الخط الأصفر والجغرافيا الجديدة بعد التفاهم الأميركي-الإيراني

Image-1777050151
يتناول تقدير الموقف دلالات إعلان إسرائيل إنشاء ما سمته "الخط الأصفر" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تناول تقدير للموقف صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات دلالات إعلان إسرائيل إنشاء ما سمّته "الخط الأصفر" داخل الأراضي اللبنانية في 18 نيسان/أبريل 2026، باعتباره محاولة لتكريس واقع أمني وجغرافي جديد في جنوب لبنان، لا مجرَّد إجراء عسكري مؤقت. ويربط التقدير هذا التطور بتجدُد الحرب في 2 آذار/مارس 2026، وما تبعها من عدوان إسرائيلي واسع شمل عمليات جوية وبرية واسعة وتدمير بلدات حدودية، ومنع عودة السكان، والسعي إلى فرض منطقة عازلة واحتلالها.

 

ويبيّن التقدير أنَّ العمليات الإسرائيلية ركَّزت على مواقع ذات أهمية عسكرية ورمزية، مثل الخيام، بنت جبيل، قلعة الشقيف، وتلة علي الطاهر، في مقابل إظهار حزب الله قدرة على خوض معركة استنزاف واستخدام وسائل قتالية كالمسيّرات الانقضاضية والصواريخ الدقيقة. وعلى الرغم من التفاهم الأميركي-الإيراني الأخير، يخلُص التقدير إلى أنَّ وقف إطلاق النار لا يكفي وحده لضمان انسحاب إسرائيلي أو إنهاء المواجهة، في ظل ربط إسرائيل الانسحاب بأمن شمالها وملف سلاح حزب الله.

 

بناءً على ذلك، يرجّح تقدير الموقف أن يتجه جنوب لبنان إلى حالة "لا حرب شاملة ولا سلم كامل"، حيث تتحول المنطقة المحتلة ضمن "الخط الأصفر" إلى بؤرة توتر واستنزاف دائمين، ما لم تُعالج القضايا السياسية والأمنية الأعمق المرتبطة بالانسحاب، وسيادة الدولة اللبنانية، وسلاح حزب الله، وترتيبات الأمن الحدودي.

 

مقدمة

في الثامن عشر من نيسان/أبريل 2026، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إنشاء ما سمّاه "الخط الأصفر" داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة مثّلت أول تثبيت معلن لواقع احتلالي جديد في جنوب لبنان منذ الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000. وجاء هذا الإعلان عبر خريطة نشرها إعلام جيش الاحتلال، حدّد فيها مسار هذا الخط بحيث يمتد من المياه الإقليمية اللبنانية غربًا إلى القطاع الشرقي عند سفوح جبل الشيخ على الحدود اللبنانية-السورية، مرورًا بالقطاعين الغربي والأوسط.

 

يشمل "الخط الأصفر" هذا مساحات واسعة من الأراضي في جنوب لبنان، وعشرات القرى والبلدات، حيث نفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات هدم وتجريف وتدمير واسعة النطاق طاولت العديد من هذه البلدات، في مقاربة عسكرية بدت مستنسخة من النموذج الذي اعتمدته إسرائيل في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة. وتزامن ذلك مع تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين أكّدت التمسك بما يُعرف بـ "المنطقة الأمنية العازلة"، وأشارت إلى عدم السماح بعودة السكان إلى أجزاء واسعة من المناطق الواقعة ضمنها.

ينطلق تقدير الموقف من فرضية أنَّ إنشاء "الخط الأصفر" يتخطى كونه إجراءً عسكريًّا مؤقتًا يعكس توجّهًا إسرائيليًّا نحو تكريس واقع جغرافي وأمني جديد في جنوب لبنان. وبناءً عليه، تفترض الدراسة أنّ الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي جرى احتلالها يواجه معوّقات سياسية وأمنية جوهرية، في ظل الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي يربط استمرار السيطرة على أجزاء من الجنوب اللبناني بضمان أمن المستوطنات والبلدات الواقعة في شمال إسرائيل. ومن هذا المنطلق، نسعى هنا إلى تحليل أبعاد هذا التحوّل، ودراسة دلالاته العسكرية والسياسية، واستشراف انعكاساته على مستقبل الحدود اللبنانية-الإسرائيلية والحرب القائمة.

 

أولًا: تجدد الحرب بعد 15 شهرًا من الاعتداءات الإسرائيلية

شكّل فجر الثاني من آذار/مارس الماضي منعطفًا جديدًا في مسار الحرب على لبنان، حين استهدف حزب الله بصلية صاروخية وسرب من المسيرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي في جنوب مدينة حيفا، منهيًا بذلك مرحلة امتدت خمسة عشر شهرًا من الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والتزم به الحزب، ولكن لم تلتزم به إسرائيل

 

لم تمضِ ساعات على إطلاق الصواريخ والمسيرات، ضمن عملية عسكرية أطلقها حزب الله سمّيت بـ "العصف المأكول"، حتى ردّت إسرائيل بعدوان واسع وبسلسلة من الغارات الجوية استهدفت، فجر اليوم نفسه، الضاحية الجنوبية لبيروت وعشرات البلدات الجنوبية، موقعةً عشرات الشهداء والجرحى. كما تسبّبت، وفق السلطات اللبنانية ومنظمات حقوق الإنسان، بموجات نزوح متتالية تجاوز عددها مليون شخص، في ظل إنذارات إخلاء شملت مساحات واسعة من لبنان.

 

ففي خلال الأسبوع الأول من الحرب، انتقلت العمليات الإسرائيلية من مرحلة القصف الجويّ المكثف إلى توغلات برية محدودة، حيث حشدت إسرائيل عشرات آلاف الجنود على الحدود اللبنانية الجنوبية، توزعوا في خمس فرق عسكرية عملت في جنوب لبنان وفق ما كشف عنه جيش الاحتلال الإسرائيلي تباعًا: الفرقة 91، الفرقة 162، الفرقة 36، الفرقة 210، والفرقة 146، ومن ضمن هذه الفرق لواءين رئيسين: لواء غولاني ولواء جيفعاتي.

 

ثانيًا: "الخط الأصفر" والمسار العسكري للعملية البرية

تركّزت العمليات البرية الإسرائيلية، بعد انطلاقتها رسميًّا في منتصف مارس/آذار الماضي، في قرى وبلدات الشريط الحدودي المتاخمة للخط الأزرق، ولا سيما في القطاع الشرقي، مع محاولات حثيثة للسيطرة على بلدة الخيام، وفي القطاع الغربي مع محاولات التقدم من بلدة الناقورة باتجاه بلدة البياضة المشرفة على سهل القليلة ومدينة صور.

استمرت معركة الخيام أيامًا طويلة، تمكَّن خلالها الجيش الإسرائيلي، بغطاء ناري كثيف، من السيطرة على مساحات واسعة من البلدة، ولا سيما أحيائها الجنوبية والوسطى، فيما تواصلت الاشتباكات أيامًا إضافية في أحيائها الشمالية، وسط كرّ وفرّ بين الطرفين.

ثم أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي في نيسان/أبريل الماضي، توسيع عملياته البرية في جنوب لبنان بهدف إنشاء ما وصفه بـ "المنطقة الأمنية" بعمق 10 كيلومترات، مركّزًا تقدّمه في بلدتي الطيبة ودير سريان الواقعتين على الضفة الجنوبية لنهر الليطاني في القطاع الشرقي. وسرعان ما تحوّل نهر الليطاني إلى عنوان رئيسي للعملية العسكرية الإسرائيلية، بعدما أكد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنَّ الجيش الإسرائيلي يسعى إلى إقامة منطقة عازلة تمتد حتى ضفاف النهر.

 

وفي النصف الثاني من نيسان/أبريل، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إنشاء ما سمّاه "الخط الأصفر" في جنوب لبنان، في خطوة بدت استنساخًا واضحًا للنموذج الذي اعتمدته إسرائيل في قطاع غزة، ومنع في الوقت نفسه سكان أكثر من 55 بلدة من العودة إلى أراضيهم.

لم يقتصر استنساخ النموذج الغزّي (أو الغزاوي) على الإجراءات العسكرية والميدانية، بل امتد إلى سياسة التدمير المنهجي للبلدات الجنوبية. فقد توعَّد وزير الأمن الإسرائيلي، وغيره من المسؤولين الإسرائيليين، جنوب لبنان بمصير "رفح وبيت حانون"، في إشارة إلى حجم الدمار الذي خلّفته العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وشملت عمليات النسف والتدمير عشرات البلدات، من بينها الخيام والطيبة ومركبا وحولا وعديسة ودير سريان والقنطرة في القطاع الشرقي، والناقورة ورامية والبياضة وطير حرفا والجبّين وبيت ليف ورشاف في القطاع الغربي، فضلًا عن بلدات القطاع الأوسط، وفي مقدمها مدينة بنت جبيل، كبرى مدن الشريط الحدودي وعاصمة القضاء.

 

ثالثًا: معركة بنت جبيل ودلالاتها الرمزية

حظيت معركة بنت جبيل باهتمام واسع في الإعلام الإسرائيلي وفي الخطاب السياسي والعسكري في تل بيب، نظرًا إلى الرمزية التي اكتسبتها المدينة بعد تحرير جنوب لبنان في عام 2000، وما ارتبط بها من خطابات وصور سياسية جعلتها حاضرة في الذاكرة الإسرائيلية واللبنانية على حد سواء؛ ففي بنت جبيل، كما في عدد من البلدات الحدودية الأخرى، عمد جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى عمليات نسف وتدمير طاولت أحياء سكنية واسعة، في سياق بدا متأثرًا بالرمزية السياسية والتاريخية للمدينة. كما أعادت هذه العمليات إلى الواجهة موقع بنت جبيل بوصفها إحدى المحطات الأساسية في تاريخ الصراع على جنوب لبنان.

 

فبعد إعلان الجيش الإسرائيلي سيطرته على ملعب بنت جبيل، ونشره في منتصف نيسان/أبريل صورًا لقائد الفرقة 98 في الموقع، انتقلت عملياته إلى مرحلة جديدة اتسمت بالتوسع الأفقي والعمودي، سعيًا إلى فرض السيطرة على مزيد من البلدات والأراضي، وفتح الطريق أمام معركة العبور إلى شمال نهر الليطاني.

 

رابعًا: العبور إلى شمال نهر الليطاني

وثّق جيش الاحتلال الإسرائيلي، في الثالث والعشرين من أيار/مايو الماضي، من خلال مواد مصوّرة، وصول قواته إلى نهر الليطاني في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، على بعد ما يقارب 6 كيلومترات من الخط الأزرق. وقد شكّل هذا التقدّم محطة مفصلية في مسار العمليات العسكرية، حيث انتقلت القوات الإسرائيلية بعده إلى مرحلة السعي للسيطرة على المرتفعات والتلال ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو ما أشار إليه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في أكثر من تصريح. وأظهرت مجريات العمليات العسكرية أنَّ التركيز انصبّ بصورة خاصة على قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر، نظرًا لما تمثّلانه من أهمية ميدانية وإشرافية؛ فقلعة الشقيف تقع على مرتفع (700 متر عن سطح البحر) يطل على عدد واسع من قرى وبلدات قضاء النبطية وسهل مرجعيون ومجرى نهر الليطاني، فيما تحوي تلة علي الطاهر، بحسب تقارير إعلامية، أبرز المنشآت العسكرية لحزب الله في المنطقة.

 

بنهاية أيار/مايو، تمكَّن الجيش الإسرائيلي من بسط سيطرته على قلعة الشقيف عقب تقدُّمه عبر عدد من البلدات، أبرزها زوطر الشرقية، كما واصل محاولاته للتقدم نحو بلدة كفرتبنيت في إطار مساعيه المتواصلة لبلوغ تلة علي الطاهر، التي بقيت خارج نطاق سيطرته المباشرة على الرغم من تقدُّمه إلى أطرافها.

 

وفي المحور الشرقي المحاذي لقلعة الشقيف، حاولت القوات الإسرائيلية التقدم، انطلاقًا من بلدة دبين، باتجاه بلدة بلاط ووادي برغز، اللتين تشكلان مع محيطهما الجغرافي امتدادًا جغرافيًا للبقاع الغربي. وتزامن ذلك مع تصعيد ملحوظ في وتيرة القصف الإسرائيلي على بلدات البقاع الغربي، ولا سيما مشغرة وسحمر ويحمر ولبايا، وصولًا إلى الطريق المحاذي لسد القرعون، الذي تعرّض لسلسلة من الغارات أدت إلى قطعه وتعطيل حركة المرور عليه، وشكلت خطرًا على السد ذاته.

 

خامسًا: حزب الله وكلمة الميدان

شكّل انخراط حزب الله في المواجهات التي اندلعت في الثاني من آذار/مارس نقطة تحوّل لافتة في التقديرات الإسرائيلية، حيث نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين عسكريين أنَّ المؤسسة الأمنية فوجئت بقدرة الحزب على إعادة بناء قدراته العسكرية والتنظيمية، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي مُنيَّ بها خلال حرب عام 2024. فقد شهدت تلك الحرب اغتيال أمينين عامين للحزب إلى جانب عدد كبير من قادته العسكريين، كما سبقتها تفجيرات أجهزة النداء (البايجرز) في 17 أيلول/سبتمبر 2024، التي أوقعت آلاف الضحايا بين قتيل وجريح من عناصر الحزب.

 

واعتمد حزب الله خلال المواجهات أنماطاً عملياتية متعددة تكيّفت مع تطورات الميدان ومتطلبات المعركة. فتنوّعت أهدافه بين استهداف المواقع التي كانت إسرائيل قد احتلتها خلال حرب 2024، ومهاجمة المستوطنات والبلدات الحدودية، وصولًا إلى تنفيذ ضربات في العمق الإسرائيلي باستخدام صواريخ دقيقة وبعيدة المدى.

 

أمّا داخل الأراضي اللبنانية في الساحة الجنوبية، فقد خاض الحزب مواجهات عنيفة مع القوات الإسرائيلية في عدد من المحاور والبلدات الجنوبية، ولا سيما في الخيام والطيبة ودير سريان وبنت جبيل وحداثا وعيناثا ومجدل زون والبياضة ورشاف، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى زوطر الشرقية وكفرتبنيت ومحيط تلة علي الطاهر شمال نهر الليطاني. وتشير تقارير أنَّ الحزب نفّذ نحو 3185 عملية عسكرية خلال 105 أيام من القتال، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في إطار التفاهمات التي أُنجزت بين الولايات المتحدة وإيران.

إضافة إلى ذلك، استخدم الحزب طيفًا واسعًا من الوسائط القتالية، شمل الصواريخ الدقيقة البعيدة المدى، والصواريخ الموجّهة المضادة للدروع، والعبوات الناسفة، فضلًا عن منظومات أسلحة أخرى. غير أنَّ الاستخدام المكثّف للطائرات المسيّرة الانقضاضية الموجّهة عبر الألياف الضوئية (FPV) شكّل محورًا رئيسيًّا للجدل داخل إسرائيل، باعتباره من أبرز التطورات العملياتية التي شهدتها الحرب. وأظهرت تسجيلات مصوّرة نشرها الحزب نجاح هذه المسيّرات في استهداف تجمعات للقوات الإسرائيلية وآلياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ووفقًا لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين، فإن هذا النوع من المسيرات كشف نقاط ضعفٍ غير متوقعة في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وهزّت صورة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك في تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أشار إلى تشكيل فريق متخصص لمعالجة هذا التهديد والعمل على تطوير وسائل أكثر فاعلية للتصدي له، بعد سقوط عشرات القتلى من جنود الجيش الإسرائيلي. فقد وثّقت القناة 13 الإسرائيلية سقوط 35 عسكريًّا إسرائيليًّا في هجمات حزب الله في جنوب لبنان منذ الثاني من آذار/مارس الماضي، ليرتفع بذلك عدد قتلى الجيش الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية إلى 82 قتيلًا منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

 

سادسًا: وقف إطلاق النار

شهدت مرحلة العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان سلسلة من المبادرات والتفاهمات الرامية إلى وقف إطلاق النار. وقد جاء بعضها نتيجة المفاوضات المباشرة التي جرت بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، لكنَّها لم تُترجم على أرض الواقع، واقتصرت على خفضٍ بسيط للتصعيد في بعض الأحيان، على الرغم من التشديد على ضرورة وقف إطلاق النار في البيانات التي أعقبت جلسات المفاوضات، وفي تصريحات المسؤولين الأميركيين الضامنين لهذه المفاوضات ونتائجها. في المقابل، ارتبطت تفاهمات أخرى بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام أباد، حيث تمسَّكت طهران بضرورة أن يشمل أيّ اتفاق لوقف إطلاق النار الساحة اللبنانية وسائر جبهات الاشتباك الإقليمية المرتبطة بالصراع.

 

مع ذلك، لم تُفضِ هذه التفاهمات إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. فعلى الرغم من الضغوط الأميركية التي رافقت مسار التفاوض، والتي انعكست في مواقف معلنة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس الداعية إلى احترام التفاهمات الجارية مع إيران، واصلت إسرائيل تنفيذ عملياتها العسكرية. واستمر هذا الواقع حتى بعد دخول الاتفاق الأميركي-الإيراني الأخير حيّز التنفيذ في الثامن عشر من الشهر الجاري، عقب التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم بين الطرفين.

وقد سبق سريان الاتفاق عدد من التطورات الميدانية والسياسية التي أسهمت في رسم ملامح المرحلة اللاحقة؛ فعلى المستوى العسكري، سعت إسرائيل إلى تكريس معادلة ردع تقوم على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت ردًّا على أيّ هجمات تطاول شمال إسرائيل. وكادت هذه المقاربة أن تدفع نحو مواجهة أوسع بين إيران وإسرائيل، بعدما ردّت طهران، في السابع من حزيران/يونيو، بإطلاق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل عقب قصف الضاحية الجنوبية. إلا أنَّ تدخلًا أميركيًّا مباشرًا ساهم في احتواء التصعيد وإنهاء جولة الرد والرد المضاد، بما حال دون انزلاق المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع.

 

خلاصة

تُظهر المعطيات الميدانية والسياسية أنَّ الحرب الإسرائيلية على لبنان مستمرة على المدى المنظور، على الرغم من التفاهمات الدولية الأخيرة؛ فإسرائيل لا تزال متمسكة بعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال العمليات العسكرية الأخيرة، وهو ما عكسه نشر الجيش الإسرائيلي، في 18 حزيران/يونيو الجاري، خريطة جديدة لمنطقة عملياته في جنوب لبنان، بالتزامن مع التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية الخاصة بوقف إطلاق النار. وقد أظهرت الخريطة نطاق السيطرة الإسرائيلية الحالية، كما ضمّت مواقع لم تكن القوات الإسرائيلية قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل بعد، وفي مقدمها تلة علي الطاهر، شمال نهر الليطاني، بما يعكس استمرار الأهداف العسكرية الإسرائيلية، وعدم الاكتفاء بالواقع الميداني القائم.

 

يتعزز هذا الاستنتاج مع سعي إسرائيل إلى رسم حدود ميدانية جديدة بالنار، عبر استهداف مناطق تقع خارج نطاق انتشارها المباشر، ومنها الغارات التي طاولت قرى وبلدات قضاء النبطية شمال نهر الليطاني مثل النبطية الفوقا وكفرتبنيت، بالتزامن مع عودة النازحين، في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار. كما رُصدت اشتباكات ومحاولات تقدم إسرائيلية باتجاه تلة علي الطاهر، واجهها حزب الله باستهدافات صاروخية طاولت أكثر من تجمع للقوات الإسرائيلية في المنطقة، في ترجمة لرفض حزب الله العودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس، أي رفض وقف إطلاق النار من طرف واحد.

 

كما تشير هذه المعطيات إلى أنَّ اتفاق وقف إطلاق النار، على الرغم من إدراج الساحة اللبنانية ضمن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، لا يبدو كافيًا بذاته لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، أو فرض انسحاب إسرائيلي وشيك. ويعزّز هذا الاستنتاج تكرار المواقف الإسرائيلية التي تربط أيَّ انسحاب مستقبلي من الأراضي اللبنانية، ليس بضمان أمن شمال إسرائيل فحسب، كما تدّعي، بل بملف نزع سلاح حزب الله أيضًا، بما يحوّل القضية من مسألة عسكرية مباشرة إلى إشكالية سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.

 

فداخليًّا، يتصل هذا الملف بالتباينات القائمة بين حزب الله والحكومة اللبنانية بشأن مستقبل السلاح ودوره، في ظل تمسّك الحكومة اللبنانية بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وهو ما تكرّر في المواقف والبيانات التي سبقت جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل أو أعقبتها، في مقابل رفض حزب الله هذا الطرح ودعوته المتكررة إلى وقف مسار التفاوض المباشر. أما إقليميًّا، فيرتبط الملف بالدور الإيراني في لبنان وبموقع حزب الله ضمن منظومة التحالفات الإقليمية، ولا سيّما في ضوء الموقف الإيراني الذي اعتبر أنّ حزب الله خرج منتصرًا من المواجهة الأخيرة.

 

بناءً عليه، فإن مستقبل جنوب لبنان لا يبدو مرتبطًا بمسار التفاهمات الدوليّة فحسب، ولا سيما الأميركية-الإيرانية، أو بوقف العمليات العسكرية في ذاته، بل بقدرة الأطراف المعنية على معالجة الإشكاليات السياسية والأمنية الأعمق أيضًا.

هكذا تبقى فرص الهدنة المستدامة رهنًا بتسويات تتجاوز الإطار العسكري المباشر، لتطاول التوازنات اللبنانية الداخلية والتفاعلات الإقليمية التي لا تزال تشكّل أحد أبرز محددات هذا النزاع ومستقبله.

 

لذلك يُمكن أن يؤدي تمسك إسرائيل بالخط الأصفر واعتباره جزءًا من متطلبات أمنها، إلى حالة تفجّر دائمة تنقل الحرب من إطارها الواسع إلى نطاقها الاستنزافي الضيق، خصوصاً وأنّ الطرفين المعنيين بهذه الحرب، أي إسرائيل وحزب الله، ليسا من الموقِّعين المباشرين على مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، بل ملحقَين بها بحكم التحالفات.

 

كما أنّ المحاولات الإسرائيلية للحفاظ على حرية العمل العسكري ورفضها الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، إضافة إلى رفض حزب الله القاطع لهذه المحاولات، يُبقي الجبهة الجنوبية قابلة للاستغلال في أيّ صراع مستقبلي بين الأطراف الإقليمية والدولية المعنية.

أمّا من جانب حزب الله، الذي أكد انتصاره في هذه المعركة، بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، فإنّه يسعى إلى تسويق سردية النصر دون قبول العودة إلى ما قبل اشتعال الحرب المتواصلة، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل على الصعيد السياسي الداخلي أيضًا، مجدّدًا رفضه تسليم سلاحه. لكنّه، في المقابل، لا يبدو راغبًا في حرب شاملة جديدة، خصوصًا بعد الكلفة البشرية والعسكرية والميدانية التي تكبدها.

 

لذلك، فإنَّ المشهد يبدو متجّهًا إلى إنتاج حالة "لا حرب شاملة ولا سلم كامل" بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية من جهة، والمباحثات الأميركية-الإيرانية من جهة أخرى، وما ينتج من ذلك من تسويات سياسية في المنطقة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث