إسرائيل من التعبئة إلى المراجعة والمحاسبة (1)

خلدون الشريفالاثنين 2026/06/22
تظاهرة معارضة في إسرائيل (Getty)
تجد إسرائيل نفسها أمام انتقال سياسي ونفسي عميق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في إسرائيل، لا تسقط الحكومات لأنها تخسر الحروب فقط، بل لأن الحروب الكبرى تكشف حدود القوة وحدود القيادة. ومنذ حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، يصعب العثور على رئيس حكومة إسرائيلي خرج من حرب كبيرة أقوى مما دخلها.

 

قادت غولدا مائير إسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973. ورغم أن الجيش الإسرائيلي تمكن بعد الصدمة الأولى من استعادة زمام المبادرة العسكرية والوصول إلى مواقع متقدمة على الجبهتين المصرية والسورية، فإن المفاجأة الاستراتيجية التي تعرضت لها إسرائيل هزّت ثقة الجمهور بقيادته. فازت مائير في الانتخابات التي جرت بعد الحرب في كانون الأول/ ديسمبر 1973 وشكلت حكومة جديدة، لكن تقرير لجنة أغرنات وما أثاره من غضب شعبي دفعاها إلى إعلان استقالتها في نيسان/ أبريل 1974.

وفي العام 1982، قاد مناحيم بيغن حرب لبنان الأولى، فيما لعب وزير الدفاع أرييل شارون دورها التنفيذي والسياسي الأبرز. وصل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، لكن الحرب لم تحقق الأهداف السياسية الأوسع التي وُضعت لها، وفي مقدمتها إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة. ومع مرور الوقت، تحولت العملية من رمز للقوة الإسرائيلية إلى أحد أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ الدولة، بسبب كلفتها البشرية والسياسية والأخلاقية، وما ارتبط بها من مجازر وأحداث هزّت الرأي العام داخل إسرائيل وخارجها. وانتهت الحرب باستنزاف طويل وباستقالة بيغن وخروجه من الحياة السياسية.

 

في العام 1996، شن شمعون بيريز عملية "عناقيد الغضب" في لبنان قبل أسابيع قليلة من الانتخابات، آملاً في أن تمنحه صورة القائد الحازم الذي يحمي أمن الإسرائيليين. وقد حققت العملية بعض أهدافها العسكرية المباشرة، لكنها لم تنجح في تحويل القوة العسكرية إلى رصيد سياسي. فبدلاً من أن تعزز موقع بيريز، جاءت مجزرة قانا وما رافقها من جدل داخلي وخارجي لتزيد تعقيد المشهد، وخسر الانتخابات أمام بنيامين نتنياهو. وكانت تلك واحدة من أوضح المحطات التي أثبتت أن الناخب الإسرائيلي لا يكافئ بالضرورة من يخوض الحرب، حتى عندما يعتقد أنه حقق إنجازات ميدانية.

وفي العام 2006، قاد إيهود أولمرت حرب لبنان الثانية وهو يطمح إلى إعادة ترميم قوة الردع الإسرائيلية بعد أسر حزب الله جنديين إسرائيليين. لكن الحرب التي بدأت تحت عنوان استعادة الردع انتهت بنقاش داخلي واسع حول الإعداد، والقيادة، والأهداف، والنتائج. ولم يكن تقرير فينوغراد سوى التعبير المؤسساتي عن شعور أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي بأن الإنجازات العسكرية المعلنة لم تتطابق مع التوقعات التي سبقت الحرب. ولم تسقط حكومة أولمرت فوراً، لكن الحرب أضعفت شرعيته السياسية بصورة لم يتمكن من التعافي منها، لينتهي مستقبله السياسي خلال فترة قصيرة.

 

واليوم يقف بنيامين نتنياهو أمام اختبار أكثر تعقيداً من كل ما واجهه أسلافه. فهو لا يواجه تداعيات حرب واحدة، بل تداعيات سلسلة حروب ومواجهات بدأت مع هجوم السابع من أكتوبر وامتدت إلى غزة، ولبنان، واليمن، وإيران. وإذا كان التاريخ الإسرائيلي يقدم درساً متكرراً، فهو أن الخطر الأكبر على القادة لا يكمن دائماً في الحرب نفسها، بل في اللحظة التي تتوقف فيها الحرب ويبدأ السؤال عن الثمن والنتائج والمسؤوليات.

وربما لهذا السبب تحديداً يبدو النقاش الدائر حالياً داخل إسرائيل مختلفاً عن المراحل السابقة. فحتى وقت قريب كان السؤال المركزي يتعلق بكيفية إدارة الحرب. أما اليوم، فقد بدأ سؤال آخر يفرض نفسه تدريجياً: ماذا سيحدث بعد انتهاء الحرب؟

الجواب عن هذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من نتائج أي معركة ميدانية.

 

أما بعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية، التي وضعت، ولو نظرياً حتى الآن، سقفاً لمسار الحروب المفتوحة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمهم إسرائيل، وإيران وحلفائها، وفي مقدمهم حزب الله، فإن إسرائيل تجد نفسها أمام انتقال سياسي ونفسي عميق. فالحرب التي وفرت طوال الأشهر الماضية مظلة لتأجيل الخلافات الداخلية، وساهمت في إبقاء نحو 70 في المئة من الإسرائيليين خلف خيار استمرار العمليات العسكرية، رغم إدراك نسبة كبيرة منهم أن نتائج الحرب لن تكون بحجم الأهداف التي رُفعت في بدايتها، لن تبقى قادرة على أداء هذا الدور.

عندها سيعود السابع من أكتوبر إلى الواجهة بوصفه القضية المركزية في الحياة السياسية الإسرائيلية.

فبعد أكثر من عامين ونصف على الهجوم الذي شكّل أكبر اختراق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث، ما زالت الأسئلة الأساسية معلقة: كيف حدث ذلك؟ من يتحمل المسؤولية؟ وما هو نصيب القيادة السياسية والعسكرية والأمنية من هذا الإخفاق؟

لقد نجح بنيامين نتنياهو حتى الآن في تأجيل هذا النقاش تحت وطأة الحرب وتعدد الجبهات. لكن التجربة الإسرائيلية تشير إلى أن الحروب لا تلغي المحاسبة، بل تؤجلها فقط.

 

وليس السابع من أكتوبر سوى أول الملفات المؤجلة، وليس آخرها.

فأزمة تجنيد الحريديم عادت لتتحول إلى واحدة من أخطر القضايا التي تواجه الدولة الإسرائيلية. فبعد سنوات من الحرب والخدمة الطويلة في الاحتياط، بات قطاع واسع من الإسرائيليين ينظر إلى استمرار إعفاء عشرات آلاف الحريديم من الخدمة العسكرية باعتباره مساساً مباشراً بمبدأ المساواة في تحمل الأعباء.

كما أن الصراع حول القضاء، الذي كاد أن يمزق المجتمع الإسرائيلي قبل الحرب، لم يختفِ. لقد تم تجميده فقط. ومع انحسار الضغوط العسكرية، ستعود الأسئلة المتعلقة بطبيعة النظام السياسي وصلاحيات المحكمة العليا وحدود سلطة الحكومة إلى قلب النقاش العام.

أما الاقتصاد، فهو مرشح بدوره للعودة بقوة إلى المشهد. فالحروب المتعددة رفعت الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، وأثقلت المالية العامة، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بكلفة الأمن وحدود القدرة على تمويله.

 

لكن ما قد يكون أكثر أهمية من كل هذه الملفات هو التحول التدريجي الذي بدأ يظهر في الخطاب الإسرائيلي نفسه.

ففي الأسابيع الأخيرة لم تعد بعض الأصوات الإسرائيلية تنتقد أداء نتنياهو فقط، بل بدأت تطرح أسئلة أوسع تتعلق بحصيلة الحرب نفسها. هل تحققت الأهداف المعلنة؟ هل جرى تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية؟ وهل كانت الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية متناسبة مع النتائج؟

وفي هذا السياق، تكتسب مقالات عديدة نشرت أخيراً أهمية خاصة، ليس بسبب اتفاق الجميع مع استنتاجاتها، بل لأنها تعكس بداية انتقال النقاش من التعبئة إلى المراجعة. ومن التركيز على العدو الخارجي إلى التركيز على الأداء الداخلي.

وهنا تحديداً تكمن المعضلة التي تواجه نتنياهو.

فاستطلاعات الرأي الحالية لا تمنح أي معسكر أغلبية واضحة. ويبدو أن معسكر المعارضة بقيادة نفتالي بينيت وحلفائه يقترب من عتبة الستين مقعداً، فيما يتراجع معسكر نتنياهو إلى ما دون الأغلبية المطلوبة. لكن الأرقام وحدها لا تفسر المشهد.

 

المسألة الأهم أن الانتخابات المقبلة قد لا تكون استفتاءً على الحرب، بل استفتاءً على ما سبقها وما تلاها.

فإذا استمرت المواجهة الإقليمية حتى موعد الانتخابات، سيبقى الأمن القضية الأولى، وسيحتفظ نتنياهو بجزء من ميزته التقليدية باعتباره رجل الأزمات والحروب.

أما إذا توقفت الحرب أو جرى احتواؤها في إطار تفاهمات إقليمية أوسع، فإن مركز الثقل سينتقل من الجبهات إلى الداخل، ومن الصواريخ إلى صناديق الاقتراع، ومن الأمن إلى المساءلة.

عندها سيكتشف نتنياهو ما اكتشفه كثيرون قبله: أن الخطر السياسي الحقيقي لا يبدأ عندما تندلع الحروب، بل عندما تنتهي.

ففي إسرائيل، كثيراً ما كانت المدافع تصمت لتبدأ بعدها مباشرة معركة أكثر قسوة: معركة البحث عن المسؤول.

ربما يكون السؤال المطروح اليوم في إسرائيل هو متى تنتهي الحرب. لكن السؤال الذي سيطرح غداً هو ماذا بقي بعدها. فالتاريخ الإسرائيلي يظهر أن القادة يربحون الوقت في الحروب، لكنهم لا يربحون بالضرورة الحساب الذي يليها. وإذا كان اتفاق أميركي–إيراني يلوح في الأفق بالفعل، فقد لا يكون أهم ما سيحمله وقف النار هو ما سيغيره في غزة أو لبنان أو إيران، بل ما سيطلقه داخل إسرائيل نفسها. هناك، حيث تبدأ عادة مع انتهاء الحروب معركة أخرى لا تقل قسوة عنها: معركة الذاكرة والمسؤولية والمحاسبة.

 

غير أن معركة المحاسبة داخل إسرائيل لن تبقى شأناً إسرائيلياً صرفاً. فالتغيير الذي يبدأ في تل أبيب يجد صداه اليوم في واشنطن أيضاً، حيث لم تعد العلاقة مع إسرائيل محصّنة كما كانت لعقود طويلة. فالتحولات الجارية في الرأي العام الأميركي، وخصوصاً بين الشباب والديمقراطيين واليهود الليبراليين، بدأت تدفع الإدارة الأميركية والنخب السياسية إلى مراجعة كلفة التماهي مع نتنياهو وسياساته. 

ومن هنا، فإن السؤال التالي لا يتعلق فقط بمستقبل نتنياهو داخل إسرائيل، بل بمستقبل إسرائيل نفسها داخل الوعي الأميركي. وذلك ما سنحاول مقاربته في الحلقة الثانية من هذه السلسلة. 

(يتبع)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث