حتى الآن، اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت، صامد بنسبة معينة، وبحذر شديد، إذ عمدت إسرائيل إلى تنفيذ ضربات وتعديات وعمليات توغل رغم إعلانها التزام وقف النار. وفيما يفترض انطلاق مفاوضات الـ 60 يومًا الإقليمية بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وطهران في سويسرا، كشف الإسرائيليون عن ثغرات إستراتيجية يحاولون استغلالها لفرض شروطهم على لبنان، ما يوحي بأن الهدوء قدج لا يستتب تمامًا، وستكون أمامه تحديات، ما يضع الدولة اللبنانية أمام خيارات تفاوضية معقدة في محطة واشنطن المرتقبة، يوم الثلاثاء.
فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على وقف النار التزامًا بالخطوط الحمر التي رسمتها إدارة ترامب لتسهيل مفاوضات سويسرا. لكن هذا الالتزام سرعان ما جرى رهنه بقرار سياسي إسرائيلي حاسم يكاد يعلن الاحتلال الدائم لأجزاء من الجنوب. وأكد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة: "لن ننسحب من لبنان، ولم ولن تكون هناك أي قيود على عمل الجيش الإسرائيلي أينما وجدت التهديدات". وشدد كاتس على أن التهدئة الحالية تبقي الجيش الإسرائيلي في جميع المواقع التي تحتلها في "المنطقة الأمنية" لحماية مستوطنات الشمال.
هذا الموقف يضع لبنان أمام ثغرة إستراتيجية في نصوص الاتفاق الإقليمي. فمذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تنص صراحة على وقف النار الفوري فقط، في حين أُرجئ بند "الانسحاب الإسرائيلي" وجرى ترحيله بالكامل ليكون مادة تفاوضية شاقة تقع على عاتق الحكومة اللبنانية وحدها.
وترجمةً لذلك، تحوّلت تلة "علي الطاهر" إلى مركز الثقل العسكري للأيام الماضية. وبحسب اعترافات تل أبيب الرسمية، خاض حزب الله قتالًا شرسًا ودفاعًا مستميتًا للحفاظ على هذه المنطقة، زاد خلاله من وتيرة إطلاق الصواريخ لمنع سقوطها. وتكمن الأهمية العسكرية لهذه الجبهة في معطيات هندسية حاسمة أعلنها الجيش الإسرائيلي، أبرزها أنها تضم شبكة أنفاق ضخمة ومجمعًا مركزيًا تحت الأرض، تصنّفه إسرائيل بأنه "غرفة العمليات المركزية لحزب الله في جنوب لبنان" والمقر الرئيسي لوحدات النخبة. كما أقرّ الجيش الإسرائيلي بأن جنوده الأربعة الذين أُعلن مقتلهم سقطوا أثناء محاولتهم اقتحام واحتلال هذا النفق الضخم. وعلى رغم صدور تعليمات بوقف النار، إلا أن قوات الاحتلال لا تزال متمسكة بمواقعها وتفرض حصارًا مشددًا على العشرات من مقاتلي حزب الله المحاصرين داخل تلك الأنفاق في منطقة علي الطاهر، رافضة الانسحاب منها.
قبل الانصياع "التكتيكي" لوقف إطلاق النار، نفّذت إسرائيل هجومًا تدميريًا واسع النطاق حصد في يوم واحد حصيلة مريعة بلغت 83 شهيدًا وأكثر من 150 جريحًا، سقط معظمهم في مجازر متنقلة طالت عائلات بأكملها في بلدات قضاء النبطية كحاروف، الدوير، الشرقية، كفرجوز، وجبشيت. وتوازى هذا النزيف البشري مع تطبيق عقيدة تدميرية معلنة، إذ جاهر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بهدم الصف الأول من القرى اللبنانية بالكامل ومسح منازلها. ونقل موقع "والاه" العبري تقديرات للجيش الإسرائيلي مفادها أن حزب الله نجح في إعادة إنشاء نظام مراقبة وجمع معلومات استخباراتية قبالة "الخط الأصفر" جنوبي لبنان، وهي الذريعة التي تتخذها تل أبيب لتبرير بقائها العسكري. وفي الموازاة، واصلت القضم الميداني، إذ توغل عدد من الآليات الإسرائيلية في خراج بلدة كفرشوبا، قضاء حاصبيا، في تأكيد عملي على أن التهدئة الإسرائيلية هشة ويمكن أن تخترق في أي لحظة.
لذلك، تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن، حيث تنطلق يوم الثلاثاء المقبل مفاوضات مباشرة ومكثفة تمتد لثلاثة أيام بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي. وتدخل إسرائيل هذه الطاولة مستندة إلى خريطة "المنطقة الأمنية" المتقدمة التي نشرها المتحدث باسم جيشها أفيخاي أدرعي بعمق 10 كيلومترات وشمال نهر الليطاني. ومن خلال ضغطها المستمر على تلال علي الطاهر، وحصار مقاتلي الأنفاق، وتحاول فرض معادلة ابتزازية على الدبلوماسية اللبنانية عنوانها: "نفّذوا قرار نزع سلاح حزب الله بشكل كامل وتفكيك بنيته العسكرية، وأعطونا صكًا رسميًا لترتيبات أمنية جديدة، وعندها فقط نناقش جداول الانسحاب التدريجي إلى الحدود الدولية".
في المقابل، يجد لبنان نفسه أمام مخاض عسير. فالتهدئة الحالية هي مجرد وقف نار "تجريبي" مضبوط بالساعة السويسرية. والعودة إلى القتال وقضم مناطق جديدة تظل قائمة في أي لحظة. وستكون مهمة الوفد اللبناني انتزاع جدول زمني سريع للانسحاب الشامل.
سويسرا تضبط النار ولا تضمن الانسحاب
ليس وقف إطلاق النار الجاري تسويةً لبنانيّةً مكتملة، بل استراحة إقليميّة فرضتها حاجة واشنطن وطهران إلى توفير بيئة ملائمة لمفاوضات بورغنشتوك. ولذلك، يبدو الهدوء مرتبطًا، في جوهره، بإيقاع المباحثات الأميركيّة، الإيرانيّة، لا بتحوّل جذريّ في الحسابات الإسرائيليّة أو بتفاهم نهائيّ على مستقبل الجنوب.
إدراج لبنان في صدارة جدول الأعمال يكشف أنّ الجبهة لم تعد ملفًّا منفصلًا، بل باتت جزءًا من سلّة تفاوضيّة تشمل البرنامج النوويّ الإيرانيّ ومضيق هرمز وترتيبات الأمن الإقليميّ. هذه المكانة تمنح لبنان أهمّيّة استثنائيّة، لكنّها تحمل خطرًا موازيًا، إذ قد تتحوّل السيادة اللبنانيّة إلى ورقة تستخدمها القوى الكبرى لتبادل الضمانات والتنازلات.
وتُظهر الشروط الإيرانيّة الخمسة لبدء المفاوضات أنّ طهران تريد تثبيت مبدأ ترابط الجبهات سياسيًّا، بعدما حاولت إسرائيل فصل الحرب في لبنان عن المواجهة الإقليميّة. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى منع انفجار الجنوب، لأنّ تجدّد الحرب من شأنه نسف مسار التفاوض ورفع كلفة المواجهة، ولا سيّما بعد استخدام إيران مضيق هرمز أداة ضغط مباشرة.
من هنا، لا يشكّل وقف النار انتصارًا نهائيًّا لأيّ طرف. إيران نجحت في إعادة لبنان إلى قلب التفاوض، والولايات المتّحدة فرضت قيودًا على الحركة الإسرائيليّة، أمّا إسرائيل فاحتفظت بأوراق ميدانيّة تتيح لها تعطيل التهدئة أو ابتزاز لبنان عند الحاجة.
إسرائيل تفصل بين وقف العدوان وإنهاء الاحتلال
المشكلة الأساسيّة في الصيغة القائمة أنّها تفصل عمدًا بين وقف العمليّات العسكريّة والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة. فتل أبيب وافقت على تجميد نسبيّ للنار، لكنّها لم توافق على إسقاط مشروع "المنطقة الأمنيّة"، بل تحاول تحويل احتلالها المؤقّت إلى واقع تفاوضيّ طويل الأمد.
وتعكس تصريحات نتنياهو وكاتس محاولة لتأسيس قاعدة جديدة، مفادها أنّ الحدود الدوليّة لم تعد وحدها مرجع الأمن، وأنّ لإسرائيل حقّ التحرّك داخل لبنان متى صنّفت نشاطًا ما على أنّه "تهديد". وفي حال قبول هذا المنطق، يصبح وقف النار مجرّد غطاء لاحتلال مرن، تتحرّك تحته القوّات الإسرائيليّة وتنفّذ الغارات والتوغّلات وفق تقديرها الأحاديّ.
كما يوحي طرح "الخطّ الأصفر"، بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات ويتجاوز في بعض النقاط نهر الليطاني، بأنّ إسرائيل تريد الذهاب إلى واشنطن بخريطة أمر واقع، لا بمقترح قابل للنقاش. فهي تسعى إلى جعل الانسحاب مكافأةً تمنح للبنان بعد تنفيذ شروطها، بدل اعتباره التزامًا فوريًّا يسبق البحث في أيّ ترتيبات داخليّة.
وهنا تكمن أخطر معادلات التفاوض: ربط السيادة اللبنانيّة بملفّ سلاح حزب الله، وربط الانسحاب الإسرائيليّ بمدى استجابة الدولة لشروط أمنيّة يحدّدها الاحتلال نفسه. وبهذه الطريقة، تحاول إسرائيل نقل النقاش من وجوب انسحابها إلى واجبات لبنان، وتحويل الطرف المعتدي إلى جهة تضع شروط إنهاء اعتدائها.
علي الطّاهر ورقة عسكريّة على طاولة السياسة
لا يمكن فصل المعارك حول مرتفعات علي الطّاهر وكفرتبنّيت عن الاستعداد للمفاوضات. فالمنطقة تحوّلت إلى نقطة اختبار بين مشروع إسرائيليّ يريد توسيع حزام الاحتلال، ودفاع ميدانيّ يسعى إلى منع تل أبيب من الوصول إلى ورقة إضافيّة تستخدمها في واشنطن.
وتكشف الخسائر الإسرائيليّة وحالة الإحباط التي تحدّثت عنها وسائل الإعلام العبريّة أنّ الجيش لم يتمكّن من استكمال أهدافه قبل صدور أوامر وقف النار. وهذا الفشل يفسّر إصرار المؤسّسة العسكريّة على إبقاء المنطقة تحت الضغط، وتضخيم الحديث عن شبكة أنفاق ومراكز قيادة تابعة لوحدة "بدر".
لا يعني ذلك بالضرورة أنّ الرواية الإسرائيليّة خالية من الوقائع، لكنّ توقيتها ووظيفتها السياسيّة يفرضان التعامل معها بوصفها جزءًا من معركة الشرعيّة. فإسرائيل تحتاج إلى إقناع واشنطن بأنّ انسحابها السريع يمنح حزب الله فرصةً لاستعادة قدراته، كما تحتاج إلى تبرير مقتل جنودها وعدم إنجاز مهمّتها أمام جمهورها الداخليّ.
ولذلك، يصبح ملفّ الأنفاق أداة متعدّدة الاستخدامات، فهو يبرّر استمرار الاحتلال، ويمنح الجيش ذريعةً لخرق وقف النار، ويضغط على المفاوض اللبنانيّ، ويخفّف عن نتنياهو كلفة التراجع أمام الضغوط الأميركيّة. أمّا غياب الأدلّة المستقلّة، فيكشف أنّ المطلوب ليس إثبات الرواية بقدر ما هو تكريسها عنوانًا تفاوضيًّا.
نتنياهو بين ضغط ترامب وأزمة الداخل
يواجه نتنياهو معضلةً تتجاوز الميدان اللبنانيّ. فالانسحاب تحت الضغط الأميركيّ سيقدَّم داخل إسرائيل باعتباره تراجعًا بعد خسائر بشريّة وعسكريّة، فيما يعرّض البقاء الجنود لمزيد من الاستنزاف ويهدّد العلاقة مع إدارة ترامب في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة.
ويزيد موقف إيتمار بن غفير وقوى اليمين المتشدّد صعوبة القرار. فهذه القوى لا ترفض الانسحاب فحسب، بل ترفض أصل التفاوض مع لبنان، وتدفع نحو حرب مفتوحة تنتهي بتغيير الوقائع الجغرافيّة والأمنيّة. لذلك، يحاول نتنياهو اعتماد صيغة وسطية، وقف القصف الواسع استجابةً لواشنطن، مع إبقاء الاحتلال والتهديد بالعودة إلى الحرب استجابةً لليمين.
غير أنّ هذه المعادلة لا يمكن أن تستمرّ طويلًا. فواشنطن تريد هدوءًا يسمح بإنجاح التفاوض مع إيران، فيما يريد الجيش الإسرائيليّ وقتًا لاستكمال عمليّاته، ويريد اليمين تثبيت منطقة عازلة. وكلّما طال أمد التهدئة من دون اتفاق على الانسحاب، ارتفع احتمال اصطدام هذه الأولويّات.
واشنطن بوصفها ساحة المواجهة المقبلة
تدخل المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة بين 23 و25 حزيران مرحلةً أكثر تعقيدًا من الجولات السابقة. فإسرائيل ستصل وهي تحمل احتلالًا ميدانيًّا وخريطةً أمنيّة وملفّ الأنفاق، بينما يصل لبنان وفي يده شرعيّة الحدود الدوليّة، والضغط الأميركيّ لوقف الحرب، والحاجة الدوليّة إلى منع انهيار تفاهم بورغنشتوك.
المطلوب لبنانيًّا ألّا تتحوّل الجولة إلى تفاوض على مقدار الأرض التي ستعيدها إسرائيل، بل على جدول زمنيّ واضح لانسحاب كامل وغير مشروط. كما ينبغي رفض أيّ صيغة تمنح تل أبيب حقّ التدخّل العسكريّ الدائم، أو تستبدل آليّات المراقبة الدوليّة بتنسيق أمنيّ مباشر يمسّ السيادة ويكرّس إسرائيل مرجعيّةً أمنيّة للبنان.
وفي المقابل، لا يستطيع لبنان تجاهل الضغوط المتعلّقة بسلاح حزب الله وانتشار الجيش جنوبًا. لكنّ معالجة هذه القضايا يجب أن تتمّ ضمن قرار لبنانيّ داخليّ وخطّة دفاعيّة وطنيّة، لا تحت الاحتلال أو تحت التهديد باستئناف المجازر.
وستكون قدرة الوفد اللبنانيّ على الفصل بين المسارين حاسمة، الانسحاب الإسرائيليّ التزام دوليّ غير قابل للمقايضة، أمّا تنظيم السلاح وبسط سلطة الدولة فمسار سياديّ لبنانيّ لا يجوز أن يصبح ثمنًا لاستعادة الأرض.
هدوء معلّق على نتائج بورغنشتوك
الجنوب يعيش هدنةً لا سلامًا، ووقفًا للنار لا نهايةً للحرب. دعوات البلديّات إلى تأخير عودة الأهالي تكشف انعدام الثقة بالالتزام الإسرائيليّ، فيما يؤكّد استمرار التوغّلات والتهديدات أنّ قرار استئناف العدوان ما زال حاضرًا.
الأيّام المقبلة ستحدّد ما إذا كانت مفاوضات سويسرا ستنتج ضمانةً سياسيّة قابلة للحياة، أم أنّها ستكتفي بتجميد النار ريثما تعيد الأطراف ترتيب أوراقها. فالهدوء الحالي مضبوط فعلًا بالساعة السويسريّة، لكنّ مصيره سيُحسم في واشنطن، حيث سيحاول لبنان منع تحويل الوقف "التجريبيّ" إلى احتلال دائم، وانتزاع معادلة واضحة: انسحاب كامل، سيادة غير منقوصة، وآليّة دوليّة تمنع إسرائيل من استخدام مفهوم "التهديد" بوّابةً لحرب لا تنتهي.




