انطلقت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة في مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن، وسط تباين واضح بين أولويّات بيروت وتل أبيب، ولا سيّما بشأن تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيليّ، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وملفّ سلاح "حزب الله".
وتكتسب الجولة أهمّيّة إضافيّة، إذ تأتي بعد الاجتماع الأميركيّ، الإيرانيّ الذي عُقد في برغنشتوك السويسريّة، وأفضى إلى تفاهمات شملت الملفّ اللبنانيّ، أبرزها الاتفاق على إنشاء آليّة أو لجنة لمراقبة وقف إطلاق النار في جنوب لبنان.
وفي موازاة انطلاق المفاوضات، حذّر السفير الإسرائيليّ في واشنطن من انحراف المسار التفاوضيّ، في حال تحوّله إلى آليّة لمنع الاشتباك بدلًا من التركيز، وفق الموقف الإسرائيليّ، على "حزب الله" ونزع سلاحه.
بيروت تنتظر تفاصيل آليّة المراقبة
لا تزال آليّة مراقبة وقف إطلاق النار تثير تساؤلات عدّة في بيروت، إذ تؤكّد مصادر في قصر بعبدا أنّ لبنان لم يتبلّغ بعد أيّ صيغة تنفيذيّة واضحة لتطبيقها.
وانطلاقًا من ذلك، ينظر المسؤولون اللبنانيّون إلى جولة واشنطن بوصفها فرصةً للحصول على أجوبة أكثر وضوحًا بشأن كيفيّة ترجمة التفاهمات الأميركيّة، الإيرانيّة إلى إجراءات ميدانيّة قابلة للتنفيذ.
وتريد بيروت معرفة طبيعة الآليّة المقترحة، والجهات المشاركة فيها، وحدود صلاحيّاتها، وعلاقتها بالآليّات القائمة لمراقبة وقف إطلاق النار في الجنوب.
تثبيت وقف إطلاق النار أولًا
وصل الوفد اللبنانيّ إلى واشنطن بتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، تقضي بالسعي إلى الخروج من المفاوضات بترتيبات واضحة وعمليّة وقابلة للتنفيذ على المستويين العسكريّ والأمنيّ.
وترى بيروت أنّ أيّ بحث في الملفّات الأخرى يجب أن ينطلق من ضمان الوقف الشامل للخروقات العسكريّة الإسرائيليّة، باعتبار أنّ استمرار العمليّات الميدانيّة يقوّض أيّ مسار تفاوضيّ ويحول دون الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا.
ومن هذا المنطلق، سيضغط الوفد اللبنانيّ في اتّجاه ربط أيّ ترتيبات مستقبليّة بثلاثة عناوين أساسيّة، هي الانسحاب الإسرائيليّ من المناطق المحتلّة، وانتشار الجيش اللبنانيّ فيها، ومعالجة ملفّ الأسرى.
وتعتبر الدولة اللبنانيّة أنّ هذه البنود تشكّل المدخل الطبيعيّ لتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة الاستقرار إلى الجنوب، وتأمين عودة السكّان إلى بلداتهم وقراهم.
إسرائيل تقترح "نموذجًا تجريبيًّا"
في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعدّةً للانتقال مباشرةً إلى انسحاب شامل من الأراضي اللبنانيّة.
وبحسب ما كشفته القناة "12" الإسرائيليّة، يحمل الوفد الإسرائيليّ إلى واشنطن خرائط لمشروع يقوم على انسحاب جزئيّ من منطقة محدّدة في الجنوب، مقابل انتشار الجيش اللبنانيّ فيها تحت إشراف أميركيّ.
ويقوم الطرح الإسرائيليّ على إنشاء ما يشبه "منطقةً تجريبيّةً"، تتيح اختبار آليّات العمل الجديدة ميدانيًّا قبل الانتقال إلى مراحل أوسع.
وتعتبر تل أبيب أنّ نجاح هذه التجربة يمكن أن يشكّل نموذجًا قابلًا للتعميم لاحقًا على مناطق أخرى، فيما تربط أيّ انسحاب إضافيّ بمدى قدرة الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة على تنفيذ الترتيبات المتّفق عليها.
خلاف بشأن المناطق المشمولة
على الرغم من أنّ فكرة "المناطق التجريبيّة" ستكون حاضرةً بقوّة على طاولة المفاوضات، تختلف المقاربة اللبنانيّة عن الطرح الإسرائيليّ.
فبيروت لا ترفض مبدأ الخطوات المرحليّة، لكنّها تسعى إلى ربطها بمسار واضح ومحدّد للانسحاب من البلدات والمناطق الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر".
ويطرح الجانب اللبنانيّ تصوّرًا يقوم على انسحاب القوّات الإسرائيليّة من عدد من القرى والبلدات الجنوبيّة، في مقابل انتشار الجيش اللبنانيّ فيها، وتنفيذ خطّته الأمنيّة المتعلّقة بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة.
ويتضمّن التصوّر أيضًا تأمين عودة السكّان إلى منازلهم بصورة آمنة، بالتوازي مع إطلاق ورشة إعادة الإعمار ومعالجة الأضرار التي خلّفتها المواجهات.
ويشدّد لبنان على أنّ أيّ تنسيق ميدانيّ يجب أن يتمّ حصرًا عبر الولايات المتّحدة والآليّات القائمة، من دون أيّ شكل من أشكال التواصل أو التعاون المباشر مع إسرائيل.
إسرائيل تعيد طرح ملفّ سلاح الحزب
في المقابل، تتمسّك إسرائيل بوضع ملفّ "حزب الله" وسلاحه في صدارة المفاوضات، وترفض حصر النقاش في ترتيبات منع الاحتكاك وتثبيت وقف إطلاق النار.
وفي هذا السياق، حذّر السفير الإسرائيليّ في واشنطن من أنّ المسار التفاوضيّ قد ينحرف عن أهدافه، في حال تحوّله إلى مجرّد آليّة لمنع الاشتباك، بدلًا من التركيز على "حزب الله" ونزع سلاحه.
ويكشف هذا الموقف اتّساع الفجوة بين الطرفين، إذ يصرّ لبنان على البدء بوقف الخروقات والانسحاب الإسرائيليّ، فيما تربط تل أبيب أيّ خطوات واسعة بمعالجة ملفّ سلاح الحزب والبنى العسكريّة في الجنوب.
مساران أمنيّ وسياسيّ
تشير المعلومات إلى أنّ الجولة الحاليّة ستتّخذ طابعًا مزدوجًا، إذ تبدأ بجلسة سياسيّة، عسكريّة مشتركة، قبل الانتقال إلى اجتماعين منفصلين، أحدهما أمنيّ والآخر سياسيّ.
ويعكس هذا التقسيم طبيعة الملفّات المطروحة، إذ يبحث المسار العسكريّ في ترتيبات وقف إطلاق النار، والانسحاب، والانتشار، وآليّات المراقبة، فيما يتناول المسار السياسيّ الإطار العامّ للتفاهمات والضمانات المرتبطة بها.
كما يؤكّد مستوى التمثيل، الذي يضمّ سفراء وضبّاطًا من الجانبين، أنّ المفاوضات لا تزال تدور ضمن إطار أمنيّ، سياسيّ محدود، بعيدًا عن الانتقال إلى مفاوضات سياسيّة مباشرة أو مناقشة ملفّات أوسع.
اختبار لقدرة واشنطن على الوساطة
لا تبدو الفجوة بين الموقفين اللبنانيّ والإسرائيليّ صغيرة، إذ تريد بيروت جدولًا زمنيًّا واضحًا يقود إلى إنهاء الاحتلال في الجنوب، وتثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائيّة.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى اختبار ترتيبات أمنيّة تدريجيّة، قبل الالتزام بأيّ انسحاب واسع، مع الإبقاء على ملفّ سلاح "حزب الله" في صلب المفاوضات.
وبذلك، تتحوّل جولة واشنطن إلى اختبار حقيقيّ للدور الأميركيّ وقدرته على التوفيق بين المقاربتين.
فإذا نجحت واشنطن في إنتاج صيغة توازن بين مطلب الانسحاب اللبنانيّ والهواجس الأمنيّة الإسرائيليّة، فقد تشكّل "المناطق التجريبيّة" بداية مسار جديد في الجنوب.
أمّا إذا استمرّ الخلاف بشأن أولويّة الانسحاب وشروطه، ودور آليّة المراقبة، ومستقبل سلاح "حزب الله"، فقد تنتهي الجولة إلى نتائج محدودة تقتصر على إدارة الوضع القائم، بدلًا من التوصّل إلى تسوية شاملة.




