مع وصول نائب الرّئيس الأميركي، جي دي فانس، إلى سويسرا للمشاركة في انطلاق جولة جديدة من المباحثات بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النّوويّ الإيراني، أكّد أنّ إحراز تقدُّم نحو تثبيت وقف إطلاق النّار في لبنان يمثّل إحدى الأولويّات الرّئيسيّة لهذه المحادثات.
ونقلت شبكة "سي إن إن" عن دبلوماسيّ مطّلع قوله إنّ جلسة طارئة خُصِّصت لبحث الوضع في لبنان أُدرجت في مقدّمة جدول أعمال المحادثات، لتكون القضيّة الأولى التي يناقشها الوفدان الأميركيّ والإيرانيّ.
في المقابل، أكّد مسؤول إيراني للشّبكة أنّ إنهاء النّزاع في لبنان يشكّل البند الأكثر أهمّيّة على جدول أعمال الوفد الإيراني.
هدوء حذر في الجنوب
تشهد البلدات والقرى في جنوب لبنان هدوءًا حذرًا، مع دخول قرار وقف إطلاق النّار حيّز التّنفيذ للمرّة الأولى منذ اندلاع الحرب في الثّاني من آذار الماضي.
وللمرّة الأولى، سُجِّل توقّف الغارات الإسرائيليّة التي تصاعدت وتيرتها خلال اليومين الماضيين، كما غابت الطّائرات الإسرائيليّة المسيّرة عن أجواء بيروت والجنوب.
ويعيش الجنوب ساعات اختبار لمدى التزام إسرائيل بقرار وقف إطلاق النّار، بعدما تعرّض قرار مماثل لخروقات إسرائيليّة غداة توقيع الاتّفاق الإيراني الأميركي، الذي أُدرج فيه وقف النّار في لبنان بندًا أساسيًّا.
وخشية انقلاب إسرائيل على الاتّفاق مجدّدًا، أصدرت بلديّات عدّة في الجنوب بيانات دعت فيها الأهالي إلى التّريّث مدّة 72 ساعة قبل العودة إلى قراهم. وجاءت هذه الدّعوات عقب موجة تصعيد واسعة نفّذ خلالها الطّيران الإسرائيلي أكثر من 300 غارة على الأراضي اللّبنانيّة خلال اليومين الماضيين، ما أسفر عن سقوط أكثر من 100 شهيد وإصابة ما يزيد على 200 مواطن.
معارك عنيفة في علي الطّاهر
جاء التّصعيد في سياق مساعٍ إسرائيليّة إلى توسيع نطاق العمليّات العسكريّة في جنوب لبنان، ولا سيّما في اتّجاه مناطق كفرا وياطر ومرتفعات علي الطّاهر، التي شهدت مواجهات شرسة وتصدّي مقاتلي حزب الله لمحاولات إسرائيليّة للسّيطرة عليها.
واعتُبرت معركة علي الطّاهر معركة وجوديّة بالنّسبة إلى حزب الله، فيما اكتسبت أهمّيّة معنويّة كبيرة بالنّسبة إلى الجيش الإسرائيلي، الذي أقرّ بفشله في السّيطرة على المرتفع وبمقتل عدد من ضبّاطه خلال المعارك.
وقف العدوان واستمرار الاحتلال
أعلنت إسرائيل وقف عمليّاتها العسكريّة في جنوب لبنان بعد موجة التّصعيد الواسعة، لكنّها أكّدت استمرار وجود قوّاتها داخل المناطق التي تسيطر عليها في الجنوب.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنّ تل أبيب ستبقى في جنوب لبنان "ما دامت الضّرورة تقتضي الدّفاع عن حدودها الشّماليّة"، وفق بيان صادر عن "مسؤول رفيع" وزّعه مكتب نتنياهو على الصّحافيّين.
وأضاف مسؤول في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أنّ "نتنياهو أصدر تعليماته إلى الجيش بالرّدّ بقوّة على أيّ هجوم من حزب الله، والعمل على إزالة أيّ تهديد يستهدف قوّاتنا"، مشيرًا إلى أنّ الجيش شنّ غارات على 300 هدف تابع لحزب الله خلال اليومين الماضيين، وقتل نحو 100 من عناصره، وفق الرّواية الإسرائيليّة.
إغلاق هرمز يسرّع الضّغوط الأميركيّة
جاء قرار إسرائيل وقف العدوان بعد أقلّ من ساعة على إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز ردًّا على التّصعيد الإسرائيلي، وصدور بيان عن مقرّ خاتم الأنبياء أكّد أنّ إغلاق المضيق ليس سوى خطوة أولى ضمن سلسلة إجراءات تعتزم طهران اتّخاذها. كما أعلنت وزارة الخارجيّة الإيرانيّة تجميد مفاوضات جنيف مع الولايات المتّحدة.
وأصدرت القيادة الإسرائيليّة تعليمات صارمة بوقف كامل لإطلاق النّار في جنوب لبنان، للمرّة الثّانية خلال أقلّ من 24 ساعة. ووفق وسائل إعلام إسرائيليّة، لم يكن القرار إسرائيليًّا خالصًا، بل جاء نتيجة "ضغط أميركيّ هائل" فُرض على تل أبيب لكبح عمليّاتها العسكريّة، بعد الخطوة الإيرانيّة التّصعيديّة بإغلاق مضيق هرمز.
وجاء التّحرّك الإيراني على خلفيّة استمرار الهجمات الإسرائيليّة على لبنان وخرق التّفاهمات التي نصّ عليها الاتّفاق الأميركي الإيراني المؤقّت.
أوامر إسرائيليّة صارمة بوقف النّار
نقلت وسائل إعلام أنّ الجيش الإسرائيلي أبلغ القيادة المركزيّة الأميركيّة بأنّه أمر وحداته بالالتزام الصّارم بوقف إطلاق النّار في لبنان، في وقت كثّفت فيه واشنطن ضغوطها على تل أبيب، خشية انهيار الاتّفاق مع إيران.
كما نقلت القناة "12" الإسرائيليّة عن مصدر دبلوماسيّ إسرائيلي أنّ الجيش أبلغ القيادة الأميركيّة الوسطى بإصداره "أوامر صارمة" بوقف إطلاق النّار في لبنان، عقب ضغوط أميركيّة كبيرة على إسرائيل.
وكشفت القناة أنّ الولايات المتّحدة نقلت رسالة إلى إسرائيل طالبتها فيها بعدم التّصعيد العسكريّ في لبنان، لإتاحة المجال أمام المحادثات المرتقبة بين واشنطن وطهران في سويسرا بشأن الملفّ النّوويّ.
ضمانة أميركيّة لإسرائيل
أكّدت واشنطن في رسالتها أنّ لإسرائيل "حقّ الدّفاع عن نفسها"، لكن من دون تنفيذ هجمات عسكريّة من شأنها إفشال المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتّحدة وإيران.
وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيليّة، نقلًا عن مصادر مطّلعة، أنّ الجيش الإسرائيلي تلقّى تعليمات بوقف إطلاق النّار في منطقة علي الطّاهر، التي تُعدّ أحد مراكز الثّقل الرّئيسيّة لحزب الله في جنوب لبنان.
وتحدّثت القناة "12" عن حالة إحباط في صفوف الجنود الإسرائيليّين في الجنوب، مشيرة إلى أنّهم عبّروا عن استيائهم من دفعهم "ثمنًا باهظًا" في منطقة علي الطّاهر، "من دون استكمال المهمّة العسكريّة".
وفي تعليقها على قرار وقف إطلاق النّار، قالت القناة "15" الإسرائيليّة إنّ تل أبيب حاولت الفصل بين إيران ولبنان "لكنّها فشلت"، معتبرة، في المقابل، أنّ إيران نجحت في إحداث تباعد بين إسرائيل والولايات المتّحدة.
تهديدات إسرائيليّة باستئناف التّصعيد
على الرّغم من وقف العمليّات العسكريّة، هدّدت إسرائيل بالعودة إلى التّصعيد في حال تعرّضها لأيّ هجوم من حزب الله.
ونقلت القناة "12" عن مسؤول إسرائيلي رفيع قوله إنّ الجيش سيستهدف حزب الله إذا تعرّض لهجمات جديدة، مضيفة أنّ نتنياهو وجّه الجيش إلى "الرّدّ بقوّة على أيّ هجوم من حزب الله".
وأشارت القناة إلى أنّ نتنياهو جدّد تأكيده بقاء الجيش الإسرائيلي في ما يسمّى "المنطقة الأمنيّة" داخل لبنان، بذريعة حماية الحدود الشّماليّة لإسرائيل.
كما نقل موقع "واللا" عن مصدر عسكريّ إسرائيلي أنّ رئيس الأركان، إيال زامير، أصدر تعليماته بوقف إطلاق النّار في جنوب لبنان، في ختام اجتماع خُصِّص لتقييم الوضع الأمنيّ.
حزب الله: ملتزمون وسنتصدّى لأيّ توغّل
من جهته، جدّد حزب الله التزامه بوقف إطلاق النّار مع إسرائيل، متوعّدًا، في الوقت نفسه، بالتّصدّي لأيّ محاولة من القوّات الإسرائيليّة لتوسيع نطاق الاحتلال في جنوب لبنان.
وكشف الحزب أنّ مقاتليه أحبطوا محاولة تسلّل إسرائيليّة، تحت جنح وقف إطلاق النّار، في اتّجاه مرتفع علي الطّاهر في قضاء النّبطيّة.
وقال الحزب في بيان: "يتذرّع العدوّ الإسرائيلي، مرّة أخرى، بادّعاءات كاذبة لتبرير خرقه وقف إطلاق النّار الذي لم يلتزم به يومًا، بما في ذلك الخروقات التي يواصل ارتكابها".
وإذ أكّد الحزب التزامه بوقف إطلاق النّار، حتّى بعد الخروقات الإسرائيليّة، أشار إلى محاولة إسرائيليّة جديدة للتّسلّل في اتّجاه مرتفع علي الطّاهر، "الذي بقي عصيًّا عليه، رغم محاولاته المتكرّرة لاحتلاله".
الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة
تأتي هذه التّطوّرات عشيّة الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المقرّرة في واشنطن بين 23 و25 حزيران الجاري، بعد أربع جولات سابقة انطلقت في نيسان الماضي.
ويطمح لبنان، من خلال هذه الجولة، إلى تثبيت وقف إطلاق النّار، والبدء بالعمل في ما يُعرف بـ"المناطق التّجريبيّة" في جنوب لبنان، ووضع جدول زمنيّ لانسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي اللّبنانيّة.
وبحسب المعلومات المتداولة، تبلّغ لبنان وجود نوايا إسرائيليّة للاحتفاظ بما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، باعتباره حدودًا أمنيّة لإسرائيل، فيما تسعى تل أبيب إلى تنفيذ انسحاب مشروط من المناطق الواقعة خارج هذا الخطّ.
وفي موازاة ذلك، ترفض إسرائيل أيّ دور لقوّات "اليونيفيل" أو لآليّة المراقبة الدّوليّة، وتسعى إلى فرض تنسيق أمنيّ مباشر، وهو ما يرفضه الجيش اللّبناني رفضًا قاطعًا.




