مع تنامي الحديث عن تبدّل في موازين القوى الداخلية وتراجع أدوار بعض الجماعات التقليدية في لبنان. بدأت تظهر مبادرات ذات طابع أهلي – سياسي في عددٍ من البيئات المحلية، وهي ليست أحداثاً عابرة أو منصات شعارات، بل محاولة لقراءة المرحلة المقبلة، واستشراف الأدوار الممكنة داخل المشهد اللبناني المتحوّل.
في هذا السياق جاء اللقاء التعريفي الذي نظّمه المجلس الوطني الإسلامي في فندق مسابكي - شتورا بحضور شخصيات دينية واجتماعية وثقافية من محافظة البقاع. ويأتي هذا اللقاء من ضمن سلسلة تحركات أوسع يسعي المجلس من خلالها إلى فتح نقاش أوسع حول موقع الطائفة السنيّة، ودورها في المرحلة المقبلة، في ظل التحولات السياسية التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة.
استعادة الدور
رغم أنَّ اللقاء حمل في عنوانه بُعداً تنظيميّاً واجتماعيّاً، إلا أنّه سرعان ما اكتسب أبعاداً سياسية من خلال الكلمات التي ألقيت، والتي تمحورت حول استعادة الحضور السنيّ الوطني وتعزيز التماسك الداخلي، في محاولة لقراءة مرحلة يعتبر كثيرون أنها شهدت تراجعاً في التأثير السياسي للطائفة السنية على مستوى الدولة والمؤسسات.
في هذا السياق، دعا العقيد عميد حمود في حديث إلى "المدن" إلى "تحصين الساحة السنيّة والعمل على استرجاع دورها وحضورها الوطني"، معتبراً أنَّ المرحلة الراهنة تستدعي "إعادة بناء المبادرة السياسية والاجتماعية، وعدم الاكتفاء بالتلقي ورد الفعل". وهو طرح يعكس أراء كثيرة داخل البيئة السنية تعتبر أنّ السنوات الأخيرة شهدت انكفاءً عن التأثير المباشر في القرار الوطني.
حقوق مسلوبة
من جهته، قدّم الأمين العام للمجلس الشيخ محمد مطرجي خطاباً أكثر وضوحاً ومباشرة، فدعا إلى استعادة "حقوق السنة في عشرات المناصب والوظائف، حقوق سُلِبت منا بالإكراه بالاستقواء"، مشيراً إلى أنَّ هدف الإطار التنظيمي للمجلس "خلق مقاربة أوسع لمسألة التوازنات الداخلية وآليات إدارة السلطة في لبنان خلال السنوات الماضية".
من جهته القاضي الشرعي الدكتور خالد عبد الفتاح دعا إلى "مقاربة تقوم على النقد الايجابي البنّاء، داخل الطائفة وليس خارجها"، ومع تأكيده على أهمية وضرورة التماسك والتعاضد الداخلي بوصفهما "المدخل الأساسي لأي استعادة للدور أو إعادة بناء للحضور العام"، دعا عبد الفتاح إلى "انتاج قيادات فاعلة جريئة، تتحمل الضغوط ولا تتنازل" تشارك في أيّ مشروع سياسي وطني يهدف لإعادة ترميم البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ورغم تعدد المقاربات بين استعادة الحقوق، وإحياء الدور الوطني، وتعزيز التماسك الداخلي، يبقى القاسم المشترك بينها هو الإقرار بوجود تحوّل داخل البيئة السنية، يدفع نحو البحث عن أطر جديدة للتعبير والتنظيم.
لكنَّ السؤال الكبير يبقى: هل ينجح المجلس الوطني الإسلامي في تحويل هذا الخطاب إلى مشروع فعلي يتجاوز حدود اللقاءات الرمزية، أم أنه سيبقى إطاراً إضافياً في مشهد لبناني مزدحم بالمبادرات والمرجعيات؟
الإجابة لا تختصرها الشعارات، بل تتوقف على القدرة على إنتاج حضور سياسي ومجتمعي مستدام، يترجم نفسه إلى شراكة وطنية فعلية.




