"جناحا واشنطن" يطمئنان عون.. وإسرائيل تتلطى بتسريبات متناقضة

مانشيت - المدنالثلاثاء 2026/06/23
Image-1782228495.Jpg
نجاح المبادرة القطرية لا يعني أن التسوية أصبحت ناجزة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة في واشنطن، يزداد المشهد اللبناني تعقيدًا وغموضًا. ودخل الكباش الدبلوماسي والميداني حول ملف لبنان مرحلة صعبة. وفيما تدور محاولات عبر القنوات الدولية والإقليمية لوضع آليات تنفيذية لوقف النار، تشهد الساحة مخاوف جدّية من مناورة إسرائيلية مدروسة تهدف إلى الاستفراد بالجنوب اللبناني بعد انقشاع العاصفة الدبلوماسية. لكنّ اللافت عصر اليوم هو الاتصال المشترك الذي أجراه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزاف عون، وفيه أكّدا دعم توجّهات الدولة اللبنانية، وأعلنا أنّ الآلية التي تمّ التفاهم عليها مع إيران وقطر ما زالت قيد الدرس.

وكانت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية قد تحدّثت عن خلافات عميقة داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الملف اللبناني وتداعيات الاتفاق مع طهران. وكشفت عن تباين جوهري بين فانس وروبيو. ووفقًا للمصادر والمذكّرات الداخلية، تعارض وزارة الخارجية الأميركية بشدّة إنشاء "خلية الوساطة" الإقليمية التي أُعلن عنها عقب محادثات سويسرا. وترى الخارجية الأميركية أنّ هذه الآلية تمثّل "فخًّا إيرانيًّا" يهدف إلى الالتفاف على المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان وإفراغها من مضمونها. في المقابل، نجحت الدبلوماسية القطرية في انتزاع موافقة فريق فانس على إنشاء هذه الهيئة للإشراف على تنفيذ بنود مذكّرة التفاهم الموقّعة بين واشنطن وطهران، والتي تنصّ على تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، مع الحفاظ على الحدود اللبنانية وضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي.

ميدانيًّا، شهد الجنوب اليوم خرقًا جدّيًّا لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ نفّذت الآلة العسكرية الإسرائيلية ضربات وغارات جوية أسفرت عن سقوط شهيدين وجريح، تزامنًا مع تحليق مكثّف للمسيّرات الاستطلاعية في الأجواء وصولًا إلى بيروت. وبرّر الإسرائيليون ضرباتهم بأنّهم واجهوا تهديدًا محتملًا من جانب حزب الله في علي الطاهر. وواكب هذا التصعيد الميداني بيان مشترك ورسالة حادّة صدرا عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، أكّدا فيهما أنّ إسرائيل ستواصل ضرب أيّ تهديد يتحرّك داخل الحدود من دون أيّ رادع. وتشدّد إسرائيل على أنّ التعليمات الممنوحة لجيشها في الجنوب لا تزال كما هي، ولم يطرأ عليها أيّ تغيير.

هذا اللجوء الميداني إلى لغة النار في اليوم الثالث لسريان وقف النار، قابلته تسريبات متضاربة، مقصودة على الأرجح، إذ نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إسرائيليين معلومات تفيد بأنّ قادة الجيش على الجبهة الشمالية تلقّوا، في نهاية الأسبوع الماضي، تعليمات جديدة تحدّ من العمليات الهجومية في جنوب لبنان، وتقصر النشاط على المهام الدفاعية.

وتتضمّن هذه التوجيهات المستجدّة شروطًا صارمة تفرض الحصول على موافقة مسبقة من رئيس الأركان إيال زامير قبل تنفيذ أيّ إجراءات عسكرية، بما يشمل حظر إطلاق النار إلّا عند وجود تهديد مباشر، ومنع عمليات تفجير المنازل والبنى التحتية داخل المنطقة الأمنية من دون إذن القيادة العليا، فضلًا عن فرض قيود على إطلاق الطلقات التحذيرية تجاه المدنيين اللبنانيين العائدين إلى قراهم.

لكنّ نتنياهو سارع شخصيًّا إلى نفي هذه الأنباء جملةً وتفصيلًا، مؤكّدًا عدم وجود أيّ تغيير في قواعد الاشتباك. وشدّد على أنّ توجيهات حكومته ووزارة الأمن للجيش ثابتة، وأنّ القوات الإسرائيلية لا تزال تتمتّع بحرّية حركة كاملة لإحباط التهديدات وحماية مواطني الشمال.

في المحصّلة، يشي هذا المشهد المتناقض بأنّ لبنان ربّما يقف أمام مناورة إسرائيلية بالغة الخطورة يقودها نتنياهو بالتزامن مع انطلاق جولة واشنطن الخامسة. وتقتضي هذه المناورة الاستراتيجية أن "يحني نتنياهو رأسه قليلًا" في الشكل لمرور عاصفة الاتفاق الأميركي، الإيراني الإقليمية ومندرجاتها السويسرية، مستوعبًا الضغوط الدبلوماسية المؤقّتة عبر إطلاق وعود مبهمة أو إجراءات ضبط عسكرية غير معلنة.

لكنّ الهدف البعيد لنتنياهو يبقى الاستفراد الكامل بجبهة جنوب لبنان وفصلها عن أيّ مظلّة إقليمية. وتتحرّك تل أبيب في هذا المسار وهي مطمئنّة إلى الثوابت الجيوسياسية الأميركية، إذ يدرك نتنياهو أنّ واشنطن، ومهما بلغت التباينات التكتيكية بين تيار فانس وتيار روبيو داخل الإدارة الحالية، لن تتراجع في نهاية المطاف عن دعمها لأمن إسرائيل ومصالحها الحيوية. وبناءً على ذلك، يصبح وقف النار الراهن مجرّد استراحة محارب مؤقّتة، بانتظار اللحظة التي تتيح لإسرائيل فرض شروطها النهائية على جغرافيا الجنوب، بعيدًا من أوراق التفاهمات الإقليمية والدولية.

 

قطر تفتح النافذة ولا تملك مفاتيح إسرائيل

نجاح المبادرة القطرية لا يعني أنّ التسوية أصبحت ناجزة، بل إنّ الدوحة نجحت في نقل الملف من حافّة الانفجار إلى مساحة تفاوضية أوسع. فالخلية المقترحة لمنع الاحتكاك، ومراقبة وقف النار، وترتيب الانسحاب وعودة النازحين، تمنح لبنان نافذة سياسية مهمّة، لكنّها لا تتحوّل إلى ضمانة فعلية ما لم تقترن بآلية واضحة، ومرجعية ملزمة، وجدول زمني لا تستطيع إسرائيل تعطيله كلّما تبدّلت حساباتها الميدانية.

إعلان القيادة المركزية الأميركية بدء آلية مراقبة لتزويد المسؤولين بمعلومات دقيقة يرفع مستوى الانخراط الأميركي، لكنّه يكشف في الوقت نفسه هشاشة الترتيبات. فالمراقبة وحدها لا توقف الغارات، والمعلومات لا تساوي قرارًا سياسيًّا بفرض الالتزام. وهنا تكمن العقدة الأساسية: واشنطن تريد إدارة التصعيد، وبيروت تريد إنهاء الاحتلال، فيما تسعى تل أبيب إلى تحويل وقف النار إلى نظام أمني يمنحها حقّ التدخّل الدائم.

 

الخلية المشتركة معركة على مرجعية القرار

التفاهمات التي أعلنها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن إنشاء مركز تنسيق خاص بلبنان تحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني. فالسؤال ليس فقط مَن يراقب الخروق، بل مَن يملك تعريف الخرق وتحديد المسؤول عنه. ولهذا تعارض دوائر في الخارجية الأميركية صيغة قد تمنح طهران حضورًا رسميًّا في إدارة الملف اللبناني، فيما يرى فريق فانس أنّ إشراك إيران قد يكون ثمنًا ضروريًّا لضبط الجبهة ومنع انهيار الاتفاق الأوسع.

الاتصال المشترك لفانس وروبيو بالرئيس عون بدا محاولة لاحتواء صورة الانقسام داخل الإدارة الأميركية. فالرسالة السياسية أهمّ من التفاصيل: واشنطن تريد إظهار وحدة موقفها خلف الدولة اللبنانية، لكنّ إبقاء ترتيبات الخلية "قيد الدرس" يعني أنّ الخلاف لم يُحسم، وأنّ لبنان لا يزال في منطقة انتظار خطرة بين تفاهم إقليمي غير مكتمل وواقع ميداني تتحكّم به إسرائيل بالنار.

 

جولة واشنطن: تفاوض على السيادة أم إدارة للاحتلال؟

دخل الوفد اللبناني الجولة الخامسة بتوجيهات واضحة: تثبيت وقف النار، وقف الخروق، انسحاب القوات الإسرائيلية، انتشار الجيش، ومعالجة ملف الأسرى. وهذه الأولويات لا تعبّر عن سقف تفاوضي مرتفع، بل عن الحدّ الأدنى لأيّ تسوية قابلة للحياة. فالدولة لا تستطيع بسط سلطتها في منطقة تبقى فيها إسرائيل قادرة على القصف والتوغّل وفرض خطوط أمنية من طرف واحد.

في المقابل، تطرح إسرائيل "نموذجًا تجريبيًّا" يقوم على انسحاب جزئي من مناطق لا تراها مصدر تهديد مباشر، مقابل انتشار الجيش اللبناني وإثبات قدرته على تفكيك بنى حزب الله. وجوهر هذا الطرح هو نقل عبء الاختبار إلى لبنان، مع إبقاء الانسحاب الإسرائيلي مشروطًا، ومتدرّجًا، وقابلًا للتراجع. وبذلك تتحوّل السيادة من حقّ ثابت إلى مكافأة أمنية تمنحها إسرائيل بعد التحقّق من أداء الدولة اللبنانية وفق معاييرها.

بيروت تستطيع التعامل بمرونة مع التدرّج، لكنّها لا تستطيع القبول بمنطق "المنطقة التجريبية" إذا كان يعني شرعنة الاحتلال خارجها. المطلوب أن تكون كلّ خطوة جزئية جزءًا من مسار كامل ومحدّد النهاية، لا تجربة مفتوحة تستخدمها تل أبيب لربح الوقت، وتدمير مزيد من البنى، وإعادة رسم الحدود الأمنية تحت عنوان إزالة التهديد.

 

نتنياهو يفاوض بالنار ويستهلك الوقت

التناقض بين التسريبات عن فرض قيود على الجيش وتصريحات نتنياهو عن حرّية الحركة ليس ارتباكًا بالضرورة، بل قد يكون توزيعًا مدروسًا للأدوار. الرسالة إلى واشنطن تقول إنّ إسرائيل تستجيب للضغوط وتضبط عملياتها، أمّا الرسالة إلى الداخل الإسرائيلي ولبنان فتؤكّد أنّ يد الجيش غير مقيّدة. وبهذه الازدواجية يحافظ نتنياهو على هامش المناورة، ويمنع تحويل التفاهمات الأميركية، الإيرانية إلى التزام إسرائيلي مباشر.

الأخطر أنّ إسرائيل تحاول تثبيت معادلة تعتبر وجودها في "المنطقة الأمنية" إجراءً دفاعيًّا لا احتلالًا. فإذا مرّت هذه الصيغة في المفاوضات، يصبح النقاش محصورًا بحجم المنطقة وشروط الانسحاب منها، بدل أن ينطلق من مبدأ وجوب زوال الاحتلال. ولذلك، فإنّ معركة المصطلحات ليست تفصيلًا إعلاميًّا، بل جزء من معركة السيادة نفسها.

 

الدولة اللبنانية أمام امتحان القدرة لا النيات

يضع الرئيس جوزاف عون التفاوض في إطار استعادة السيادة وسقوط الاحتلال والوصايات معًا، وهو موقف يحاول حماية القرار اللبناني من الاستقطاب بين واشنطن وطهران. لكنّ نجاح هذا الخيار يحتاج إلى أكثر من إعلان سياسي. فهو يحتاج إلى وحدة مؤسساتية، وخطّة أمنية قابلة للتنفيذ، وضمانات لعودة السكان، وتمويل لإعادة الإعمار، وغطاء دولي يمنع إسرائيل من تحويل أيّ حادث ميداني إلى ذريعة لإسقاط المسار برمّته.

كما أنّ الحديث الإسرائيلي عن مطالبة لبنان بإثبات قدرته على مواجهة حزب الله يكشف محاولة واضحة لتحويل الدولة اللبنانية من طرف يستعيد أرضه إلى طرف يخضع لامتحان أمني إسرائيلي. لبنان مطالب بتطبيق قراراته وبسط سلطته انطلاقًا من مصلحته الوطنية، لا تنفيذًا لشروط الاحتلال أو تحت تهديد الطائرات والغارات.

 

واشنطن أمام امتحان الصدقيّة

الوساطة الأميركية بدورها أمام اختبار حاسم. فإذا اكتفت واشنطن بإدارة التباين بين لبنان وإسرائيل، ستتحوّل الجولة الخامسة إلى محطة جديدة لتجميد الأزمة وإطالة عمر الاحتلال. أمّا إذا ربطت الانسحاب بجدول واضح، ومنعت الضربات خارج حالات الدفاع المباشر، ووفّرت آلية مراقبة لا تخضع للفيتو الإسرائيلي، فقد تفتح طريقًا حقيقيًّا نحو تثبيت الاستقرار.

أما الدور الفرنسي، بما يشمله من اتصالات مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيحاول المحافظة على حضور أوروبي في الترتيبات المقبلة، ولا سيّما مع اقتراب انتهاء مهمّة قوات "اليونيفيل". غير أنّ أيّ إطار دولي جديد لن ينجح إذا اقتصر على مراقبة الخروق من دون امتلاك القدرة السياسية على ردعها.

المشهد، في جوهره، ليس سباقًا بين الحرب والسلام فقط، بل صراع على شكل الجنوب بعد الحرب: هل يعود إلى سلطة الدولة اللبنانية ضمن ضمانات دولية، أم يبقى ساحة مفتوحة لحرّية الحركة الإسرائيلية؟ الإجابة لن تصنعها البيانات وحدها، بل موازين الضغط في واشنطن، وقدرة بيروت على تثبيت موقف موحّد، واستعداد الوسطاء لتحويل الوعود إلى التزامات.

حتى ذلك الحين، تبقى الهدنة هشّة، والمفاوضات محكومة بساعة نتنياهو، فيما يحاول لبنان ألّا يدفع مرّة أخرى ثمن تسويات تُعقد فوق أرضه، ثم تُترك إسرائيل وحدها لتفسيرها وتنفيذها وفق شروطها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث