للمرّة الثانية خلال أقلّ من 48 ساعة، أعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار في لبنان، بعد يومٍ من الخروقات والغارات التي طالت مناطق عدّة في الجنوب والبقاع، وأدّت إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى.
ورغم إعلانها وقف العمليّات الهجوميّة مجدّدًا، أكّدت إسرائيل إبقاء قوّاتها داخل ما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر"، وتمسّكها بحرّيّة العمل العسكريّ في جنوب لبنان، مهدّدةً بالرّدّ على أيّ خرق للتفاهمات. ويأتي ذلك في وقتٍ تتواصل فيه المساعي الدوليّة لتثبيت التهدئة ومنع انهيار اتّفاق وقف إطلاق النار.
حزب الله يحمّل إسرائيل مسؤوليّة الخروقات
حمّل حزب الله إسرائيل المسؤوليّة الكاملة عن انتهاك وقف إطلاق النار، بالتزامن مع استمرار الغارات الإسرائيليّة على مناطق في جنوب لبنان وشرقه.
وقال الحزب، في بيان، إنّ "ما يرتكبه العدوّ الإسرائيليّ من اعتداءات ومجازر لم يعد مجرّد خرق لاتّفاق وقف إطلاق النار، بل يشكّل عدوانًا موصوفًا واستكمالًا للحرب بكلّ ما للكلمة من معنى، وعليه فإنّ المسؤوليّة الكاملة تقع على عاتق الاحتلال الإسرائيليّ".
وأضاف أنّ "ادّعاءات العدوّ بأنّنا نخرق اتّفاق وقف إطلاق النار محاولة مفضوحة لتخريب الاتّفاق بين إيران والولايات المتّحدة"، موضحًا أنّ "انتهاكات العدوّ الإسرائيليّ منذ فجر الجمعة بلغت 300 خرق واعتداء موثّق".
وشدّد الحزب على أنّ "من حقّ لبنان ومقاومته الدفاع عن نفسيهما في مواجهة الاعتداءات الإسرائيليّة، ولا يحقّ لأيّ جهة أن تسلبهما هذا الحقّ"، معتبرًا أنّ "سعي العدوّ إلى تثبيت حرّيّة الحركة أمر مرفوض، ولن يمرّ من دون ردّ، وطرد الاحتلال مسألة وقت".
غارات ومجازر في الجنوب والبقاع
ميدانيًّا، استُشهد عسكريّ في الجيش اللبنانيّ جرّاء غارة إسرائيليّة استهدفته عند دوّار كفررمّان، في قضاء النبطيّة.
وأعلنت قيادة الجيش، في بيان، أنّ "استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة الوحشيّة يهدف إلى عرقلة أيّ حلّ يتيح إعادة الاستقرار إلى لبنان".
وفي بلدة باريش، أدّت غارة إسرائيليّة إلى استشهاد خمسة أفراد من عائلة واحدة، فيما شنّ الطيران الحربيّ غارات أخرى على بلدتي لبّايا وسحمر في البقاع الغربيّ.
كما أسفرت غارة على بلدة قناريت، في حصيلة أوّليّة، عن استشهاد 11 شخصًا وإصابة 20 آخرين، بينما واصلت فرق الإسعاف والإنقاذ عملها في المنطقة، وسط ترجيحات بارتفاع عدد الضحايا.
وفي البقاع الغربيّ، أدّت غارة أخرى إلى استشهاد أربعة مواطنين من عائلة واحدة، فيما استمرّ البحث عن طفل تحت الأنقاض.
شكوك تحيط بمدى التزام إسرائيل
لا يزال مدى التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار غير واضح. وكان سفيرها لدى واشنطن قد أعلن أنّ إسرائيل أوقفت عمليّاتها الهجوميّة في لبنان، قائلًا: "إذا التزم حزب الله بالاتّفاق وأوقف أعماله العدائيّة، فسنقابل ذلك بالهدوء".
لكنّه استدرك بالتأكيد أنّ إسرائيل ستبقى في ما وصفه بـ"المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان، بهدف القضاء على حزب الله وتفكيك بنيته.
في المقابل، أعلن حزب الله التزامه باتّفاق وقف إطلاق النار متى التزمت إسرائيل به.
وعلى الرغم من إعلان التهدئة، استمرّ الجنوب ساحةً للاعتداءات والمواجهات، إذ واصلت القوّات الإسرائيليّة محاولاتها للسيطرة على منطقتَي علي الطاهر وكفرتبنيت، فيما أعلن حزب الله تصدّيه لها.
وقال الأمين العامّ لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، إنّ "الحزب اتّخذ قرارًا كربلائيًّا لا يزال ساري المفعول، وله هدف واحد هو ممارسة حقّ الدفاع وتحرير الأرض".
طهران تربط تحرّكاتها بتثبيت وقف النار
ذكر موقع "أكسيوس" الأميركيّ أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ، عبّاس عراقجي، أبلغ عددًا من نظرائه بأنّ وقف إطلاق النار في لبنان يمثّل قضيّةً بالغة الأهمّيّة بالنسبة إلى طهران.
وبحسب الموقع، تشدّد إيران على ضرورة دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فعليًّا قبل توجّه عراقجي إلى سويسرا.
مفاوضات مباشرة ومناطق انتشار تجريبيّة
تتّجه الأنظار إلى المفاوضات المباشرة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، والتي ستتركّز، وفق مصادر رسميّة، على تثبيت وقف إطلاق النار والاتّفاق على نموذج ميدانيّ تجريبيّ.
ويقضي النموذج المقترح بانتشار الجيش اللبنانيّ في مناطق محدّدة من الجنوب، في محاولة لمعالجة ملفّ سلاح حزب الله، مقابل انسحاب القوّات الإسرائيليّة من تلك المناطق.
وأعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة عقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركيّة واشنطن، خلال الفترة الممتدّة من 23 إلى 25 حزيران.
وقال المتحدّث باسم الوزارة، تومي بيغوت، إنّ وزير الخارجيّة الأميركيّ، ماركو روبيو، أجرى اتّصالًا هاتفيًّا مع الرئيس اللبنانيّ، جوزيف عون، بحثا خلاله الجولة المقبلة من المفاوضات.
وأضاف بيغوت أنّ الطرفين سيعملان، "بوصفهما حكومتين ذواتَي سيادة، على إحراز تقدّم نحو سلام دائم".
وأشار إلى أنّ روبيو أشاد بما وصفه بـ"شجاعة الرئيس عون في السعي إلى اغتنام فرصة تاريخيّة لتعزيز سيادة لبنان وتعافيه".
كما جدّد وزير الخارجيّة الأميركيّ دعم واشنطن لجهود الحكومة اللبنانيّة الرامية إلى إقامة دولة ذات سيادة كاملة تعيش بسلام مع جيرانها، معتبرًا أنّ المفاوضات تمثّل "المسار العمليّ الوحيد لإعادة الإعمار، وتحقيق التعافي الاقتصاديّ، وإنهاء دوّامات العنف المتكرّرة".
تصعيد واسع سبق إعلان التهدئة
سبق إعلان وقف إطلاق النار تصعيد إسرائيليّ عنيف، إذ شنّ الطيران الحربيّ أكثر من 106 غارات، أسفرت عن استشهاد 47 شخصًا وإصابة 97 آخرين، وفق آخر بيانات وزارة الصحّة العامّة.
وطالت الغارات مناطق عدّة في جنوب لبنان، إضافةً إلى مواقع في قضاء بعلبك شرقيّ البلاد.
وردّ حزب الله على الخروقات الإسرائيليّة باستهداف دبّابة تابعة للكتيبة 52، العاملة تحت قيادة لواء "جفعاتي".
وذكرت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّه لم يكن ممكنًا الجزم، بصورة قاطعة، بما إذا كانت الدبّابة قد أُصيبت بواسطة مسيّرة مفخّخة، مشيرةً إلى أنّ الهجوم أدّى إلى مقتل ضابط وثلاثة جنود.
سموتريتش وبن غفير يهدّدان بتوسيع الحرب
دعا وزير الماليّة الإسرائيليّ، بتسلئيل سموتريتش، ردًّا على مقتل الجنود الإسرائيليّين وإصابتهم في لبنان، إلى "فتح أبواب الجحيم".
وكتب سموتريتش: "صباح صعب، وقد حان وقت الكلام بالنار وفتح أبواب الجحيم".
بدوره، قال وزير الأمن القوميّ الإسرائيليّ، إيتمار بن غفير، إنّه "مقابل كلّ دمعة لأمّ إسرائيليّة، يجب أن تبكي ألف أمّ لبنانيّة"، مضيفًا أنّ "لبنان كلّه يجب أن يحترق".
عراقجي: التصريحات الإسرائيليّة تهديد للبشريّة
ردّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ، عبّاس عراقجي، على تصريحات بن غفير، واصفًا المجموعة الحاكمة في تل أبيب بأنّها "فرقة للموت والإبادة الجماعيّة"، ومعتبرًا أنّها تمثّل "تهديدًا للبشريّة جمعاء".
وقال عراقجي، في منشور عبر منصّة "إكس"، إنّ "هذه التهديدات ليست مجرّد ادّعاءات صادرة عن شخص مجهول أو مجنون ومرتكب لحرب إبادة، بل مواقف علنيّة صادرة عن وزير الأمن القوميّ في الكيان الإسرائيليّ".
وأضاف أنّ "الهدف الوحيد لهذه المجموعة هو إدامة حالة الحرب بلا نهاية".
قاسم: المشروع الإسرائيليّ سقط
عقب الإعلان عن اتّفاق وقف إطلاق النار، قال الأمين العامّ لحزب الله، نعيم قاسم، إنّ المشروع الإسرائيليّ الرامي إلى إنهاء الحزب وتثبيت الاحتلال قد سقط.
وأضاف أنّ "الإسرائيليّ سيخرج من آخر شبر من أرضنا"، مؤكّدًا أنّ الحزب اتّخذ "قرارًا كربلائيًّا لا يزال ساري المفعول"، وأنّ هدفه يتمثّل في ممارسة حقّ الدفاع وتحرير الأرض.
واعتبر قاسم أنّ لبنان يمرّ بأخطر مرحلة في تاريخه، ويواجه ما وصفه بـ"مشروع مؤامرة أميركيّة، إسرائيليّة، دوليّة"، يهدّد مستقبل البلاد وأجيالها.
وتحدّث عن ضغوط مورست على سورية للتدخّل من الشرق وتشكيل ما يشبه الكمّاشة مع إسرائيل من الجنوب، إلّا أنّ الحكومة السوريّة لم تستجب، وفق قوله.
تعديلات عسكريّة واستعداد لمواجهة جديدة
أكّد قاسم أنّ حزب الله عدّل أساليب القتال وطوّر قدراته التسليحيّة، مشيرًا إلى أنّه يمتلك "أعلى مستوى من بأس المجاهدين الاستشهاديّين".
وقال إنّه "منذ الثاني من آذار الماضي، أصبح قتالنا في مرحلة لا عودة فيها إلى ما قبل هذا التاريخ".
وحدّد خمسة معايير لما وصفه بالنصر، هي: "الحسين نهجنا"، و"رفض الظلم"، و"نجاهد للدفاع"، و"لا نخشى الموت"، و"لا حدود للتضحية".
وفي كلمة ألقاها خلال المجلس العاشورائيّ المركزيّ، أوضح قاسم أنّ الحزب أعاد النظر في هيكليّته العسكريّة وطريقة إدارته، مستفيدًا من تجربة معركة "أولي البأس"، وبما يتناسب مع طبيعة أيّ مواجهة جديدة محتملة.
وأضاف أنّ الحزب طوّر إمكاناته التسليحيّة وقدراته في مجال المسيّرات، وعمل على رعاية الأوضاع الاجتماعيّة لمناصريه، مشيرًا إلى أنّه أمّن الترميم والإيواء لنحو 300 ألف عائلة.
كما أكّد الحفاظ على وحدة القوى المقاومة بين حركة أمل وحزب الله، ووضع خطّة طويلة الأمد، واعتماد الغموض والصمت خلال مرحلة الإعداد للمواجهة.
اتّهامات بمخطّط لإنهاء المقاومة
تحدّث قاسم عن مخطّط وصفه بـ"الكبير والخطير جدًّا"، يهدف، وفق تعبيره، إلى إنهاء المقاومة وبيئتها وإلغاء وجودها في لبنان بصورة كاملة.
واتّهم الولايات المتّحدة بقيادة هذا المخطّط، قائلًا إنّها "تقود المايسترو والخطّة بكلّ تفاصيلها وفي مختلف الاتّجاهات، وتستخدم جميع الإمكانات المتوافرة لديها".
وشدّد على أنّ منع إسرائيل من تحقيق أهدافها يُعدّ، في حدّ ذاته، نصرًا.
ومن بين بنود المخطّط الاثني عشر، تحدّث قاسم عن "الحرب الإسرائيليّة المجرمة على لبنان، التي لا تراعي أيّ ضوابط في قتل المدنيّين والأطفال والتدمير، وترتكب مختلف أشكال الإجرام لإخضاع المقاومة".
كما اتّهم إسرائيل والولايات المتّحدة بالتراجع عن اتّفاق 27 تشرين الثاني 2024 بعد سقوط النظام في سورية، معتبرًا أنّهما رأتا أنّ موازين القوى تغيّرت، ولم تعودا راغبتين في الاستمرار وفق الاتّفاق السابق.
اتّهامات للسلطة السياسيّة وحصار المعابر
اتّهم قاسم السلطة السياسيّة في لبنان بأنّها تُستخدم "واجهةً ومظلّةً" لتنفيذ خطوات تستهدف المقاومة، وبأنّها تخالف الدستور بهدف إسقاطها، بصرف النظر عن النتائج، مع توفير الغطاء السياسيّ لذلك.
وأشار، في سياق حديثه عمّا وصفه بالمؤامرة، إلى إقفال المعابر الجوّيّة والبحريّة والبرّيّة بهدف منع وصول السلاح والتقنيّات وكلّ ما من شأنه تعزيز قدرات المقاومة.
كما تحدّث عن منع إعادة الإعمار لإبقاء المتضرّرين مشرّدين ونازحين، ودفع بيئة المقاومة إلى الانقلاب عليها، إلى جانب فرض حصار ماليّ يمنع حزب الله من معالجة تداعيات الحرب واستعادة قدراته.
وأضاف أنّ هناك مساعي للتحريض على فتنة بين الجيش والمقاومة، فضلًا عن ممارسة ضغوط على سورية للتدخّل من الشرق وتشكيل كمّاشة مع إسرائيل، مؤكّدًا أنّ دمشق رفضت الاستجابة لهذه الضغوط.




