لم تكد جولة المفاوضات المباشرة تنطلق في واشنطن، حتى لاحت تعقيدات جوهرية قطعت الطريق على أي تفاؤل محتمل، وأدت إلى التعثر. وتجلى ذلك في اعتراض واضح من الوفد العسكري اللبناني على الطاولة. وهذا التعثر لا ينفصل عن الاهتزاز المستمر في الواقع الميداني، إذ واصلت إسرائيل اليوم أيضًا خروقاتها لوقف النار، كان أبرزها استهداف سيارة في محيط تلة علي الطاهر، ما أسفر عن سقوط شهيدين، وتوجيه إنذار لأهالي بلدة عين عرب في قضاء مرجعيون بالإخلاء، وصولًا إلى الغارة الجوية التي شنتها الطائرات الحربية الإسرائيلية عصرًا على بلدة النبطية الفوقا.
وترسم المواقف الإسرائيلية الأخيرة سياقًا متصلبًا يهدف إلى إفراغ العملية التفاوضية من مضمونها، ويمكن تلخيصه في أربعة محاور أساسية:
1، إعلان كاتس الصريح: "لن ننسحب من جنوب لبنان ولو طلبت منا واشنطن ذلك".
2، محاولة التبسيط الخبيث للمشكلة بالقول: لا خلاف بيننا وبين حكومة لبنان إلا في نقاط حدودية بسيطة يمكن حلها بالتفاهم، وسننسحب من الجنوب بالكامل.
3، إبداء الاستعداد لانسحابات تجريبية من مناطق محددة وتسليمها للجيش اللبناني، ولكن بشرط أن يتلقى الجيش تدريبًا أمنيًا أميركيًا قبل ذلك لضمان إمساكه بزمام الأمور.
4، الرفض المطلق لمسار سويسرا الدبلوماسي، ولفكرة خلية الرقابة والإشراف الإقليمية المقترحة.
من الواضح أن ما يسعى إليه الإسرائيليون هو وضع لبنان وجيشه أمام سلة من الشروط شبه التعجيزية كمدخل إلزامي لبدء الانسحاب أو تسليم المناطق. والهدف الحقيقي هو ابتكار المطالب الإضافية المتدحرجة لتبرير البقاء ومنع الانسحاب الفعلي. والتمعن في تفاصيل العرض الإسرائيلي يكشف خدعة كبرى. فالمناطق التي يطرح الإسرائيليون الانسحاب منها تحت مسمى "تجريبية" تقع في الأصل شمال نهر الليطاني، وهو ما سارع "حزب الله" إلى إعلان رفضه القاطع له.
إذًا، توحي الوقائع الدبلوماسية والميدانية المتشابكة بأن جبهة الجنوب لا تزال بعيدة عن الحل المستدام، وأن الرهان على انسحاب إسرائيلي قريب يتبدد، ليحل مكانه واقع أمني صعب: إسرائيل متمسكة بحزامها الأمني، والمفاوضات اللبنانية محاصرة بالابتزاز، فيما الميدان سيبقى، حتى إشعار آخر، محكومًا بلغة النار والخرق المستمر، من دون اتضاح ما سيفعله الأميركيون للتوفيق ما بين مسارين تفاوضيين: سويسرا وواشنطن.
تفاوض تحت النار.. لا على وقفها
المشكلة الأساسية في جولة واشنطن لا تتعلّق بتفصيل تقنيّ حول موقع انتشار الجيش اللبنانيّ، بل بتعريف العملية التفاوضية نفسها. لبنان يدخلها باعتبارها مسارًا لتنفيذ وقف إطلاق النار، وإنهاء الاحتلال، واستعادة السيادة، فيما تدخلها إسرائيل باعتبارها فرصة لانتزاع شرعية سياسية وأمنية لوجودها العسكريّ، وتحويل احتلال مؤقّت إلى ترتيبات طويلة الأمد.
وعندما تحتفظ إسرائيل بحقّ تنفيذ الاغتيالات والغارات تحت عنوان "إزالة التهديدات"، فإنّها لا تفاوض على وقف النار، بل تطالب لبنان بالاعتراف المسبق بحقّها في خرقه. وهنا تكمن العقدة الحقيقية، إذ تريد تل أبيب وقفًا لإطلاق النار يقيّد الجانب اللبنانيّ، فيما تبقى يدها مطلقة في الجوّ والبرّ، وتظلّ هي الجهة الوحيدة التي تحدّد ماهية التهديد وتوقيت الردّ وحجمه.
لذلك، لم يكن اعتراض الوفد العسكريّ اللبنانيّ تفصيلًا بروتوكوليًّا، كما لم يكن رفض أفراده التقاط صورة مشتركة مع الوفد الإسرائيليّ مجرّد موقف رمزيّ. الرسالة الأهمّ ظهرت في رفض المقترح الإسرائيليّ الداعي إلى دخول الجيش مناطق غير محتلة شمال الليطاني وتفتيشها تحت رقابة أميركية، قبل بدء الانسحاب من الأراضي التي تحتلّها إسرائيل. فالقبول بهذا الطرح كان سيعني انقلابًا في ترتيب الالتزامات، بحيث يصبح لبنان مطالبًا بإثبات أهليّته داخل أراضيه، فيما يُعفى الاحتلال من تنفيذ واجبه الأوّل، أي الانسحاب.
المناطق التجريبية بوابة لتثبيت الاحتلال
تروّج إسرائيل لمفهوم "المناطق التجريبية" بوصفه حلًّا عمليًّا ومتدرّجًا، إلّا أنّ التدقيق في هذا المفهوم يكشف أنّه أداة تفاوضية لتأجيل الانسحاب، لا لتسهيله. فالمقترح الإسرائيليّ لا يبدأ من مناطق الاحتلال، بل من مواقع تقع أصلًا خارج نطاق السيطرة الإسرائيلية، بما يحوّل الجيش اللبنانيّ إلى طرف يخضع للاختبار بدل أن يكون الجهة الشرعية التي تتسلّم أرضها بعد جلاء الاحتلال.
كما أنّ اشتراط إخضاع الجيش لتدريب وتدقيق أمنيّين أميركيّين قبل تسلّمه بعض المناطق ينطوي على تشكيك سياسيّ بوظيفته الوطنية، ويمنح إسرائيل حقّ الاعتراض على قدراته وانتشاره. والمعنى العمليّ لذلك أنّ تل أبيب تريد أن تكون صاحبة القرار في تحديد المناطق التي تنسحب منها، والموعد الذي تختاره، والشروط التي تفرضها، والجهة التي تقرّر ما إذا كان أداء الجيش اللبنانيّ مرضيًا.
بهذه الصيغة، يتحوّل الانسحاب من التزام واجب إلى مكافأة مشروطة، ويتحوّل الاحتلال إلى أداة ضغط دائمة. وكلّما استجاب لبنان لمطلب، تستطيع إسرائيل إضافة مطلب جديد، من التدريب والتدقيق، إلى التفتيش والمراقبة، وصولًا إلى المطالبة بحرية التدخّل العسكريّ عند الاشتباه بأيّ تحرّك.
واشنطن بين الضغط والرعاية المنحازة
تتحدّث تقارير أميركية وإسرائيلية عن ضغوط تمارسها واشنطن على حكومة بنيامين نتنياهو للانسحاب من جنوب لبنان، لكنّ السلوك الأميركيّ داخل المفاوضات لا يزال عاجزًا عن تحويل هذا الضغط إلى التزام واضح وجدول زمنيّ ملزم. بل إنّ تأييد فكرة الانسحابات التجريبية يمنح إسرائيل مساحة للمناورة، ويتيح لها تقديم خطوات محدودة بوصفها تنازلات كبرى.
الدور الأميركيّ يواجه هنا اختبارًا يتجاوز إدارة التفاصيل. فإمّا أن تكون واشنطن وسيطًا يسعى إلى تنفيذ وقف النار والانسحاب الكامل، وإمّا أن تتحوّل إلى جهة تمنح الشروط الإسرائيلية غطاءً سياسيًّا. ولا يستطيع الأميركيون التوفيق طويلًا بين إعلان دعم سيادة الدولة اللبنانية، وقبول بقاء حزام أمنيّ إسرائيليّ داخل أراضيها.
اتصال نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو بالرئيس جوزاف عون حمل تأكيدًا لدعم الدولة والجيش، لكنّ قيمة هذا الدعم تُقاس بقدرته على فرض الانسحاب، لا ببيانات التأييد. فتعزيز سلطة الدولة لا يبدأ بإخضاع الجيش اللبنانيّ لاختبارات إسرائيلية، بل بإزالة الاحتلال الذي يمنعه من الانتشار في أراضيه.
صراع المسارين بين سويسرا وواشنطن
يزيد إنشاء خلية اتصال مرتبطة بمحادثات سويسرا تعقيد المشهد. إسرائيل تنظر بريبة إلى أيّ آلية تشارك إيران، مباشرة أو عبر الوسطاء، في ضماناتها، لأنّها ترى فيها اعترافًا بدور طهران في الملفّ اللبنانيّ، وتراجعًا عن هدفها المعلن بإخراج إيران و"حزب الله" من المعادلة.
أما لبنان، فيحاول الفصل بين المسارين. فمسار واشنطن مخصّص، وفق الموقف الرسميّ، للانسحاب والترتيبات الأمنية، بينما تهدف خلية سويسرا إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. غير أنّ الفصل النظريّ لا يلغي التداخل العمليّ، لأنّ إسرائيل تستخدم اعتراضها على مسار سويسرا لتشديد شروطها في واشنطن، وللإيحاء بأنّ التفاهم الأميركيّ الإيرانيّ منح الحزب مظلّة سياسية جديدة.
ومن هنا جاء خطاب السفير الإسرائيليّ في واشنطن، يحيئيل ليتر، الذي حاول إعادة تعريف المفاوضات باعتبارها مسارًا لتفكيك "حزب الله"، لا لتنفيذ الانسحاب. هذا التحويل المتعمّد لأهداف التفاوض يرفع السقف إلى مستوى يستحيل على الوفد اللبنانيّ قبوله، ويمنح تل أبيب ذريعة جاهزة لإعلان فشل المحادثات أو إبقائها مفتوحة بلا نتائج.
الدولة والمقاومة واختبار الأولويات
في الداخل، تتقاطع المواقف الرسمية حول هدف الانسحاب الكامل، لكنّها تختلف في مقاربة السلاح ودور المقاومة. الرئيس جوزاف عون يربط تثبيت وقف النار بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش وعودة الأهالي وإطلاق الأسرى وبدء الإعمار. ورئيس الحكومة نواف سلام يؤكّد أنّ لبنان لن يقبل ببقاء خمس نقاط ولا نقطتين، ويضع حصرية السلاح في إطار لبنانيّ مستقلّ يستند إلى اتفاق الطائف والقرار 1701.
في المقابل، يرى الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم أنّ المقاومة تبقى الضمانة لتحرير الأرض، ويدعو الدولة إلى الاستفادة من قدراتها. وبين المنطقين، تحاول إسرائيل دفع لبنان إلى مواجهة داخلية مبكرة حول السلاح، قبل أن تنفّذ هي الانسحاب. وهذه هي الوظيفة السياسية الأخطر للمقترحات الإسرائيلية، إذ تسعى إلى نقل النزاع من كونه صراعًا مع احتلال قائم إلى خلاف لبنانيّ حول من يملك السلاح ومن يقرّر استخدامه.
المصلحة اللبنانية تقتضي منع هذا الانقلاب في الأولويات. فحصرية السلاح مسألة وطنية لا يمكن تجاهلها، لكنّها لا يجوز أن تتحوّل إلى شرط إسرائيليّ مسبق يبرّر استمرار الاحتلال. المطلوب مسار متوازٍ، انسحاب إسرائيليّ واضح ومحدّد زمنيًّا، وانتشار فعليّ للجيش، وضمانات دولية، وحوار داخليّ يعالج الاستراتيجية الدفاعية بعيدًا من الإملاءات الخارجية.
حزام أمني باسم الترتيبات
تصريحات نتنياهو بأنّ "المهمّة في لبنان لم تنتهِ بعد"، وإعلانه التمسّك بما سمّاه "المناطق الأمنية"، تحسم جوهر النيّات الإسرائيلية. تل أبيب لا تبحث عن ضمانات تمهّد للانسحاب، بل عن صيغة تتيح لها البقاء تحت تسمية جديدة. فالاحتلال يصبح "حزامًا أمنيًّا"، والغارات تصبح "إزالة للتهديدات"، ورفض الانسحاب يصبح "اختبارًا لقدرات الجيش اللبنانيّ".
غير أنّ هذا المنطق يهدّد بتحويل الجنوب إلى منطقة معلّقة، لا حرب شاملة فيها ولا سلام مستقرّ، فيما يبقى الأهالي تحت خطر الغارات والإنذارات والتهجير. كما يضع الجيش أمام مهمّة مستحيلة، إذ يُطلب منه فرض الاستقرار في ظلّ احتلال يخرق الأجواء ويغتال ويقصف متى شاء.
جولة واشنطن، إذًا، ليست أمام عقدة تقنية يمكن حلّها بتعديل الخرائط، بل أمام صراع سياسيّ على معنى السيادة. لبنان يريد انسحابًا يفتح الطريق أمام الدولة، وإسرائيل تريد دولة تعمل تحت سقف أمنها. وما لم تحسم واشنطن موقفها بين الأمرين، ستظلّ المفاوضات تدور في حلقة الابتزاز، وسيبقى الجنوب ساحة اختبار بالنار، فيما تستخدم إسرائيل كلّ جولة تفاوضية لشراء مزيد من الوقت وتثبيت مزيد من الوقائع.




