ظهر في الخطاب السياسي، أخيراً، كلام متزايد عن "الدولة العميقة". تُستدعى العبارة لتفسير تعثّر السلطة في معالجة الملفات الكبرى: الحرب، السلاح، النزوح، الامتحانات الرسمية، الهجرة، التلوث، اللاجئون، الإصلاحات، والإدارة العامة. يُقال إن هناك قوة خفية تسكن خلف المؤسسات، تعرقل السلطة، وتمنع الإصلاح، وتؤجل الحلول، وتُبقي البلاد معلقة بين أزمة وأخرى. يُقال إن هذه الدولة العميقة تقف في وجه الدولة الفعلية، هناك دولتين تتصارعان: واحدة تريد أن تُبنى، وأخرى تمنعها من الولادة.
هل توجد فعلاً دولة عميقة في لبنان، بالمعنى الكلاسيكي للكلمة؟ هل هناك جهاز متماسك، منظم، مستقل، يعرقل الدولة من داخلها؟ لعلّ أفضل طريقة لمقاربة هذا السؤال ليست في البحث عن أسباب فشل الدولة الفعلية، بل في فهم أسباب استمراره. فالفشل ضمن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي اللبناني لا يظهر كونه حلة انتقالية يمكن تجاوزها بإصلاح تقني أو حكومة جديدة أو خطاب أكثر حماسة. الفشل بنية، طريقة حكم، نهج، وأحد شروط استمرار النظام نفسه.
إذ يصعب النظر إلى الانهيار الذي تعيشه البلاد وتفسير كل هذا التفكك والعجز بوصفه مجرد سوء إدارة أو تراكم أخطاء. لا يمكن لدولة أن تُستنزف بهذا الشكل لعقود بفعل الصدفة وحدها. هناك إرادات ومصالح وشبكات نفوذ وخطابات سياسية وإعلامية وثقافية تعمل باستمرار على حماية المستفيدين من ضعف الدولة. لذلك تبدو المفارقة اللبنانية فاضحة: الجميع يطالب بالدولة، الجميع يريدها في الخطابات والشعارات والبيانات الوزارية، لكنها لا تأتي أبداً.
والسبب أن الدولة التي يتحدث عنها السياسي ليست الدولة التي ينتظرها المواطن. الأولى مصدر نفوذ. والثانية مصدر حماية. الأولى مساحة سيطرة. والثانية مساحة حقوق. لهذا تبدو الدولة اللبنانية مشروعاً مؤجلاً على الدوام. فالقوى التي يُفترض أن تبنيها لا تحتاج إليها بوصفها دولة. ما تحتاج إليه هو حصتها منها: الحصة الأمنية، والإدارية، والمالية، والتجارية، والاقتصادية.
من هنا، لا تكون الدولة العميقة في لبنان جهازاً سرياً ولا تنظيماً خفياً يدير البلاد من وراء الستار. هذه صورة مستوردة من تجارب أخرى. في لبنان، الدولة العميقة لا تختبئ. إنها تجلس في الضوء. تظهر على الشاشات. تلقي الخطب. تخوض الانتخابات. وتتحدث، كل يوم، باسم الدولة. الدولة العميقة في لبنان ليست قوة تعمل ضد الدولة، هي تحالف المصالح الذي نشأ حول الدولة، ثم تحوّل مع الوقت إلى بديل عنها.
إن جوهر الصراع السياسي في لبنان، ليس صراعاً حول السياسات العامة أو الرؤى الاقتصادية أو الخيارات التنموية. فالخلافات التي تملأ الشاشات هي غالباً صراعاً حول المواقع التي تسمح بالوصول إلى الموارد وتوزيع النفوذ. من يعيّن؟ من يوظّف؟ من يوقّع؟ من يوزّع؟ ومن يحصل على الحصة الأكبر؟ إنه تنافس على امتلاك الدولة. وهنا يكمن الفارق كله. جميع القوى السياسية تنظر الى الدولة كغنيمة، تتعامل معها كمورد قابل للاستنزاف: يُستخرج منه أكبر قدر ممكن قبل أن ينتقل إلى يد منافسيه.
ومع مرور الوقت، نشأت حول هذا الواقع طبقة كاملة من المستفيدين: سياسيون، موظفون، رجال أعمال، إعلاميون، ناشطون، جماعات ضغط، شبكات مصالح. اختلفوا في كل شيء تقريباً، لكنهم اتفقوا على شيء واحد: أن تبقى الدولة ضعيفة بما يكفي ليستمر تقاسمها. لهذا لا توجد في لبنان دولة عميقة تمنع الدولة. بل دولة عميقة تعيش مكان الدولة وتخاف منها كسلطة. تحتاج إلى الدولة كغنيمة تمنح الشرعية من دون أن تمارس السلطة. توزع الموارد من دون أن تنتجها. وتتحدث باسم القانون من دون أن تخضع له. الدولة العميقة ليست مؤامرة سرية. بل إجماع سياسي غير معلن.
ولذا، الذين يتحدثون اليوم عن مواجهة الدولة العميقة لا يقفون خارجها بالضرورة. فالدخول إلى الدولة اللبنانية لا يعني فقط استلام مؤسساتها، بل أيضاً وراثة توازناتها وحساباتها وشبكاتها. من هنا تبدو الآن بعض الملفات السيادية والإصلاحية الكبرى مثالاً كاشفاً. فالخطاب السياسي يَعِد بالحسم والمعالجة، لكن الممارسة تنزلق نحو التأجيل والإدارة والتبرير. لا لأن الحلول مستحيلة بالضرورة، بل لأن استمرار المشكلة غالباً ما يكون أكثر انسجاماً مع توازنات النظام من حلّها. وهكذا أصبح الفشل الذي نراه لا نتيجة لعجز السلطة فقط، بل نتيجة اندماجها التدريجي في المنظومة التي كانت تدّعي أنها جاءت لتغييرها. فالدولة العميقة لا تدافع عن نفسها من الخارج. إنها تنجح، في كل مرة تقريباً، في إعادة إنتاج نفسها من خلال من يفترض أنهم جاؤوا لإنهائها.




