التطور الأبرز لبنانيًا في الساعات الأخيرة كان طرح فكرة إنشاء "خلية الإشراف المشتركة" الأميركية- القطرية- الإيرانية لتثبيت وقف النار. وأهمية هذه الفكرة تكمن خصوصًا في التوقيت. فالأنظار تتجه غدًا الثلاثاء إلى واشنطن لعقد الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية. لكن هذه الفكرة تعرضت لمحاولة إجهاض مبكرة، إذ خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن صراحة فك ارتباط بلاده بأي آليات دولية لا تشمل إسرائيل.
وتتحرك الدبلوماسية الإقليمية على إيقاع مخرجات جولة سويسرا بين واشنطن وطهران، حيث تقود الدوحة، بجهود مباشرة من رئيس وزرائها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وبتنسيق مع السعودية وبوساطة باكستانية، مساعي حثيثة لتأسيس آلية رقابة وإشراف تضمن الوقف الدائم للعمليات العسكرية.
وهذا المناخ الدبلوماسي تُرجم بوضوح في الاتصال الثلاثي الرفيع الذي تلقاه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وكبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير، ورئيس الوزراء القطري. وتم إبلاغ بعبدا رسميًا بأن ملف لبنان جزء لا يتجزأ من المفاوضات الأميركية-الإيرانية الإقليمية، مع طرح جدي لتشكيل "خلية مشتركة" لتأمين وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، وهي الخطوة التي رحب بها الرئيس عون وأطلع عليها فورًا الرئيسين نبيه بري ونواف سلام لتوحيد الموقف الرسمي.
وقد حدد نتنياهو السقف الأمني الإسرائيلي، فأكد أن توجيهاته الصارمة، الموجهة منه ومن وزير دفاعه للجيش الإسرائيلي، واضحة ولم تتغير. إذ للجنود في جنوب لبنان حرية حركة كاملة لإحباط أي تهديد مباشر أو ناشئ عليهم أو على سكان الشمال. وشدد على عدم وجود أي قيود أو ضوابط على الجيش الإسرائيلي في هذا الشأن. وأعاد نتنياهو التثبيت الحازم على بقاء الجيش في "منطقة الأمن" في جنوب لبنان طالما دعت الحاجة لحماية سكان الشمال وكل مواطني الدولة، قاطعًا الطريق على أي حديث عن انسحاب قريب.
هذا التصلب الميداني من جانب نتنياهو ترافق مع مناورة سياسية موازية أطلقتها الحكومة الإسرائيلية، لرسم معالم الجولة التفاوضية في واشنطن، حيث أعلنت أنها "تجري محادثات جيدة مع لبنان بوساطة أميركية"، مستدركة بوضع شرطها الردعي الأساسي: "يجب نزع سلاح حزب الله من أجل مصلحة لبنان وإسرائيل معًا". وهذه المعطيات المتصادمة تضع المفاوض اللبناني أمام مأزق حقيقي.
لبنان داخل الصفقة الإقليميّة لا على هامشها
لم يعد الملفّ اللبنانيّ تفصيلًا أمنيًّا منفصلًا عن المواجهة الأميركيّة، الإيرانيّة، بل تحوّل إلى إحدى ساحات اختبار التفاهم الإقليميّ الجاري بناؤه. إعلان نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس أنّ محادثات بورغنشتوك أفضت إلى وضع آليّة لفضّ الاشتباك وخفض التصعيد في لبنان يكشف أنّ واشنطن باتت تتعامل مع الجبهة اللبنانيّة بوصفها جزءًا من سلّة أوسع تشمل أمن إسرائيل، ونفوذ إيران، وحرّيّة الملاحة، ومستقبل الترتيبات الأمنيّة في المنطقة.
لكنّ المعادلة التي طرحها فانس، والقائمة على الجمع بين "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها" وحماية "سيادة لبنان"، تحمل تناقضها في داخلها. فإسرائيل تفسّر الدفاع عن النفس باعتباره حقًّا مفتوحًا في التحرّك داخل الأراضي اللبنانيّة، فيما تعني السيادة اللبنانيّة، قانونًا وسياسةً، وقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي المحتلّة. ومن دون تعريف واضح لحدود التحرّك الإسرائيليّ، قد تتحوّل آليّة خفض التصعيد إلى إدارة منظّمة للاعتداءات، بدل أن تكون مدخلًا إلى وقفها.
أمّا دعوة واشنطن طهران إلى كبح "حزب الله"، فتعني عمليًّا أنّ الإدارة الأميركيّة تعترف بدور إيران في التأثير في الجبهة اللبنانيّة، فيما تطالب في المقابل بضمانات تمنع تحوّل الحزب إلى أداة ضغط على المفاوضات. بذلك، يصبح لبنان ضمانة متبادلة بين واشنطن وطهران، لا طرفًا كامل الصلاحيّات في صياغة قواعد أمنه.
قطر تبني مظلّة سياسيّة للتفاهم
يبرز الدور القطريّ بوصفه العنصر الأكثر مرونة في هندسة التسوية. فالدوحة لا تطرح نفسها ناقل رسائل فحسب، بل ضامنًا سياسيًّا قادرًا على التواصل مع بيروت وطهران وواشنطن، بالتنسيق مع الرياض وبمشاركة باكستانيّة. وتأكيد رئيس الوزراء القطريّ الشيخ محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني أنّ استمرار احتلال الأراضي اللبنانيّة "يجب أن ينتهي" يرفع سقف الوساطة من مجرّد منع التصعيد إلى معالجة أحد أسبابه الأساسيّة.
غير أنّ نجاح الدوحة يبقى مرتبطًا بقدرتها على انتزاع التزام أميركيّ يقيّد إسرائيل، لا الاكتفاء بالتعهّدات الإيرانيّة. فالتجارب السابقة أظهرت أنّ أيّ تفاهم لا يفرض ضوابط متوازنة على الطرفين يتحوّل سريعًا إلى وقف نار من جانب واحد. ورفض قطر قتل نحو مئة لبنانيّ خلال أيّام من التهدئة يعكس إدراكًا بأنّ استمرار العمليّات الإسرائيليّة يهدّد المفاوضات الإقليميّة، ويمنح القوى الرافضة للتسوية حجّة جاهزة للعودة إلى الميدان.
من هنا، تبدو "خلية الإشراف المشتركة" محاولة لإنشاء غرفة معالجة سياسيّة وأمنيّة تسبق الانفجار، لا لجنة تقليديّة تكتفي بتوثيق الخروقات بعد وقوعها. إلّا أنّ فاعليّتها ستبقى محدودة إذا لم تمتلك صلاحيّة إلزام الأطراف، وآليّة واضحة للتحقّق، ومسارًا سريعًا لمعالجة الانتهاكات.
نتنياهو يفاوض تحت سقف الاحتلال
في المقابل، يسعى بنيامين نتنياهو إلى فرض قاعدة تفاوضيّة معاكسة، قوامها أنّ إسرائيل تفاوض على التهدئة من دون أن تتخلّى عن الاحتلال أو حرّيّة العمل العسكريّ. حديثه عن بقاء الجيش في "المنطقة الأمنيّة" ليس موقفًا ميدانيًّا عابرًا، بل محاولة لتحويل وجود عسكريّ يفترض أن يكون مؤقّتًا إلى واقع سياسيّ قابل للتفاوض.
وتكمن خطورة الموقف الإسرائيليّ في أنّه يفصل بين وقف إطلاق النار والانسحاب. فتلّ أبيب تريد من لبنان وقف أيّ نشاط عسكريّ، ونزع سلاح "حزب الله"، وضمان أمن مستوطنات الشمال، بينما تحتفظ لنفسها بحقّ الغارات والتوغّل والسيطرة على مواقع داخل الأراضي اللبنانيّة. وهذه ليست تسوية، بل صيغة إخضاع أمنيّ طويل الأمد.
كما يستخدم نتنياهو شرط نزع سلاح الحزب لرفع كلفة أيّ اتفاق. فالمطلب يتجاوز قدرة الوفد اللبنانيّ المفاوض، ويرتبط بحوار داخليّ وبناء مؤسّسات الدولة واستراتيجيّة دفاعيّة شاملة. إدخاله شرطًا مباشرًا للانسحاب يمنح إسرائيل ذريعة لإطالة احتلالها، ويحوّل مسألة سياديّة لبنانيّة إلى بند تمليه دولة تحتلّ أراضي لبنانيّة.
الانسحاب الرمزيّ أداة تفاوض لا تحوّل استراتيجيّ
التقارير الإسرائيليّة عن احتمال تقليص الوجود العسكريّ أو الانسحاب من نقاط محدودة على امتداد ما تسمّيه إسرائيل "الخطّ الأصفر" لا تعني تراجعًا عن المشروع الأمنيّ الإسرائيليّ. الأرجح أنّ تلّ أبيب تدرس خطوة رمزيّة تُقدَّم في واشنطن بوصفها تنازلًا، مقابل انتزاع التزامات لبنانيّة تتعلّق بانتشار الجيش ومنع عودة عناصر "حزب الله" إلى مناطق محدّدة.
وقد تسمح إسرائيل للجيش اللبنانيّ بتسلّم مواقع أو مجمّعات أنفاق، لكنّها تريد أن يجري ذلك تحت رقابة أميركيّة وبما يكرّس حقّها في العودة عسكريًّا عند الاشتباه بوجود تهديد. أي إنّها لا تبحث عن تسليم السيادة إلى الدولة اللبنانيّة، بل عن تفويض مشروط يمكن سحبه متى قرّرت المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة ذلك.
وهنا تظهر أهمّيّة موقف رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، الذي رحّب بالمساعدة الدوليّة، لكنّه شدّد على أنّ "لا أحد يفاوض عن لبنان". فالمشكلة ليست في وجود رعاية دوليّة، بل في ألّا تتحوّل الرعاية إلى وصاية، أو إلى تفاهم أميركيّ، إيرانيّ، إسرائيليّ يُطلب من لبنان تنفيذه من دون أن يكون شريكًا في صياغته.
واشنطن تدير التناقض بدل حلّه
المعطيات المتداولة عن تفاهم أميركيّ – إسرائيليّ يجيز بقاء الجيش الإسرائيليّ في الجنوب، مع تقليص العمليّات وتوسيع التنسيق مع القيادة المركزيّة الأميركيّة، تكشف أنّ واشنطن لا تزال أقرب إلى إدارة التناقض من حلّه. فهي تريد منع حرب واسعة قد تُفشل المسار مع إيران، لكنّها لا تبدو مستعدّة لفرض انسحاب إسرائيليّ كامل وفوريّ.
وبموجب هذه المقاربة، تُصبح الضربات الكبرى في العمق اللبنانيّ خاضعة لتنسيق سياسيّ أوسع، فيما تبقى العمليّات التي تصنّفها إسرائيل "دفاعيّة" متاحة. والمشكلة أنّ إسرائيل هي التي تحدّد ماهيّة التهديد المباشر، وهي التي تملك القوّة العسكريّة لفرض تفسيرها. لذلك، فإنّ أيّ آليّة لا تتضمّن تعريفًا مشتركًا للخروقات وجدولًا زمنيًّا للانسحاب ستمنح إسرائيل شرعيّة ضمنيّة للاستمرار.
في المقابل، تستخدم طهران ورقة لبنان للضغط على واشنطن، ملوّحةً بتعليق المفاوضات إذا لم تنسحب إسرائيل. وقد يخدم هذا الموقف مطلب السيادة اللبنانيّة ظاهريًّا، لكنّه يربط الاستقرار الداخليّ بقرار إيرانيّ وبمسار تفاوضيّ تتداخل فيه ملفات لا يملك لبنان السيطرة عليها.
اختبار الدولة والوفد اللبنانيّ
تأتي الجولة الخامسة في واشنطن بين 23 و25 حزيران بوصفها اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانيّة على تحويل الدعم الدوليّ إلى مكاسب سياديّة واضحة. المطلوب من الوفد اللبنانيّ رفض مقايضة الانسحاب بحقّ إسرائيل في التحرّك، والتمسّك بتلازم وقف النار، والانسحاب، واستعادة الأسرى، وانتشار الجيش اللبنانيّ.
كذلك، يحتاج لبنان إلى موقف رسميّ موحّد يمنع استخدام الانقسام الداخليّ لتجزئة الملفّ. فإسرائيل تراهن على تحويل مسألة سلاح "حزب الله" إلى مدخل لإعفاء نفسها من الانسحاب، فيما تراهن إيران على إبقاء الملفّ جزءًا من نفوذها التفاوضيّ. وحدها الدولة تستطيع كسر هذين الرهانين عبر تثبيت أنّ السيادة لا تُجزّأ، وأنّ حصر السلاح بيد المؤسّسات الشرعيّة مسار لبنانيّ لا يُفرض تحت الاحتلال.
إنّ التحرّك الميدانيّ لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في الجنوب يكتسب، في هذا السياق، دلالة تتجاوز البعد العسكريّ. فانتشار الجيش هو البديل الفعليّ من الاحتلال ومن ازدواجيّة القرار الأمنيّ، لكنّه يحتاج إلى دعم سياسيّ داخليّ، وضمانات دوليّة، وقدرات عملانيّة تمكّنه من حماية الأرض، لا مجرّد تسلّم مواقع تخليها إسرائيل مؤقّتًا.
بين فرصة التهدئة وخطر تكريس الأمر الواقع
يدخل لبنان مرحلة دقيقة تتقاطع فيها فرصة وقف الحرب مع خطر تكريس الاحتلال. "خلية الإشراف المشتركة" قد تفتح نافذة لتثبيت التهدئة، لكنّها قد تتحوّل أيضًا إلى غطاء لإدارة منطقة عازلة تحت الهيمنة الإسرائيليّة إذا غابت المرجعيّة اللبنانيّة والجدول الزمنيّ الملزم للانسحاب.
المعركة السياسيّة الحقيقيّة ليست على اسم الآليّة أو عدد أعضائها، بل على وظيفتها: هل تكون أداة لاستعادة السيادة، أم منصّة لتقنين حرّيّة الحركة الإسرائيليّة؟ وهل تؤدّي إلى تمكين الجيش اللبنانيّ، أم تُبقي أمن الجنوب رهينة تفاهمات الخارج؟
الإجابة ستبدأ من واشنطن، لكنّها لن تُحسم فيها وحدها. فنجاح لبنان يتوقّف على قدرته على التحدّث بصوت واحد، ورفض الفصل بين وقف النار والانسحاب، ومنع تحويل أمنه إلى بند قابل للمقايضة في المفاوضات الأميركيّة، الإيرانيّة. أمّا إسرائيل، فتدخل الجولة وهي تريد انسحابًا شكليًّا مقابل احتلال مقنّع، فيما المطلوب لبنانيًّا هو العكس تمامًا: تهدئة حقيقيّة تقود إلى انسحاب كامل، وسيادة لا تحتاج إلى إذن من أحد.




