيضع لبنان تحت رحمة الإسرائيلي. وتضيف المصادر أن كل إنسحاب إسرائيلي سيقابله انسحاب لحزب الله من جنوب نهر الليطاني، وفق هذا الطرح.
هذا بالنسبة لنظرة ثنائي أمل حزب الله لمسألة التفاوض، أما بالنسبة للبنان الرسمي فإن الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض هي الدولة اللبنانية وتحديداً رئاسة الجمهورية وفقا لما ينص عليه الدستور، وعليه تؤكد المصادر أن لبنان الذي يرحب بأي مساعدة خارجية يبقى هو الجهة الوحيدة التي تفاوض على كل ما هو مرتبط بسيادته وأسراه وأرضه.
فهل سيصمد هذا الكباش وتزداد المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية تعقيداً أم أن لبنان هو الذي سيصمد أمام التسويات الإقليمية؟




