في وقتٍ لا تزال فيه إسرائيل تتمسّك بالإبقاء على "الخط الأصفر" كمنطقة أمنية وترفض الانسحاب الشامل من جنوب لبنان، بدأ يتقدّم في المقابل حديث عن خطوات انسحاب جزئية أو رمزية، تتزامن مع المسار التفاوضي المفتوح هذا الأسبوع، سواء في سويسرا أو في واشنطن غداً.
وفي هذا السياق، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أنّ الجيش الإسرائيلي يتّجه خلال الأيام المقبلة إلى تقليص وجوده العسكري في جنوب لبنان، بعد إعلان استكمال معظم المهام الهجومية، وذلك بالتزامن مع الاجتماع المرتقب بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي. كما تحدثت تقارير عن دراسة إسرائيل الإعلان عن انسحابات محدودة من مناطق تحتلها جنوباً، تشمل سحب قوات من نقاط تقع على امتداد "الخط الأصفر". وهو ما أكدت عليه أيضاً شبكة "سي إن إن"، نقلًا عن مصدر إسرائيلي، بأن إسرائيل تدرس الإعلان عن انسحابات رمزية من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان. وأوضح المصدر أنَّ الانسحابات المحتملة ستشمل سحب بعض القوات الإسرائيلية من مناطق تقع على طول "الخط الأصفر"، مشيرًا إلى أنَّ الإعلان قد يأتي في إطار المحادثات المرتقبة في واشنطن هذا الأسبوع.
بدورها، أفادت "القناة 12" الإسرائيلية أنّ "الجيش الإسرائيلي يدرس السماح للجيش اللبناني بالسيطرة على مجمع أنفاق لحزب الله". من جهتها، نقلت هآرتس عن مصدر إسرائيلي: أنَّ "فريقي إسرائيل ولبنان سيحددان في محادثاتهما المناطق التجريبية التي ستنقل للجيش اللبناني". وأضافت: الجيش الإسرائيلي سيضطر إلى الانسحاب جزئيّا من الخط الأصفر.
في الموازة، تبرز تصريحات إسرائيلية متطرفة تؤكد أنّ إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، وهو ما أشار إليه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتيرتش. وكذلك دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى جعل لبنان "ساحة لعب" للجيش الإسرائيلي. وقال إنه لا يقبل "بأيّ قيود أميركية على العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان"، مضيفاً: "إذا أخبر ترامب نتنياهو بمغادرة لبنان، يجب أن يكون الجواب: سيّدي الرئيس، لا".
واعتبر أن "التمييز بين لبنان كدولة وبين حزب الله، هو نهج مصطنع لا يمكن قبوله"، مطالباً بـ"جعل كامل الأراضي اللبنانية هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، من دون أي استثناءات أو قيود".
وتأتي هذه المعطيات بالتوازي مع معلومات أولية عن إعادة تموضع للقوات الإسرائيلية، وانسحاب من بلدة أرنون ومحيط منطقة علي الطاهر، باتجاه بساتين الزيتون قرب محطة مرقص وبلدة القنطرة جنوباً، على الرغم من كونها لا تزال غير مؤكدة لغاية الساعة.
في المقابل، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بوقوع تبادل لإطلاق النار بين قوات إسرائيلية متوغلة برًا في جنوب لبنان وعناصر من حزب الله.
لماذا اتفقت إسرائيل وأميركا على إبقاء الجيش في الجنوب؟
وفي قراءة إسرائيلية، نشرت صحيفة "يسرائيل هيوم" تقريراً حمل عنوان: "لماذا اتفقت إسرائيل والولايات المتحدة على إبقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان"، واعتبرت أنّه "رغم الضغوط التي تفرضها المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، تقول مصادر إسرائيلية إن إسرائيل وواشنطن توصلتا إلى تفاهمات تقضي بعدم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في المرحلة الحالية. وبموجب هذه التفاهمات، سيواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات ضد ما يصفه بالتهديدات والبنى التحتية التابعة لحزب الله، لكن ضمن قيود أكبر وتنسيق أوثق مع الولايات المتحدة".
وتنص التفاهمات، بحسب التقرير، على أن يقتصر النشاط العسكري الإسرائيلي على إزالة التهديدات المباشرة واستكمال تدمير البنية التحتية العسكرية الواقعة جنوب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي رسمته إسرائيل داخل جنوب لبنان.
أمّا أبرز النقاط فجاءت وفق الصحيفة العبرية على الشكل التالي:
- اتفقت إسرائيل والولايات المتحدة على عدم تنفيذ انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان في الوقت الحالي، مع تقليص نطاق العمليات العسكرية وزيادة مستوى التنسيق مع واشنطن.
- تطالب إيران بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف شامل لإطلاق النار كشرط لمواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة.
- تقدّر إسرائيل أنَّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء توجيه حزب الله نحو تصعيد المواجهة.
- ترى أوساط إسرائيلية أنَّ مساريّ التفاوض اللذين ترعاهما واشنطن، مع إيران من جهة ومع لبنان من جهة أخرى، قد يتجهان إلى التصادم.
وبحسب التقرير، اتُّفق أيضاً على تعزيز التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM). ولن يقتصر ذلك على إبلاغ واشنطن قبل دقائق من تنفيذ العمليات العسكرية الكبيرة، بل سيشمل تبادل معلومات مستمر حول ما تعتبره إسرائيل انتهاكات من جانب حزب الله، وكذلك بشأن النشاط العسكري الإسرائيلي.
أمّا العمليات الهجومية واسعة النطاق، مثل تنفيذ ضربات في عمق الأراضي اللبنانية، بما في ذلك منطقة البقاع، فستحتاج إلى موافقة سياسية إسرائيلية رفيعة المستوى، مع بحث آلية التنسيق مع الإدارة الأميركية قبل تنفيذها. ويؤكد التقرير أنَّ هذا لا يعني تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي، وإنّما الحدّ من العمليات الهجومية الاستباقية وإخضاعها لمزيد من الحذر.
ويقول التقرير إن الولايات المتحدة طلبت من إيران توضيحات بشأن استمرار هجمات حزب الله، بعدما نقلت إسرائيل وأجهزة استخبارات أخرى، بينها أجهزة عربية، معلومات تفيد بأن أوامر تصعيد العمليات تصدر مباشرة من طهران.
ويضيف أنَّ إسرائيل كانت قد حذرت الإدارة الأميركية مسبقاً من أنَّ ربط مذكرة التفاهم مع إيران بالوضع في لبنان قد يؤدي إلى تصعيد المواجهة مع حزب الله، وأنَّ طهران قد تلجأ إلى تحريك الجبهة اللبنانية لإحداث أزمة بين واشنطن وتل أبيب.
وتقول المصادر إنَّ تعليمات التصعيد صدرت من طهران عبر مسؤولين كبار في الحرس الثوري الإيراني موجودين في لبنان، مرجحة أن يكون ذلك جزءاً من محاولة لإفشال التفاهمات الجارية.




